المرأة في تعديلات قانون الأحوال الشخصية بين النص والتطبيق

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

انشغلت معظم المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي قبل ستة أشهر بتعديلات قانون الأحوال الشخصية السوري الذي أقر في شهر شباط/ فبراير من هذا العام، وأصبح محطاً للانتقاد والتفسير من قبل الجميع. بعضهم يرى أن هذا التعديل قد أعطى المرأة أكثر من حقها مخالفاً أحياناً ما أعطتها إياه الشريعة الإسلامية من امتيازات، وآخرون وجدوا فيه تعديلاً شكلياً لا يحل أية مشكلة جوهرية من مشاكل النساء السوريات التي امتدت لعقود. اليوم وبعد ستة أشهر من نفاذ هذا القانون، ننظر إليه بعدسة التجربة لا بكلمات النص لنرى ما إذا كان قد حل مشكلة حقيقية تعاني منها النساء أم هو مجرد محاولة فاشلة لحل أزمة أكبر من أن تحل ببعض التعديلات النصية.

التفريق على أساس الجنس والدين
تقول المحامية منال القطب إن أحد أسباب معاناة النساء اليوم هي الطلاق التعسفي، فرغم إعطاء المرأة الحق بالتعويض فيما إذا كانت ضحية لمثل هذه الحالة إلا أن النص لم يمنع هذا الطلاق، أي بكلمات أخرى “هذا التعديل يشبه إعطاء حبة مسكن للمريض ليخفف ألمه، بدل إعطائه الدواء الذي يشفيه من المرض”. هذا وإن النفقة التي تحق للمرأة بعد الطلاق مقيدة أيضاً بشروط عدة، فلو كان الطلاق بسبب امتناع المرأة عن زوجها، لا يحق لها حينها أن تطلب أية نفقة وكأن النفقة تدفع لها مقابل المتعة لا غير. كما تنص التعديلات التالية على القانون والتي أقرت في شهر حزيران/ يونيو على سقوط النفقة الزوجية إذا ما عملت المرأة دون موافقة زوجها ليقيد بذلك حقها في ممارسة أي عمل أو الحصول على أي دخل خاص بها إلا إذا أعطاها زوجها الموافقة على ذلك. وتذكر المحامية أن هذه الحالات موجودة بكثرة في المحاكم السورية وأن التعديلات الجديدة عقدت الموضوع بدل أن تحله.
انطلاقاً من هنا يرى الكثير من المحامين الذين توكلوا عن النساء في حالات الطلاق أن قانون الأحوال الشخصية كان وما زال يقوم على أساس التمييز بين النساء والرجال، مما يخالف الدستور السوري الذي ينص على أنه “يتساوى المواطنون في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الجنس”. ولا بد أن نتطرق هنا إلى قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” المطبقة والتي تعطي الرجل، لمجرد كونه رجلاً، امتيازاً على المرأة في الإرث.

أما بالنسبة للتعديل الجديد الذي يعطي الحق للفتاة بتزويج نفسها بشرط موافقة الولي أو القاضي فإن هذا يدل على استمرار القانون في اعتبار المرأة غير قادرة على تحديد مصيرها بنفسها ولذلك هي بحاجة لمن يقرر عنها مصلحتها، بخلاف الرجل الذي يمكنه أن يتزوج من يريد بلا إذن طالما أنه أتم الثامنة عشرة من العمر.
ولا يتوقف التمييز عند هذا الحد بل يمتد ليشمل التفريق بحسب الديانة أيضاً. حيث ينص القانون على أن الزوجة غير المسلمة لا يحق لها أن ترث زوجها المسلم. هذا وإن الأم المسيحية المتزوجة من مسلم لا تتمتع بنفس حقوق الأم المسلمة، وليس من حقها أن تحضن أطفالها إذا ما طلقها زوجها. تحدثنا مع ماري آن لتخبرنا عن تجربتها كأم مسيحية لأطفال مسلمين. تقول ماري بأنها لا تجرؤ على الطلاق رغم معرفتها التامة أن زوجها على علاقة بنساء أخريات. هي لا تريد وجوده في حياتها ولكنها مرغمة على قبول الواقع لأن فقدانها لحضانة أطفالها ليس أمراً قابلاً للنقاش أبداً. تدفع عمرها ثمناً لحياتها قربهم ولا تملك لغير ذلك سبيلاً.

