الفلسطينيون في تركيا ضحية للعنصرية المتنامية ضد العرب

وكالات (الحل) – نشرت صحيفة “هارتز” الإسرائيلية تقريراً تناولت فيه حال العرب المتواجدين في تركيا بشكلٍ عام، والفلسطينيين بشكلٍ خاص. حيث يبين التقرير أن الأزمة الاقتصادية في تركيا عززت من حالة الاستياء تجاه النصف مليون سوري المتواجدين في مدينة اسطنبول. كما ساهمت السياسات الشعبوية بتحويل هذه الحال إلى حالة عدائية ضد العرب ككل، وقد حل الفلسطينيون ضحية لهذا التحول.

“العنصرية ضد العرب متواجدة في كل مكان، في نظراتهم البغيضة لنا في وسائل المواصلات. أتساءل لماذا يكنون كل هذا البغض!”، تقول نسرين أميراه، وهي شابة فلسطينية طموحة وصلت إلى تركيا من غزة منذ عامين. فنسرين، الفنانة الطموحة في أوائل العشرينيات من عمرها، كانت ترى في اسطنبول مفتاحاً للعالم. معتبرةً إياها فرصة لتوسيع آفاقها الاجتماعية والفنية، معتقدةً أن موهبتها هي التي سوف تقدمها للمجتمع وتتحكم بها، وليس أصلها وهويتها. إلا أن حالة الاستياء من العرب في بلدها الجديد تتزايد بشكلٍ يثير المخاوف، حيث تتوجه هذه الحالة بشكلٍ أساسي نحو اللاجئين السوريين المتواجدين في اسطنبول، لكن الحالة تتفاقم لتصبح حالة من العداء موجهة ضد العرب ككل. أما هي وغيرها من الفلسطينيين فقد أصبحوا ضحايا لهذه التحولات. الأمر الذي جعل نسرين تشعر بخيبة أمل كبيرة فتقول: “أصدقائنا في غزّة يعتقدون أن الأمور سهلة للغاية في الخارج. لكن حياتنا هنا تبدأ من الصفر، كأنك تولد من جديد. ناهيك عن العنصرية، إنها حالة متطرفة.. لم أشهد هذا النوع من العنصرية في غزة أبدا”.

وهناك الكثير من الأمثلة عن مدى انتشار هذا النوع من العداء ضد العرب في اسطنبول. فيقول مستشار سياحي في العقد الرابع من العمر وهو غالباً ما يسافر إلى آسيا: “الشعب التركي متفق على نقطة واحدة: التهديد الأكبر الذي يواجه تركيا هو العرب”.
ويشير التقرير إلى أن العداء الموجه ضد العرب يرتكز على محورين أساسيين: الأول موجه ضد السياح القادمين من الخليج العربي، والذين يتصفون بالغنى ويتدفقون إلى المدينة بشكلٍ كبير للعيش أو للتسوق وإجراء عمليات زراعة الشعر. حيث يطلق عليهم أهل المدينة لقب “بدو مع مرسيدس”. كما أن سلوك بعض السياح من الشباب “المتحررين” من قيود الخليج يثير السخرية لدى الأتراك على نحو كبير. وغالباً ما يشير رئيس تركيا رجب طيب أردوغان، وزعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، إلى رغبته في توجيه صفعة إلى السعوديين أمثال ولي العهد محمد بن سلمان من خلال “الجيل الإسلامي المتدين” الذي يعمل على تربيته في تركيا. ذلك لأن بن سلمان وصي على “أقدس موقعين للإسلام” إلا أنه وبحسب أردوغان “ليس لديه إسلام”. كما تتداول مواقع التواصل الاجتماعي العديد من مقاطع الفيديو المسجلة والتي تقارن تلاوة أردوغان بتلاوة الملك السعودي سلمان، حيث تعتبر تلاوة الأول “أكثر طلاقة”.

أما المحور الثاني فيدور حول مجموعة أفقر مادياً بكثير مقارنةً بالأولى، وهم اللاجئون الفارون من الحرب الأهلية السورية. فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة، تستضيف تركيا أكبر عدد لاجئين في العالم بما في ذلك ما يزيد عن 3.6 مليون لاجئ سوري. حيث يعيش حوالي نصف مليون لاجئ سوري في اسطنبول بشكلٍ رسمي ويشكلون 3.4% من سكانها، ولهذا السبب تعتبر اسطنبول ثالث أكبر مدينة سورية في العالم.

