بغداد 35°C
دمشق 28°C
الأحد 20 سبتمبر 2020

الحشد الشّعبي.. الصّورة السوداويّة لـ «المَلاك» بأوضحِ معانيها


«..بعد كل الانتهاكات التي تمارسها، لا تزال وجود فصائل الحشد الشعبي في الحياة والواقع العراقي قانونياً، ولم يتم نزع صفة القانونية عنه، وهو يمارس عمله استناداً  لقانون الحشد الشعبي رقم /40/ لسنة 2016».

—————————————————–

ريان جلنار

«في ليلة من ليالي كانون الأول قارسة البرودة، وبُعَيد ساعة ونصف الساعة من انتصاف الليل، فجأة، حصل ما لا أستطيع تناسيه حتى هذه اللحظة (التي أتكلّمُ بها)، هو لوعة في القلب لا تخمد، وألمٌ يعتصر الفؤاد دون أن يتوقّف برهة واحدة»، بتلك الكلمات الحزينة، وبذلك الوجه الشاحب يستهل ”تيمور محمد“ وهو (اسم مستعار) سرده للقصة.

«في تلك الساعة المتأخرة من الليل، الذي حصل هو أن قوة مسلّحة تنتمي لأحد فصائل الحشد (#بدر) اقتحمت بيتنا، وضرَبَتْ أُمّي على رأسِها وأزاحتها جانباً، ثُمَّ وبالسرعة ذاتها جرَّت والدي وهي تنهال عليه بالضرب من كل حدب وصوب إلى خارج منزلنا، ذاهبةً به إلى المصير المجهول، اللامعروف نهايته (وقتها) لهُ ولنا نحن عائلته التي لم تفتري يوماً قط»، يقول تيمور.

«مرّ شهران، ونحن لم نترك وسيلة للوصول إليه وللجهة التي اختطفته منا، حاولنا بكل الطرق دون جدوى، حتى اتصلوا هُم بنا وأخبرونا بأن والدنا، كان من بين (الثوار) التي شاركت في الاعتصامات التي نظّمتها محافظتنا (الأنبار) عام 2014، لذلك اعتقلوه لأنه شارك في اعتصامات غير شرعية، حسب قولهم، رغم أنه قد مضى على ذلك سنوات ثلاث، فهم اختطفوه في شتاء 2017، قبل عامَين»، يضيفُ محمد.

ويُكمل لـ ”الحل العراق“، «أعوام ثلاثَة وأبي يمارس حيواته اليومية بصورة طبيعية، يذهب ويجيء أيمّا وقت يُحب، يخرج مع الأصدقاء، يمارس عمله بانتظام، فما الذي دعاهم لاختطافه في ذلك الوقت بالذات؟ (يتساءَل الشاب العشريني) في حديثه معنا، قائلاً: قالوا لنا في تلك المخابرة بأنهم قد عاقبوه بعقابه الذي يستحق».

القانوني العراقي طارق حرب- أرشيفية

«لكنهم استدركوا، لن نُعطيه لكم قبل أن تدفعوا لنا 50 مليون دينار، وأمهلونا مدة 10 أيام حتى نسلّمهم المال مقابل تركهم والدنا في حال سبيله، ونحن نجمع بالمبلغ المطلوب قبيل انتهاء المدة المحدّدة لنا، وإذا بأُناس من منطقتنا أخبرونا بأنهم قد لقوا جثة والدنا مرمية وسط كومة من النفايات في منطقة ابراهيم بن علي القريبة من مسكننا، حيث نسكن نحن في قضاء #الگرمة التابع للأنبار».

«رأيتُ جثته بأُم عيني، رأسه مفصول عن جسده، رأسه في ذات مكب النفايات يبعد عن جسده 5 أمتار ليس إلا، والجثة واضح منها أنهم قد قتلوه مذ أكثر من أسابيع ثلاث، ومع ذلك اتصلوا وطلبوا منا المال، وهم قد قتلوه، قتلوه (ويكذبون) علينا بأنه ما زال لديهم لأجل أن يسرقوا مالنا، وكأنهم لا يكفيهم سرقة أبينا منا» يحكي تيمور.

