الفيديوهات التضليلية عن «قسد» من المخطط… ومن المنفّذ… ومن المستفيد؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

(الحل) – انتشرت ظاهرة الإشاعات والأخبار المزيفة بشكل كبير؛ وملفت على مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة. والتي توجهت معظمها إلى استخدام تقنية الفيديو والصور المفبركة في سبيل إقناع القارئ والمشاهد بمعلومات مغلوطة لإيصال فكرة؛ أو أجندة محددة، والمؤسف أن نفي؛ أو تأكيد تلك الفيديوهات يتطلب إمكانات كبيرة للنزول إلى الميدان والتأكد من صحتها، وجزء من هذه الإمكانات تتعلق بالحالة الأمنية التي فرضتها الفصائل على طول البلاد وعرضها، التي إن لم تكن أيّة وسيلة إعلامية أو صحفي موافقاً على أجنداتها سيكون مصيره الاعتقال والاختفاء، ومع ذلك من أصول العمل الصحفي البحث عن الحقيقة مهما كانت صعبة، وهذه أساس العمل المهني.

إن ظاهرة الفبركة الإعلامية التي تعتمدها بعض الجهات الموالية للحكومة التركية، بمن فيها بعض الفصائل المعارضة السورية المدعومة من قبلها وعلى وجه الخصوص فصائل (درع الفرات، وغصن الزيتون) والتي تتخذ من عفرين مركزاً لها، لم تعد تقتصر على الأخبار المزيفة وتزوير الحقائق التي تحاول من خلالها تشويه ونسف كل فصيل؛ أو جهة عسكرية خارج تحالفاتها، وهذا الصراع قد يكون طبيعياً في حالة الحرب، التي تكون مراكز ومناطق النفوذ إحدى أهم أهدافها، لكن الأخطر في الحالة السورية، إدخال المناطقية والطائفية والقومية في الصراع، والتي في هذه الحالة تكون ارتداداتها أخطر على بنية المجتمع السوري الذي يسعى لهوية وطنية واحدة، ولعلّ هذه النقطة تكون في أكثر صورها محاولة جهات بعينها تحويل الصراع القائم بين قوات سوريا الديمقراطية «قسد» -الناشطة شرق الفرات، والتي عملياً تمثل تضم مكونات عربية وكردية تمثل ديمغرافياً مناطق نفوذها- وباقي الفصائل إلى صراع عربي-كردي، وامتدّ مؤخراً لتشمل فيديوهات «تمثيلية» بحيث كل طرف يحاول الإساءة للآخر بكل السبل، وجاءت آخر الاتهامات المتبادلة ظهور أشخاص ينتحلون صفة عناصر «قسد» يقوم بانتهاكات ضد مواطنين عرب، بطابع طائفي بحت، هدفه خلق فتنة عربية-كردية لنشر الفوضى على حساب المدنيين، وضرب أمن واستقرار المنطقة.

 

التضليل الإعلامي الممنهج

لم يعد خافياً على أحد أن المخابرات التركية، تعتمد على بعض النشطاء والصحافيين السوريين المقيمين بداخل أراضيها، واستخدامهم كأدوات في التضليل الإعلامي «بروباغندا» من خلال تقديم بعض الميزات لهم، منها منحهم الجنسية التركية مثلاً، مستغلة علاقاتهم ببعض المحطات العربية والدولية بغية بثهم تقارير وفيديوهات وأخبار محرضة عن كل من يسير خارج فلكهم.

وكان آخر تلك الفيديوهات المفبركة، شريط مصور على أنه في مدينة منبج، يظهر عنصراً يرتدي الزي المعتمد لعناصر«قسد» ويتكلم باللغة الكردية، إذ يقوم بتعذيب عائلة عربية وضربهم وشتمهم والقيام بأفعال مخلة بالآداب، بينما يظهر بالشريط سيارة على أساس أنها تابعة للأسايش وراية الـ«قسد» بجانبها، الأمر الذي لاقى ردود أفعال غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وللوقوف على حقيقة الفيديو، وبعد يوم من انتشاره، حصلنا على تصريح خاص للناطق الرسمي باسم مجلس منبج العسكري «شرفان درويش»، لموقع «الحل»، حيث أكد تبرؤهم من الفيديو المنسوب إليهم، واصفاً محتواه بالـ«مفبرك» والهادف لنشر الفتنة بين أبناء المنطقة.

 

تأجيج الفتنة بين الأكراد والعرب

وقال «درويش» في منشور على صفحته الشخصية في موقع الـ«فيسبوك»، إن قناة الجزيرة ووسائل إعلام أخرى «تدور في فلك السياسة التركية، تعمد إلى تأجيج الفتنة بين الأكراد والعرب»، لافتاً إلى أن «آخر فبركات قناة (الجزيرة)، اعتمادها نشر فيديو ركيك، يظهر فيه شخص بلباس عسكري (قسد) وهو يجر ثلاثة أفراد، بينهم امرأة».

