زوجات مع وقف التنفيذ الاختفاء القسري “يقتل” أسراً بأكملها

(الحل) – “تحول العالم بنظري إلى اللون الأسود. لم أعد أشعر بنفسي.. كل ما يحدث معي اليوم هو كابوس فقط.. لا أصدق أنها الحقيقة. أجلس كل يوم بانتظار زوجي وأحسب الأيام يوماً تلو الآخر. اليوم يكون قد مر على اختفائه 322 يوماً، وما زلت أعد” ريم – 24 سنة.

يعمل النظام الاستبدادي في سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي على استخدام “الاختفاء القسري” كممارسة منهجية لإسكات المعارضة السياسية ضده، وكأداة لغرس الخوف والقمع في صفوف المواطنين. ويستمر استخدام هذه الممارسة أثناء الثورة كتكتيك حربي، وكشكل من أشكال الانتقام من أفراد أسر المعارضين.
في تقريرها حول حالات الاختفاء القسري في سوريا لعام 2015، ذكرت منظمة “العفو الدولية” أن الآلاف قد اختفوا دون أن يتركوا أي أثر وراءهم، وأن حالات الاختفاء القسري التي ارتكبت من قبل النظام السوري تعدّ جزءاً من هجوم منظم ومنهجي ضد المدنيين، وبالتالي ترقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية. تشير التقديرات إلى اختفاء حوالي مائة ألف مدني سوري ولكن هذا الرقم غير دقيق بسبب الخوف من التوثيق. علماً أن النظام السوري ليس وحده المسؤول عن الاختفاءات بل تلعب أيضاً الجماعات المسلحة والإسلامية المتشددة دوراً كبيراً في هذه الجريمة.

الاختفاء القسري جريمة بحق الأسرة بأكملها
“في كل مرة أتذكره بها، لا أستطيع رؤية شيء سوى اللحظة التي تم فيها سحبه بعيداً عني. الألم مازال هو ذاته لا ينقص بل على العكس تزداد الأمور سوءاً كل ما كبر أطفالنا سناً” ميساء – 32 سنة.

الآثار المترتبة على الاختفاء القسري تتجاوز الخطر والألم المحيطين بالغائبين أنفسهم لتشمل أيضاً عائلاتهم وأصدقائهم الذين يعانون من آلام نفسية وعاطفية شديدة بسبب عدم وجود معلومات تدل على مكان أحبائهم الذين اختفوا ببساطة دون أن يتركوا أي أثر خلفهم. ولذلك تعتبر أسر المختفين قسرياً ضحايا لجريمة الاختفاء القسري، وتتأثر النساء بشكل خاص باختفاء أقربائهن الذكور على مستويات مختلفة. فبالإضافة إلى التأثير العاطفي والنفسي الذي يحدثه الاختفاء فإن النساء، سواء كن أمهات أو زوجات للمختفين، يفقدن المعيل الرئيسي للأسرة، من دون أية وثيقة رسمية تعترف بالاختفاء مما يحرم الزوجات من تلقي المساعدات أو غيرها من الخدمات التي تقدمها بعض المنظمات الإنسانية التي تعطي الأولوية للأرامل. بالإضافة إلى ذلك غالباً ما يتم رفض قضايا إعادة التوطين الخاصة بزوجات المفقودين، كما أنهن يجدن أنفسهن في مأزق قانوني غير قادرين على حصر الميراث أو الزواج مرة ثانية، هذا وتجدر الإشارة إلى أنه ليس من حق الأمهات التنقل مع أطفالهن بسهولة في حال غياب الأب (أو العم أو الجد)، لأن القانون السوري يتطلب في أغلب الحالات إذناً من الوصي الرجل لمثل هذه الحالات.

أخبروني أنه قلبه توقف لكنني ما زلت أحلم به يدخل المنزل ويضم طفلتيه
“لقد جاؤوا إلي يحملون ظرفاً صغيراً فيه هوية زوجي وورقة تقول أن قلبه توقف عن النبض. لم تحمل الورقة أي رد على مئات الأسئلة في رأسي. كيف توقف قلبه وهو في السابعة والعشرين من عمره؟ ماذا فعلوا به كي يسمح للموت بأخذه؟ لا بد أنهم عذبوه كثيراً. ما زلت أحلم به يدخل المنزل ويضم طفلتيه. في داخلي صوت يقول لي أنه ما زال حياً. لماذا أصدقهم وهم لم يسلموني جثته أو حتى ملابسه ولم يعطوني صورة له أو أي شيء يثبت صحة ما يقولون؟” غادة – 23 سنة.