«مذ ذلك الحين ونحن نعيش بظروف معيشية صعبة، هو كان معيلنا الوحيد، أنا طالب جامعي، وأختاي وأخي في المتوسطة والثانوية، أما أُمي فهي ربّة بيت، الآن نعيش على إعانة عمومتنا وأقربائنا، ولكن إلى متى سيتحمّلون مسؤوليتنا، فمن يضمن لي الوظيفة بعد تخرجي؟ ثم قبل كل ذاك، ما فعله أبي لكي تُقرّر تلك القوة المسلحة بإنهاء حياته وكأنها وكيلة الله في الأرض» يُنهي سرده بتلك التساؤلات والعَبَرات واضحة على مُحيّاه.

ذلك الانتهاك، لم يكن هو الأول من نوعه – ولا حتى الأخير – فقد تعدّدت الانتهاكات والممارسات غير القانونية من قبل بعض فصائل الحشد طوال مدة وجود #داعش“ في #العراق، إذ وفق إحصاءات رسمية لمنظمة ”هيومن رايتس ووتش“ و”اللجنة الدولية للصليب الأحمر“ أُصدِرَت في سبتمبر 2018 الفائت، فإن /76/ حالة اختطاف وتعذيب وقتل بحق مدنيين مارستها فصائل الحشد، جلّها كانت من قبل قوات #بدر و #كتائب_حزب_الله.

ويبدو أن ما تقوم به المجموعات المنضوية تحت فصيل #بدر المنتمي لـ #الحشد_الشعبي، هي حقيقية ولا شك فيها إذ ما رجعنا للقصة الآنفة الذكر، وكذا القصة اللاحقة الذكر، إذ يقول ”فرج هاني“ وهو (اسم مستعار) خوفاً على حياته، إن «ابن عمه قد مات نتيجة الضرب والتعذيب الذي لحق به من قوات #بدر، فما احتمل ولم يقاوم بعد تلك الحادثة سوى 3 شهور حتى ودّع الحياة بلا رجعة».

«بعد رجوعنا إلى محافظتنا وبيوتنا من #السليمانية التي كنا نازحين فيها طوال وجود ”داعش“ في ديالى بأيام، داهمت قوات بدر أغلب بيوت منطقتنا التابعة لقضاء المقدادية، وأخذت عند خروجها مجموعة من الشباب، كان من بينهن ابن عمي، وذلك بحجّة الاستفسار لا أكثر، ثم تتركهم وسبيلهم»، هاني يقول لـ ”الحل العراق“.

مضيفاً، «بعد مرور يومَين رجع إلينا ابن عمي، وهو بحالة مؤسفة، التشوهات تعلو أغلب جسده العلوي، بخاصة وجهه ورأسه، لم يكن قادراً على النطق إلا بصعوبة بالغة، بالكاد أخبرنا، بأنهم قد ضربوه على رأسه حتى فقد وعيه، هذا غير الضربات التي أكلها على وجهه، وبعد أن تركوه أبلغوه بنهاية حياته وعائلته إن تفوّه بشيء مما جرى معه».

«كان يئِنُّ ويصرخ صرخات ما لا يحتملها انسان من هول الألم، نقلناه إلى إحدى مستشفيات #بعقوبة مكث فيها شهر حتى أخرجوه، عاد لنا و يا للمُفاجأة، عاد وهو فاقد ذاكرته، لا يعرف أحداً منا، ولا حتى أطفاله وزوجته وأهله، كان ذلك نتيجة ما تعرض له من ضرب على الدماغ من قبلهم، لم يمر أسبوعان حتى عاد يشتكي من آلام في رأسه لا تترك له المجال لكي ينام ولو قليلاً»، يسرد هاني.