وأوضح المتحدث أن الشخص الذي يظهر في شريط الفيديو، يقول إن: «هؤلاء الهاربين من التجنيد الإجباري، رغم أن (قسد) لا تطبق التجنيد الإجباري على النساء؛ عدا أن مسؤولية ملاحقة المخالفات العسكرية تقع على عاتق الشرطة العسكرية ولباسهم مغاير تماما عن الهندام العسكري لقوات قسد».

وتابع «درويش» تفنيد المقطع المصور قائلاً: «تظهر سيارة تزعم حسب الفيديو، بأنها تابعة لقوات الأسايش، وهم أيضاً في الحقيقة لباسهم مختلف عن ملابس (قسد)، كذلك العنصر الذي يقوم بالضرب يرتدي لثام وهو أمر ممنوع في (قسد)، كما أن الشريط جرى تداوله على أنه في منبج حيث تنتشر قوات المجلس العسكري ورايات المجلس وشعاراته معروفة، ولا ترفع رايات (قسد) أو أي قوات عسكرية أخرى في المدينة».

 

بيان عشائري مزور وتضارب في الحقائق

في الطرف الآخر؛ وعقب انتشار شريط الفيديو المذكور أعلاه بيومين، انتشر بيان موقع باسم قبيلة «الدمالخة»، تؤكد من خلاله أن الأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب بداخل الفيديو هم من أبناء القبيلة، وذكرت أسمائهم في البيان، إلا أن مصادر من العشيرة ذاتها بداخل مدينة منبج، خرجت وأكدت لموقع «الحل»، بعكس ما ذهب إليه البيان، وذلك بأن «الأسماء المذكورة  ليس لها وجود في المنطقة، وأن البيان المذكور ليس له أيّ صحة».

هذا ونقلت صحيفة «جسر»، عن مصادر لها من داخل منبج أيضاً، شهادات من أبناء القبيلة ذاتها، وقد نفوا جميعاً علمهم بهذا البيان، أو الحادثة أو حتى الأسماء المذكورة فيه، مؤكدين بأن «الأسماء الثالثة للشابين والفتاة لا أحد يحملها من أبناء القبيلة، وقد أعربوا عن استيائهم من زج اسم قبيلتهم في هذه التمثيلية المكشوفة» على حد تعبيرهم.

التخطيط تركي والمنفّذ لواء «السلطان مراد»

سبق هذا الفيديو بأيام قليلة مقطع تسجيلي آخر، تم تصويره على أنه في مدينة الرقة، إذ ظهر  في الفيديو عنصراً يرتدي لباس «قسد» يقوم بتعذيب شابين على أنهم حصراً من القومية العربية لهروبهم من التجنيد، قبل أن يقوم بسحبهم لداخل زنزانة صغيرة، بداخل السجن ذاته، ثم  يطلق النار عليهم، دون إظهار وجه العنصر أو الشابين بشكل واضح خلال عملية التصوير إذا عمد المصوّر على إظهار الشعار الخاص بـ«قسد» والذي يثير الشك لوجوده على جدران سجن لحظة تنفيذ المشهد، حيث تبين فيما بعد أن الفيديو تم تصويره بداخل مدينة عفرين، وليس في مدينة الرقة، والعنصر والأشخاص هم عناصر من لواء «السلطان مراد»، بحسب مصادر مقربة من اللواء المذكور، رفض الكشف عن اسمه، حفاظاً على سلامته الشخصية.

وأضاف المصدر في حديثه لموقع «الحل»، بأن الفيديو الذي تم نشره في أيار/مايو الماضي، والذي ضجت به وسائل ومحطات إعلامية أيضاً، مزيف، حيث أظهر الفيديو قيام شخص ينتحل شخصية عناصر «قسد» مع أشخاص آخرين كانوا بجانبه وهم يقومون بمحو كتابات مناهضة لـ«عبدلله أوجلان» على جدار دون تحديدهم للمكان، ليقوم العنصر بعد ذلك باعتراض طريق رجل وامرأة من المكون العربي كانوا يستقلون دراجة نارية إذ قام العنصر بركل الدراجة، ثم إطلاق الرصاص عليهم، مردداً كلمات باللغة الكردية مسيئة للعرب، إذ عمّد المصور على إظهار صورة «عبدلله أوجلان» على السيارة، والتي ثبتت بطريقة عشوائية على الزجاج الخلفي، دون وجود أيّ رقم للسيارة، قبل أن يفر العنصر بعد ذلك مسرعاً بها.