أصدر النظام السوري في عام 2018 الآلاف من شهادات الوفاة للمحتجزين والمختفين، وفي بعض الحالات تم تزويد العائلات بشهادات وفاة تعود إلى عام 2013 وتشير إلى أن سبب الوفاة هو “التعرض لنوبة قلبية”، ولكن رغم ذلك لم تستجب الحكومة لطلبات أسر المحتجزين بالحصول على معلومات واضحة حول ظروف الاختفاء القسري أو الحصول على الجثامين الخاصة بأحبتهم مما يزرع الشك حول حقيقة ما حدث معهم. أما في الحالات التي يكون فيها الرجال مختفين دون إصدار أي شهادات وفاة رسمية بحقهم، فالعواقب تصبح أسوء خاصة فيما يتعلق بحقوق الزوجات أو البنات، بما في ذلك السكن والأرض وحقوق الملكية، نظراً إلى أن وثائق الملكية غالباً ما تكون بأسماء الرجال لا النساء في الأسرة، وعليه فقد تواجه الأسر التي ترأسها النساء تحديات أخرى لضمان الحيازة أو إثبات حقوق الميراث.

السؤال عن المختفين جريمة يعاقب عليها النظام السوري
“لقد تم طلبي للتعرف على سيارة زوجي المختفي، لكنني تعرضت للتحرش الجنسي في فرع الأمن العسكري ودُعيت إلى الداخل لتلقي (معاملة سخية)”، ريم.

الصمت والخوف هما السمتان الواضحتان عندما يتعلق الأمر بالسؤال عن ضحايا الاختفاء القسري في سوريا، مما يؤدي إلى عدم الإبلاغ رسمياً إلا عن جزء ضئيل من حالات الاختفاء لأن أقارب هؤلاء المختفين يخشون أن يتم استهدافهم ومعاقبتهم من قبل السلطات. فعلى سبيل المثال ذكرت والدة شابين اختفيا في إدلب في حزيران 2011 أن ابنها البكر قد قُبض عليه عندما استفسر في فرع الأمن العسكري في إدلب عن مكان أخيه، ولم يعودا أبداً. كما أفادت إحدى النساء أنه أثناء احتجازها في سجن حمص في عام 2012 التقت بامرأة تبلغ من العمر 60 عاماً تم اعتقالها بعد أن ذهبت إلى فرع أمن حمص للاستفسار عن مصير ابنها المختفي. وفي تقرير له عن اعتقال ابن عمه من قبل الميليشيات الموالية للحكومة وضباط المخابرات الجوية في 2012 في حلب، قال أحد الأشخاص “إذا ذهبتَ إلى الفرع الأمني للسؤال عن المعتقلين، سيقومون بالتحقيق معك. فإن كنت رجلاً، ستتعرض للتعذيب والاحتجاز أيضاً. أما إذا كنت امرأة، سيؤذونك حتماً وقد يحتجزونك لوقت طويل”.

رغم كل هذا الخوف وهذه الصعوبات لم تتوقف النساء عن محاولة إيجاد من يحببن حتى مع كل الضغوط الاجتماعية من قبل أفراد الأسرة لمنعهن من القيام بدور نشط ومباشر في البحث عن أقاربهن، لم تتوانَين عن البحث في المستشفيات، مرافق الإدارة المحلية، وأفرع الأمن، والسجون. حتى أنهن اضطررن للسفر أحياناً، وعانين من سوء المعاملة عند نقاط التفتيش وأمضين ساعات طويلة في الانتظار في مكاتب المعلومات المزدحمة. تقول في هذا ميساء التي كانت في طريقها من حلب إلى دمشق للحصول على معلومات حول زوجها أن الاستجواب كان مذلاً وأن الشرطي في نقطة التفتيش احتفظ بهويتها ولم يعدها لها إلا في طريق عودتها. هذا وقد كان عليها قضاء يوم كامل في انتظار دورها في مركز المعلومات في الفرع العسكري في دمشق بين الكثير من النساء التي تحمل كل منهن قصتها المفجعة عن شخص مفقود أو أكثر. غالباً ما تنكر هذه المراكز الرسمية وجود أية معلومات لديها. وفي الحالات التي تقدم فيها النساء معلومات كافية لتحديد هوية الشخص الذي “خطف” أزواجهن يكون جواب السلطات خالياُ من أي مسؤولية بل مجرد وعود بإرسال الشخص المعني إلى التحقيقات، وهو ما لا يحدث أبداً.