ويُكمل، «ذهبنا به نحو #مدينة_الطب في #بغداد، وبعد شهر كامل من المكوث والعلاج فيها (كانت حالته تسوء أكثر فأكثر عند مرور كل يوم) ماتَ، وذهبَ تاركاً خلفه زوجته وطفلتين وابنه الأكبر الذي يعاني من إعاقة خلقية وهو لم يدخل ربيعه الثالث عشر بعد، رحل وهم يذرفون الدموع مودّعين (خَيْمَتهُم) التي كانت تأويهم من مصاعب الحياة دون رجعة، بل ودون ذنب».

بعد كل تلك الممارسات والانتهاكات، والحشد ما زال وجوده في الحياة والواقع العراقي قانونياً، ولم يتم نزع صفة القانونية عنه، إذ ووفقاً لحديث للقانوني طارق حرب مع ”الحل العراق“، فإن «وجود الحشد في عراق اليوم يأخذ صبغة رسمية وشرعية، وهو يمارس عمله استناداً  لقانون الحشد الشعبي رقم /40/ لسنة 2016».

الباحث في الشأن الأمني والاستراتيجي، هشام الهاشمي- أرشيفية

«يعاملهم ذلك القانون معاملة منتسبي للقوات المسلحة من جميع الوجوه، وما جاء الأمر الديواني رقم ٢٣٧ الأخير لرئيس الحكومة العراقية #عادل_عبد_المهدي إلا تنفيذاً لهذا القانون بإكمال تحويلهم إلى قوات مسلحة، كون بعض احكام القانون السابق لم يتم تنفيذها، كالأسماء العسكرية، والفصل بينهم وبين القوات المسلحة»، يقول حرب.

ويُضيف، «لذلك ولحين تطبيق القانون والأمر الديواني فوجودهم شرعي، إلا إذا خالفته قوات الحشد ولم تطبّقه، ففي تلك الحالة سيكون تواجدهم غير قانوني، ويجب على الحكومة محاسبتهم كما تُحاسب أي مجرم يرتكب جريمة في هذه البلاد، ذلك لأنهم سيكونون حينها خارج سياق القانون، وكل أفعالهم وممارساتهم هي جرائم يجب الحد منها وايقافها عبر تطبيق القوانين والعقوبات بحقهم».

يقول المؤرخ والباحث في الشأن الأمني والاستراتيجي، هشام الهاشمي، إنه« من أجل الحد من انتهاكات وممارسات الحشد غير المنضبطة، فإنه يجب تجريدهم من السلاح الثقيل وتحجيم اقتصادهم الموازي وغلق مكاتبهم الاقتصادية، وكذا التضييــق عــلى الأحزاب الساندة لهم في أداء أنشــطتهم خارج قانون الحشد؛ بمــا يحــد مــن شرعيتــهم، وعرقلــة محاولاتــهم اختراق مؤسسات الدولة الأمنية والمعلوماتية».

مُضيفاً لـ ”الحل العراق“، «كذلك يجب فرض القانون بالملاحقة القضائية والاستهداف العسكري، وتلك هي أضعف الاحتمالات خاصة للفصائل (الشيعية الولائية) ومن المستبعد أن تلجــأ حكومة عبد المهدي إلى هكذا سيناريو ”الملاحقة القضائية والاســتهداف العســكري كوســيلة تنظيم وضبط سلوك الفصائل الرافضة لتعليمات الامر الديواني 237“».

مُستدركاً، «ولكنهــا قــد تتخذهــا كخطــوة لاحقــة بعد فرز الرافضين والمخالفين إذا مــا رأت نفســها عاجــزة عــن تنفيذ الخيارات السابقة، وإذ ما لم تنجح الحكومة في كل ذلك، فإن خطورة الحشد وقوته ستزداد يوماً بعد يوم، بخاصة أنه يملك أسلحة وصواريخ توازي بل وتفوق ما يملكه الجيش العراقي من أعتدة، لذلك سيشكّل وجوده المستمر وقتها خطراً دائماً على العراق، خاصة تلك الفصائل الراجعة إلى #طهران في أجندتها وقراراتها».

——————————————————————–


التعليقات