لقد تم تصوير هذا الفيديو في مدينة جرابلس، وليس في مناطق سيطرة «قسد»، والعناصر هم من فصيليّ (السلطان مراد، والحمزات)، إذ يتم التكتّم على مثل هذه الفيديوهات بشكل دقيق وحذر، ويشرف على تنفيذها ضباط أتراك وأمنيين من الألوية المذكورة الذين يتحركون بناء على الأوامر التي تأتيهم، إذ يتم سحب أجهزة الهاتف المحمول من العناصر المشاركة أثناء تمثيل الفيديو، خشية أن يتم تسريب لأي معلومة عن تلك الفيديوهات وطريقة تصويرها، بحسب المصدر ذاته.

 

معسكرات سرية وشبكة للاغتيالات

وأدان المرصد السوري لحقوق الإنسان (ومقرّه لندن) مثل هذه الأشرطة المفبركة بطرق بدائية، والتي تظهر تباعاً من تعذيب وقتل واغتصاب، في وقت تستعد تركيا فيه لشنّ حملة عسكرية شرق الفرات هدفها إحداث شرخ بين فئات المجتمع السوري، وخلق فتنة عربية-كردية.

وأورد المرصد أيضاً عن مصادر وصفها بالموثوقة، قيام السلطات التركية، بإنشاء خلايا بإشراف من مخابراتها، غالبيتهم من أبناء المحافظات الشرقية، تقوم بتدريبهم في معسكرات سرية ضمن مناطق «درع الفرات» وفي منطقة عفرين وريف حلب الشمالي، حيث تجري عمليات التدريب على التفجيرات والاغتيالات وتنفيذها بشكل دقيق وسريع.

وتأتي عملية تشكيل الخلايا وإرسالها إلى مناطق شرق الفرات، بناء على استغلال المخابرات التركية للبطاقات الشخصية للسوريين المعروفة باسم «الكيملك»، والتي يجري تسليمها من قبل المواطنين السوريين عند مغادرتهم الأراضي التركية، نحو أيّ دولة مجاورة، إذ يجري استخدام بطاقاتهم وإرسال هذه الخلايا بواسطتها إلى مناطق سيطرة «قسد» في شرق الفرات والمعارضة في ريف إدلب وشمال حلب لتنفيذ أعمال تسيء للكل لقوات المعارضة قبل قوات سوريا الديمقراطية.

 

خلايا موالية على طريقة «داعش»

إن عشرات الآلاف من السوريين الذين غادروا تركيا، خلال الأشهر والسنوات الأخيرة، جرى الاحتفاظ ببطاقاتهم الشخصية الصادرة عن السلطات التركية، وأودعت لدى سجلاتها الرسمية، فيما يجري استخدامها لتمرير هذه الخلايا بذريعة زيارة ذويهم، فيما تعمل الخلايا هذه على تنفيذ اغتيالات لشخصيات قيادية وسياسية وعسكرية بالإضافة لمحاولة خلق فتنة بين المكونات ضمن منطقة شرق الفرات، وفقاً للمرصد.

وفي تقرير لصحيفة «العرب» اللندنية في أبريل/نيسان الماضي، أكدت فيه، بأنّ تركيا تعمل جاهدة على خلخلة الوضع في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، عبر تحريض خلايا موالية لها من العشائر العربية التي تقطن في المناطق الحدودية، عبر الضغط عليها بالإكراه، للتحرك ضد تلك القوات في ظل اصطدامها بفيتو أميركي ودولي للسيطرة على تلك المناطق وطرد المكون الكردي.

 

من المستفيد من كل ما يجري؟

أخيراً؛ فإن تركيا على يقين إن الحرب الإعلامية ليست حديثة، وتجارب العديد من الدول تؤكد أن كسب أيّ حرب تحتاج لماكينة وحرب إعلامية أولاً، وبناء على ذلك، فقد سخرت تركيا معظم وسائلها الإعلامية في خدمة مشاريعها التوسعية العسكرية والاقتصادية على حساب الشعب السوري وأراضيه، وما يحصل في ريف إدلب وفي عفرين والمناطق الحدودية أكبر دليل، وبالتالي فإن الحديث عن «منطقة آمنة» جزء من هذا المشروع أيضاً، وما يحزن أن تركيا استطاعت جرّ الإعلام السوري البديل «المعارض» إلى جانبها بحكم وجود معظم تلك الوسائل ومكاتبها على الأراضي التركية، ولتصبح مضطرة «ومكرهة» بوقاً للنظام التركي، وإلا فإن قرار إغلاقها سيكون على طاولة المدير العام بعد ساعات.

 

إعداد : علي الحسين 

 


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/y0SvP
سامي صلاح

سامي صلاح

محرر في قسم الأخبار بموقع الحل. مهتم بمتابعة النزاعات وأخبار القوى المتشددة والجماعات الإرهابية.
المزيد