بعد أن «بلعوا الأخضر واليابس» صراع روسي إيراني على من يرحل من سوريا أولاً

ريف دمشق (الحل) – سعت #إيران خلال السنوات الماضية لإحكام قبضتها على سوريا، وخصصت دمشق وريفها كأولوية قصوى لفرض هيمنتها، وإثبات وجودها، لما تحمله العاصمة من أهمية كبرى لجميع القوى الموجودة في المنطقة، ووضعت ثقلها عبر زرع ميليشيات تابعة لها عسكرياً وفكرياً ودينياً، لتشكيل قوة كبيرة فيها.

وظهر المخطط الإيراني للسيطرة على دمشق وريفها بتركيز انتشار عناصرها ونقاط الميليشيات التابعة لها في كل نقطة محيطة بالعاصمة، إذ تعتبر المنطقة الجنوبية لدمشق هي الخاصرة الأقوى للوجود الإيراني في سوريا، إضافةً إلى التركيز على المناطق الحدودية مع لبنان، ومداخل العاصمة الغربية والشمالية.

 

التطوّع بالمغريات 

طوعت الميليشيات الإيرانية آلاف الشبّان في دمشق وريفها، بعد إغرائهم برواتب عالية، وحصانة أمنية تمكنّهم من التنقل بسهولة في مناطق النظام، إضافةً لتقديم مساعدات شهرية، مستغلةً تردي الظروف الاقتصادية والأمنية في المنطقة، لكنها فشلت بهذه الخطوة بعد هروب قسم كبير من المتطوعين معها، والتحاقهم بجيش النظام بشكل مباشر أو الخروج عبر التهريب من البلاد.

ولم تنجح الميليشيات الإيرانية بزرع عقيدتها في عقول المنتسبين لها، إذ يتباين فكرها بشكل كبير عن طريقة تفكير المتطوعين معها، والذين انتسبوا إما طمعاً بالمال، أو للهرب من النظام، لا سيما وأنّهم أخذوا تعهدات بأنّ خدمتهم مع الميليشيات سيتم احتسابها من الخدمة الإلزامية، وهو ما لم يحصل، وكانت التعهدات مجرد كلام لترغيبهم بالتطوع.

وبحسب شهادة عمر أحمد (شقيق أحد المتطوعين) فإنّ الميليشيات كانت تتعامل مع المتطوعين السوريين بأسلوب سيء، وكانت تنظر لهم على أنّهم من طبقة أدنى، إضافةً لوقوع الكثير من المشاكل بسبب الاختلاف العقائدي بين الطرفين، حيث يشتم عناصر الميليشات الأجانب بعض المقدسات للمتطوعين، دون احترام لمعتقداتهم، ومن يخالفهم يتم تنبيهه في المرة الأولى وفي حال التكرار كان يُساق للتحقيق بتهم «دينية؛ أو طائفية»، وكان المحققون من قيادييّ هذه الميليشيات.

وأضاف «أحمد» أنّ المتطوعين السوريين واجهوا مصيراً سيئاً بالانضمام لهذه الميليشيات، إذ تم الزج بهم على الخطوط الأمامية في الجبهات الساخنة، ولم تتم معاملتهم بالمثل من ناحية الرعاية الطبية والغذاء واللباس، ناهيك عن إهمالهم في حال تعرضوا لمشاكل أمنية، «كما حصل مع شقيقي الذي ما يزال في السجن حتى اليوم بسبب اعتباره منتمياً لفصيل مسلح» اختتم عمر.

 

محاولة طمس الهوية

عملت إيران من خلال تواجدها في سوريا على نشر ثقافتها وفكرها، ولم يقتصر وجودها على الناحية العسكرية، بل عززت من حضورها بدعم مركزها الثقافي في دمشق، والتي تعمل فيه على توزيع الكتب الإيرانية المترجمة للعربية، وإقامة دورات اللغة الفارسية، و استقبال الوافدين الجدد إلى المذهب «الشيعي»، ودعمهم بمبالغ مالية تحت مسمى «إعانة»، ومتابعة أوضاعهم عبر اتصالات دورية لتثبيتهم على اختيارهم الجديد.

المركز الذي تم زرعه وسط العاصمة دمشق في موقع مميز قريب من معظم المعالم الدمشقية الهامة، حيث يتموضع قرب ساحة المرجة، يعمل أيضاً على تقديم دورات تثقيفية لمقاتلي الميليشيات الإيرانية والمنتسبين لها من سوريا، إضافةً لإقامة معارض للكتب الفارسية للكبار والأطفال، للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من السوريين، ناهيك عن تسهيل رحلات «الحجاج» الإيرانيين إلى #سوريا وتقديم خدمات لهم بالتعاون مع شركة «الفراديس» للنقل.

وكان لرجال الدين «الشيعة» دور في نشر الثقافة الإيرانية ومعتقدات المذهب «الشيعي» بتسهيلات من النظام، إذ تم إشراكهم في «المركز الإسلامي لمكافحة الإرهاب والتطرف» الذي أنشأه رأس النظام بشار الأسد وأشرف على افتتاحه بنفسه، كما سُمح لهم بإقامة الدروس والطقوس الدينية الخاصة بهم في مساجد العاصمة دمشق كافة، ومنحهم الإذن في زيارة المدارس وتقديم الدورات للطلاب.