وقد جاء هذا التدفق الكبير وغير المسبوق من قبل اللاجئين السوريين في الوقت الذي تمر فيه تركيا بأزمة اقتصادية كبيرة. فبسبب الحدود المشتركة بين سوريا وتركيا، وكذلك بسبب اتفاق العام 2016 الذي وقعته تركيا مع الاتحاد الأوروبي لتستقبل اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل في الجزر اليونانية لقاء مبالغ مالية كبيرة كان له بالتأكيد أثراً كبيراً على اسطنبول. الأمر الذي أدى إلى زيادة التنافس على فرص العمل وشكّل ضغطاً كبيراً على الخدمات العامة. وقد رُحّب في بادئ الأمر بالسوريين كونهم “ضيوفاً” مؤقتين، ثم بدأت التوترات بينهم وبين الطبقة العاملة في المدينة. حيث عانى اللاجئون الذين لم يتم منحهم تصاريح عمل في الوقت الذي يعملون فيه بأجور منخفضة. فكان أرباب العمل يستغلون وضعهم القانوني ليدفعوا لهم أجور أقل، وبالتالي انخفضت مستويات أجور الأتراك أيضاً.

وبحسب نسرين، التي تعيش بالقرب من العديد من اللاجئين السوريين، فإن المعدل الوسطي للسوري الذي يعمل في مهنة لا تتطلب منه الخبرة، مثل توزيع المنشورات، يزيد عن 100$ بقليل شهرياً. ويشكل هذا المبلغ ثلث الحد الأدنى للأجور في تركيا والذي يبلغ 354$ شهرياً. وبالمقارنة من زاوية أخرى، فإن اللاجئين السوريين في تركيا جلبوا معهم مهارات رائدة ونشطوا التجارة في تركيا. فقد أطلق السوريون أكثر من 15 ألف مشروع جديد ووفروا على الأقل 100 ألف فرصة عمل، معظم تلك الأعمال كانت في مدينة اسطنبول.

ولكن تدهور الاقتصاد لاحقاً نحو الركود. فقد تزايدت نسبة البطالة في تركيا لتصل إلى أعلى معدلاتها خلال عقدٍ، فوصلت لحوالي 15%، مع ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب إلى نسبة 10%. كما فقدت الليرة التركية 30% من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي منذ العام 2017. ويعزي بعض الأتراك السبب إلى اللاجئين السوريين الذين “سرقوا وظائفنا”، على حد تعبيرهم. كما يُلقى باللوم على اللاجئين السوريين في اسطنبول لكون المدينة أصبحت مكتظة ومتسخة، ولأن طابع المدينة تغير من خلال استخدام اللغة والثقافة العربية الغريبة بالنسبة للأتراك. حيث تقول حياة، شابة فلسطينية تعيش في اسطنبول، أنها تتجنب التحدث باللغة العربية عندما تكون خارج الأحياء ذات الغالبية العربية.

وفي حديث للصحيفة، تحدث محمد شحادة، شاب فلسطيني، عن قصة مأساوية، حيث قال: “افتتح مطعم الطابون الغزّاوي فرعاً له في اسطنبول العام الماضي مستهدفاً الزبائن الأتراك بدلاً من العرب. وقد استثمر مئات الآلاف من الدولارات في ذلك الفرع. إلا أن المطعم فشل بشكلٍ فظيع بالرغم من نجاح وشهرة أفرعه الأخرى والسبب أن الأتراك لا يريدون التعامل مع مطعم عربي”.
كما تثير اللغة العربية التي دخلت إلى المجتمع التركي والحياة العامة القلق من أن اللاجئين سوف يعملون على تغيير أو تلويث الثقافة التركية. وقد شددت وزارة الداخلية مؤخراً على استخدام اللغة العربية على 25% فقط من اللافتات على واجهات المحال. كما أعلن نائب رئيس حزب الخير القومي التركي IYI بأن تركيا معرضة لخطر أن تصبح “بلاد شرق أوسطية”.
كما تبنى عمدة اسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو لغة عنصرية. فقد قدّم خلال حملته الانتخابية وعوداً بترحيل السوريين إلى بلادهم، إلى “سوريا الآمنة”. وبالرغم من معارضته لأردوغان، إلا أن خطابه هذا ساهم في تحقيقه للفوز في منطقة الفاتح، وهي معقل حزب العدالة والتنمية ومكتظة باللاجئين السوريين.