عدة روايات وشهادات للأسر تؤكد أن الوسيلة الرئيسية للحصول على المعلومات حول المختفين هي عندما يتم إطلاق سراح أحد المحتجزين. وصف رجل محتجز لأكثر من عام في فرع الشرطة العسكرية في حماة كيف تعرض على الفور بعد إطلاق سراحه في أيار 2013 لكم هائل من الأسئلة من قبل العشرات من النساء وهن يعرضن صور أزواجهن وأبنائهن وآبائهن عليه. كما أن معتقل آخر يروي أنه وبعد الإفرج عنه في جلسة استماع في محكمة دمشق في آب 2013 وجد مئات الأشخاص الذين ينتظرون خارج المحكمة، يتوسلون للحصول على أخبار عن أحبائهم، على أمل أن يكون قد رآهم أثناء الاحتجاز.

يأخذون كل ما نملك مقابل كذبة
“ذهبت بنفسي إلى دمشق ومكثت في فندق هناك وبدأت أسأل عن زوجي. قالوا لي سنريكِ إياه ولكن عليكِ أن تدفعي نصف مليون ليرة. قبلت وانتظرت في الفندق لأكثر من عشرة أيام، ولكن تبين لاحقاً أن الأمر مجرد كذبة” سمية – 57 سنة.

إلى جانب التأثير العاطفي والنفسي والاجتماعي فإن العائلات غالباً ما تضطر أيضاً إلى مواجهة العواقب الاقتصادية للاختفاء. يخلق غياب العائل الأساسي صعوبات مالية على العائلات. حيث لا يوجد لدى الغالبية العظمى من النساء أي مصدر للدخل، وبالتالي يضطررن إلى بيع ما يمتلكن، أو يلجأن إلى استدانة الأموال لتأمين احتياجاتهن اليومية أو من أجل الدفع للحصول على معلومات حول مكان المفقود على الرغم من أن هذا لن يضمن حصولهن على معلومات دقيقة عنه.

قالت سناء، البالغة من العمر 31 سنة إنه بعد اختطاف زوجها اتصل بها أشخاص زعموا أنهم أعضاء في تنظيم (داعش) وطلبوا منها المال لإطلاق سراحه. بعد التفاوض، تمكنت من جمع الأموال وتسليمها، لكنها لم تسمع منهم أي شيء بعدها ولم يعد زوجها إلى اليوم.

أخرجتُ له شهادة وفاة فخسرته وخسرت الأمل وخسرت ابنتي
أدى الاختفاء القسري إلى تغييرات جذرية في دور الجنسين. حيث اضطرت النساء إلى العمل وهن بالكاد قادرات على تحمل الضروريات كدفع الإيجار والفواتير وتأمين الغذاء والعلاج وذلك بسبب مشاركتهن في وظائف منخفضة الأجر أو بسبب القوانين داخل البلدان المضيفة في حال كانت هؤلاء النساء لاجئات، مما جعلهن عرضة للاستغلال. ومن المهم الإشارة إلى أنه بالنسبة لهؤلاء النساء، فإن دخول سوق العمل يعني عبئاً إضافياً على مسؤولياتهن المنزلية حيث يتعين على النساء العاملات التعامل مع حجم كبير من المسؤولية، سواء في البيت أو في الوظيفة، فيقضين يومهن في العمل ويعدن للقيام بالأعمال المنزلية مساء كالطهي والتنظيف والعناية باحتياجات أطفالهن. في غياب الدعم الاقتصادي، تترك الكثير من النساء معتمدات على تعاطف مجتمعهن وندرة المساعدات لأن زوجات المختفين قسرياً لا يدخلن في خطط الدعم المتاحة للعائلات الأخرى مثل أسر الشهداء.

كما ذكرنا، في حالات الاختفاء القسري يُعترف بكل من المختفين وأقاربهم كضحايا في القانون الدولي. وبالتالي فمن المهم الاعتراف بالظلم المضاعف الذي تواجهه المرأة، ومن الضروري ضمان وجود آليات تراعي الفوارق بين الجنسين للتعامل معها. لا ينبغي أن يكون التعويض أو المساعدة والدعم مشروطاً بإعلان الوفاة، لأن هذا يدفع الزوجات إلى اتخاذ قرار صعب عاطفياً يحمل عواقب اجتماعية ونفسية طويلة الأجل، بما في ذلك تحمل الملامة والذنب بسبب التخلي عن الأمل بعودة الزوج المفقود.