ولم تتوقف الجهود الإيرانية عند نشر الثقافة الفكرية بل أدخلت المجال العمراني ضمن سياساتها الثقافية في البلاد، حيث قامت منظمة «جهاد البناء» برسم لوحات جدارية فارسية على جدران في العاصمة دمشق، وكتابة عبارات طائفية،  دون الحصول على إذن من #حكومة_النظام أو حتى استشارتها، بحسب مصادر مطّلعة في محافظة دمشق.

 

نقاط عسكرية هامة وضربات موجعة

كثفت إيران من وجودها في منطقة الغوطة الغربية لدمشق، والتي تعتبر ذات أهمية مضاعفة، لكنها  أُجبرت على إخلاء قرية «الهبارية» الواقعة في منطقة «مثلث الموت» (الواصلة بين محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق) العام الماضي، بعد الاستقرار فيها لأكثر من عامين وتشريد سكانها بحجة حمايتها، حيث «عُقدت اجتماعات بين #روسيا وسوريا وإسرائيل تم من خلالها التعهد بإعادة #إيران مسافة 80 كم عن الحدود الإسرائيلية، وإخراج المعارضة من المنطقة الجنوبية عبر اتفاقيات المصالحة والتهجير»، بحسب أحد القادة الذين كانوا يحضرون اجتماعات غرفة «الموك» في الأردن.

واضطرت إيران بعد ذلك  لاتخاذ القطع العسكرية في محيط مدينة  #الكسوة مقراً رئيساً لها، لما تتميز به من موقع قريب من العاصمة والحدود الإسرائيلية في الوقت نفسه، إضافةً لوجود كتلة جبلية مرتفعة في المنطقة تزيد من قدرتها على التجسس وتشكيل منظومة تكشف المنطقة بشكل كامل.

هذا الموقع العسكري لم يكن ليسقط من المخططات الإسرائيلية لمهاجمة إيران وفصائلها، إذ تم استهدافه بالصواريخ الموجهة وصواريخ الطيران الحربي الإسرائيلي، أكثر من مرة، ما تسبب بتدمير مخازن أسلحة ومعدات تقنية، إضافةً لقتل وجرح المئات من العناصر والضباط.

وعلى الرغم من توالي الضربات التي تلقتها إيران في المنطقة إلّا أنّها ما تزال تُصرّ على تثبيت نقاطها فيها، كونها تعتبرها مركزاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه، «الأمر الذي بات يقلق بعض ضباط وعناصر النظام الذين طفح بهم الكيل، ولم يعد بمقدورهم تحمل تجاوزات وإهانات قادة الحرس الثوري لهم من جهة؛ واعتبار إيران المتسبب الأول في استهدافهم من الطيران الإسرائيلي من جهة أخرى»، حسب ما كان يقوله عنصر من الفرقة الأولى التابعة لجيش النظام، لأحد زملائه على طريقة «فشة خلق».

 

سطوة على عناصر جيش النظام

شاركت إيران بشكل مباشر في المعارك إلى جانب النظام بشكل فعّال، وكان دعمها قوياً عبر جيشها أو عبر الميليشيات التابعة لها، واكتسبت نفوذاً واسعاً في البلاد لما قدمته من دعم عسكري ومالي للنظام، وانتشر جزء من مقاتليها على الجبهات الساخنة، للقتال تحت راية «الجهاد»، الذي لم يكن يوماً حكراً على الجماعات «الجهادية السنية» المتشددة في سوريا.

ومكّنت هذه المشاركة الفاعلة في المعارك، العناصر الإيرانية والأجنبية التابعة لها من فرض سطوتها على عناصر جيش النظام، إذ اشتكى عدد من عناصر الجيش من الدورات التدريبية العسكرية (التي يشرف عليها عناصر #حزب_الله اللبناني في اللواء 121 في الغوطة الغربية)، واصفين تدريباتهم بـ«المجهدة والمذلة»، إذ يقوم «الحجاج» (كلمة حاج تطلق على المسؤولين العسكريين في الحزب) بتوجيه الكلام البذيء والصراخ على عناصر النظام، ويجبرونهم على الالتزام ببرامج بدنية صعبة، كما يطبقون عليهم عقوبات في حالة التلفظ بالكفر أو التهرّب من التدريبات.

وأكدّ أحد المجندين ويدعى «حسين» (رفض نشر اسمه كاملاً حرصاً على سلامته) أنّ أكثر من خمسة عشر عنصراً من النظام تم سجنهم بسبب دخولهم في نقاشات مع المسؤولين من حزب الله، وتمت إحالتهم للتحقيق بتهمة «إثارة نعرات طائفية»، على الرغم من عدم خوضهم في النقاشات الطائفية أو الاقتراب منها لما يعلمونه من حساسية هذا الأمر، وفق قوله.