وبحسب استطلاع للرأي أجرته جامعة بيلجي في اسطنبول في العام 2017، فإن 86% من أهالي اسطنبول يرغبون بعودة السوريين إلى ديارهم عندما تنتهي الحرب. وقد كرر إمام أوغلو تذمره من رؤية اللغة العربية قائلاً: “عندما تدخل بعض الأحياء لا تستطيع حتى أن تقرأ لافتات المتاجر. هل هذه هي تركيا؟! هل هذه هي اسطنبول؟!… لا يمكنهم تغيير لون اسطنبول بهذا الشكل الفوضوي”، في إشارة منه إلى اللاجئين السوريين. وفي محاولةٍ من التملص من اتهامات التعصب، يقول إمام أوغلو: “سوف لن نكون إدارة تمارس أعمال عنصرية، لكن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر. يجب عزل اللاجئين في مخيمٍ إن لزم الأمر، أو يجب أن يتم إعادة تثقيفهم”.

وبعد عدّة أيام انتشرت شائعات عبر رسائل الواتس أب تفيد بأن شاباً سورياً هاجم فتاةً تركية في منطقة كوشوك شكمجة في اسطنبول. فما كان من الأهالي إلا أن هاجموا اللاجئين السوريين في تلك المنطقة وحطموا المحال السورية. ليتلوا ذلك معركة على وسائل التواصل الاجتماعي بين هؤلاء الذين أعربوا عن تضامنهم مع الضحايا السوريين مستخدمين هاشتاغ “السوريون ليسو وحدهم” والذين استخدموا هاشتاغ “لا نريد السوريين في بلادنا”.

وتشير الصحيفة إلى أن قلّة قليلة من سكان اسطنبول يدركون حقيقة ما مر به اللاجئون السوريون حتى وصولوا إلى الملاذ الآمن نسبياً في اسطنبول. حيث يُنظر إلى اللاجئين السوريين بشكلٍ عام على أنهم مجرمون ومتسولون ولصوص وأدوات للسياسة، لكن لا يُنظر إليهم أبدا إلى كونهم أفراد. وبالرغم من ردود الأفعال، وسواء كانت التوقعات بترحيل اللاجئين السوريين وشيكة أم لا، فإن واقع الحال أكثر تعقيداً مما يبدو عليه. فالسوريون الذين تواجدوا في اسطنبول لسنوات قد أسسوا حياتهم في المدينة. أدخلوا أطفالهم المدارس واستثمروا مشاريع صغيره لهم. وقد ولد 330346 طفل سوري في تركيا لعائلات لاجئة.

من جهة أخرى، يبين التقرير أن الحالة العنصرية ضد العرب في تركيا ليست بجديدة. فبحسب أحد المحاربين القدامى والمؤيدين لأردوغان، فإن بذرة العنصرية تزرع في المدارس، حيث تُعلّم الكتب المدرسية الأطفال الأتراك أن العرب خذلوهم وتخلوا عنهم في الحرب العالمية الأولى. ومن قبل أزمة اللاجئين السوريين، يحب القوميون المتشددون في تركيا استخدام مصطلح “الأتراك الأصليون”، وهو مصطلح يستخدم لاستبعاد الأكراد وجميع الأقليات الغير مسلمة مثل الأرمن واليهود، لكنه اليوم يُستخدم لاستبعاد العرب (المسلمين). فحظر استخدام اللغة الكردية، في الأماكن الخاصة أيضاً وليس فقط العامة، قد رُفع فقط في العام 1991. ولا يزال الأكراد، الذين يشكلون أكبر أقلية عرقية في تركيا و20% من سكانها، يتعرضون لشتى أنواع القمع في شرق تركيا وإلى الضغوط السياسية في شتى أنحاء البلاد. ويقدر عدد السكان الأكراد في اسطنبول بـ 3 ملايين نسمة، وهو أكبر تجمع كردي في العالم.

ترجمة موقع (الحل)


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/eRExL