“كان علي التظاهر بأن زوجي قد مات على أمل أن أجد الدعم ولذلك فلقد أصدرت شهادة وفاة له آملة في الحصول على رعاية الأيتام لأطفالي السبعة. لا يوجد أي دعم مناسب لعائلات المفقودين، لذلك أعلنت وفاته. اليوم ابنتي بالكاد تتحدث معي فهي تشعر بالحزن وخيبة الأمل لأنني فعلت ذلك مقابل قليل من المال. حاولت مراراً أن أوضح لها أنني تعبت من ارتفاع تكاليف المعيشة والديون وأن هذه الأموال ستساعد إخوتها. لكنها لم تستمع إلي وطلبت مني عدم محاولة تبرير ما فعلت، وقالت إنني لا أمتلك الحق بقتل والدها”. كوكب 39 سنة.

الأطفال يدفعون الثمن أيضاً
هذا ويجب ألا ننسى العبء الذي يتعين على النساء تحمله عند إخبار حقيقة اختفاء الأب لأطفالهن الذين كثيراً ما يعانون من صدمة نفسية حادة بسبب هذا الاختفاء. تحدثت العديد من النساء عن حالات الغضب والاكتئاب والشعور بعدم الأمان الذي يعاني منه أطفالهن، إضافة إلى أعراض الاضطراب العقلي التي غالباً ما تُترك دون علاج. تقول نجوى “في بعض الأحيان يجلس أطفالي صامتين ثم ينفجرون فجأة في البكاء. أسألهم لماذا تبكون؟ لكنهم لا يجيبونني”.

توثيق حالات الاختفاء القسري
رغم أن مصير عشرات الآلاف من السوريين الذين اختفوا خلال النزاع ما يزال مجهولاً، إلا أن عمليات توثيق هذه الحالات ما تزال ضئيلة والسبب الرئيسي خلف ذلك كما ذكرنا سابقاً هو الخوف على حياة المفقود وأسرته. تعمل عدة منظمات إنسانية وآليات دولية على هذه المهمة ولكن للأسف ما تزال هذه المحاولات غير قادرة على كسب ثقة السوريين عموماً وأهالي المفقودين خصوصاً، فعلى سبيل المثال لم يستطع فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أوغير الطوعي إلا أن يوثق ما يقارب الثلاثمائة شخص مفقود. إن توثيق هذه الحالات في غاية الأهمية لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة المتاحة اليوم للمطالبة بهؤلاء الأشخاص ولأن هذه التوثيقات تفيد في مرحلة لاحقة في حال تغيير النظام وإثبات وجود مقابر جماعية قد يصنعها اليوم إخفاءاً لجريمته بالاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري الغير شرعي، أو عند القضاء على الجماعات المسلحة التي يشتبه بقيامها بالكثير من الإعدامات الميدانية لضحايا مجهولي الهوية ودفنها لهم في مقابر جماعية غير معروفة بعد.

أسئلة بلا إجابات
إن تجربة النساء في مجال الاختفاء القسري ليست جديدة بل جذورها تمتد في المجتمع الذكوري السوري من قبل الثورة. وبالتالي، فإن عدم المساواة بين الجنسين والظلم الاجتماعي موجود مسبقاً في الهيكلية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في سوريا. ينعكس هذا في القوانين التمييزية والإقصائية خاصة فيما يتعلق بالزواج وحقوق الملكية والجرائم الجنسية التي تزيد وتعمق من عدم المساواة المؤسساتية. أما في شأن الاختفاء القسري فهناك غياب لجهد حقيقي وفعال لحل هذه القضية، إلا في حدود عمليات تبادل الأسرى المحدودة التي فشلت في استيعاب حجم المشكلة. وعلى الرغم من الأدلة الكثيرة على الانتهاكات المستمرة فقد تم إحراز تقدم ضئيل للغاية في إطلاق سراح المحتجزين بشكل تعسفي، وفي توفير المعلومات الصحيحة عن مكان المختفين والمفقودين، كما لا توجد أية خطوات في سبيل تحميل الجهات الفاعلة المسؤولية عن هذه الانتهاكات. بدلاً من ذلك، تواصل القوات الحكومية والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة اعتقال الأفراد واختطافهم دون عقاب، بينما تطرح العائلات أسئلة دون الحصول على إجابات.

غالية مردم بك

المصادر:
تقارير عن هيومان رايتس واتش
تقارير عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
تقرير “خيالات المختفين السوريين” الصادر عن منظمة المرأة الآن.


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/VpNQF