 

تجارة مخدرات 

استغل حزب الله اللبناني -التابع بالولاء إلى طهران- سيطرته على المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان، وبدأ عناصره بتسهيل تهريب المخدرات من لبنان إلى سوريا، إذ يتعاونون مع ميليشيات الدفاع الوطني التابعة للنظام لإدخال شحنات كبيرة من المخدرات عبر الحدود، مستفيدين من الحصانة الأمنية التي يتمتعون بها وحالة الفساد الكبيرة في حكومة النظام.

ولم يستطع مسؤولو الحزب تغطية هذه الأعمال كثيراً، فقد نشب خلاف بينهم وبين قادة الدفاع الوطني على تقاسم الأرباح من تجارة وتهريب المخدرات، تطور لاشتباك مسلح قرب قرية #فليطة في #القلمون الغربي بريف #دمشق، أدى لمقتل سبعة عناصر من الحزب ومقتل وإصابة عدد من عناصر الدفاع الوطني.

 

قلعة حصينة جنوب دمشق

أنشأت الميليشيات «الشيعية» الأجنبية مربعاً أمنياً في منطقة جنوب دمشق، وشيدت قلعتها الحصينة في منطقة السيدة زينب وطوقها الذي يضم قرى: (سبينة، ببيلا، يلدا، بيت سحم، حجيرة، والديابية)، حيث حظرت عودة الأهالي المهجرين من هذه المناطق إلى منازلهم، باستثناء بلدات (ببيلا، بيت سحم، ويلدا)، حيث حافظ الأهالي على بقائهم بعد رفض التهجير الكامل منها.

وبحسب الناشط «عمار القدسي» فإنّ الميليشيات «الشيعية» الأجنبية تركز على شراء العقارات والأراضي من الأهالي، وتقوم بتقديم أسعار أعلى من الأسعار العادية لإغراء الأهالي ببيع ممتلكاتهم، وإحكام السيطرة على المنطقة بقوة القانون في حال الحصول على الطابو من المالكين.

وأضاف «القدسي» أنّه وعلى الرغم من كل المحاولات لأهالي بلدات الطوق المهجرين فإنّ الميليشيات الإيرانية ما تزال ترفض عودتهم إلى مناطقهم، مؤكداً أنّ بعضهم يتعرض للابتزاز لإجباره على بيع ممتلكاته، كأن يتم تهديده بتدمير المنزل أو إشغاله بما يخالف القوانين لدفع حكومة النظام لتسجيل المخالفات بحقه، كما حصل مع أحد أبناء بلدة حجيرة.

 

تحجيم روسي لإيران 

فشلت إيران في عملية فرض سيطرتها على مدينة داريا كما فعلت في مدن وبلدات جنوبي دمشق، إذ سعت لتثبيت قدم لها في المدينة عبر تقديم عروض لشراء أراضي فيها بحجة وجود مقام “السيدة سكينة” فيها، حيث رفض الكثير من الأهالي بيع ممتلكاته للإيرانيين ووكلائهم، وأصروا على التمسك بالعودة.

وبحسب تسريبات من أحد العاملين في المجلس التنفيذي لمدينة داريا فإنّ «توصية روسية شددت على ضرورة حفاظ الأهالي على ممتلكاتهم بسبب اقتراب عودتهم»، وجاءت هذه التوصيات بالتزامن مع نشاط خدمي غير مسبوق في مدينة داريا، إذ يأمل المسؤولون عن المدينة بعودة قريبة للأهالي بتوجيهات روسية للنظام.

 

علاقة دمشق مع طهران …والنهايات المرَّة؟

اعتمد النظام السوري على إيران كشريك يقدم له المال والسلاح، لكن مع تعاظم الدور الروسي في دمشق، فإن نفوذ طهران بدأ بالتقلص بوضوح في عموم سوريا رغم محاولاتها للتمدد بشراء العقارات، وهو ما انعكس إلى حد نسبي قرب العاصمة، مع تراجع الرايات والأعلام، والمظاهر العسكرية الإيرانية. بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الأخيرة، التي ازدادت حدتها بشدة خلال الأسابيع الفائتة، والتي بدأت بدورها تؤثر على التواجد الإيراني، فلم تعد طهران قادرة على تمويل الآلاف من المقاتلين الذين ينتشرون في عموم البلاد في سوريا، وهذا ما بدا واضحاً في خطابات الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله، واعترافه بتقليص أعدادهم في لقائه على قناة «المنار» التابعة للحزب.

إن الوقائع على الأرض تؤكد أن الفاتورة البشرية والمالية الكبيرة التي تكبدتها إيران وصلت إلى ذروتها مؤخراً، بالتزامن مع زيادة الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية، التي إن اختلفت في كل شيء، فهي تتفق على وجوب خروج الميليشيات الإيرانية في سوريا، وهو ما يبدو أنه قرار تدريجي جرى اتخاذه في طهران، مع تناقص أعداد العناصر التابعة لإيران في سوريا.

 

إعداد: سليمان مطر – تحرير: سامي صلاح 

 


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/JJgIF