تعديلات شكلية لا تحل المشكلة الأساسية
صرح المحامي عباس اسماعيل أن رفع سن الحضانة ليصبح متساوياً بين الذكور والإناث من الأطفال (15 عام) هو شيء إيجابي جداً ولكن ترد عليه المحامية منال بأن لديها العديد من القضايا التي تخلت فيها الأم عن هذه الحضانة بسبب عدم وجود مكان تعيش فيه مع أطفالها. “موكلتي س.م اضطرت إلى إرسال أطفالها الأربعة ليعيشوا مع زوجة أبيهم لأنها تعيش حالة فقر شديد مع أهلها ولا يمكن لها أن تطعم كل هذه الأفواه الجائعة، ولا يوجد قانون يضمن لها نفقة كافية أو سكناً”.

أما بخصوص تعديل سن الزواج، فهو خطوة ممتازة نظرياً، لأن الزواج المبكر هو أحد أسوء الجرائم التي تغتال الطفولة، ولكن هل هو حقاً بهذه الأهمية عملياً؟ للأسف هناك الكثير من حالات الزواج الديني خارج نطاق المحكمة، تم عقدها دون وجود عقوبات على هذا الفعل. كما أن تعديلات القانون ذاتها نصت في مادة أخرى على جواز إعطاء الحق للقاضي بتزويج الأطفال في سن الخامسة عشرة إذا ما ارتأى أنهم مؤهلون فكرياً وجسدياً لذلك، مما يعني أن المشكلة لم تحل ولكن تم إيجاد صيغة قانونية تحللها.
تزايدت حالات العنف الأسري في ظل الحرب السورية وأصبحت المرأة هي “الشماعة” التي يعلق عليها الرجل عجزه وضيقه، وغاب عنه أن هذه المرأة هي شريكة حياته، كما غاب عن تعديلات القانون أن يضع أية نصوص تساند المرأة وتعاقب الزوج على تجبره الجسدي على زوجته.

أما بالنسبة لوضع الشروط التي يتفق عليها الزوجان في عقد الزواج، فلهذا الأمر تعقيداته أيضاً. تخبرنا المحامية رندة الحايك عن الأمر “نعم شرعت التعديلات وضع الزوجة لما تريد من الشروط. عملياً هذا ليس بشيء جديد، ولكن اليوم ينص القانون صراحة على عدم جواز أن تكون هذه التعديلات منافية للقانون أو الشرع، وعليه لا يمكن أن تشترط المرأة على سبيل المثال منع زوجها من الزواج بامرأة أخرى، ولكن يمكنها أن ترفض العيش معها في سكن واحد. ويبقى السؤال هنا: ماذا يحدث إذا أخل الزوج بهذا الشرط؟ ببساطة يُفسخ عقد الزواج وتضطر المرأة للقبول بالانفصال عن زوجها. هل هذا الحل الذي يضمن حقها فعلاً؟ عملياً وبعد أشهر من صدور القرار يمكن أن أقول بثقة أن هذا ليس مطلب الزوجات. بل ما يحتجنه فعلاً هو الشعور بالأمان وبأن القانون قادر على حماية حقوقهن”.

وجهة نظر أخرى
“أن تصل متأخراً، خيرٌ من ألا تصل أبداً” هذا ما ارتأته المحامية عنان اليوسف التي تقول أن القانون الجديد هيأ الطريق لكثير من النساء لتحظين ببعض حقوقهن. تقول عن ذلك المحامية “من الجيد ألا يستطيع ولي الأمر أن يُزوج ابنته إلا بموافقتها الصريحة، حتى لو كان يملك وكالة منها”. كما أنها رأت خلال الأشهر الماضية أن تعديل القانون ليصبح المهر المقرر منذ سنوات عدة مراعياً للقوة الشرائية عند استحقاقه أو طلبه أمراً منصفاً للمرأة في هذه الظروف التي تعيشها البلد. أما عن التعديلات الخاصة باعتماد البصمة الوراثية “DNA” لإثبات نسب الأطفال، فتقول المحامية أنه لا توجد إلى اليوم مراكز كافية توفر هذه الخدمة بأسعار مقبولة، كما أن المجتمع ما زال غير قادر على قبول هذه الفكرة بشكل سلس وبسيط.

بعيداً عن المحاكم والمحامين
تعتبر الناشطة في حقوق المرأة سمر الأحمد أن مواد قانون الأحوال الشخصية مجحفة بحق المرأة سواء قبل الزواج أو بعده، في إطار الزوجية وفي حالات الطلاق. ولا يقتصر إجحافها على النساء بل تشمل الأطفال أيضاً، والرجال في بعض الأحيان. يعتبر القانون بحسب الناشطة المرأة شيئاً يدفع الرجل ثمنه بالمهر ويدفع ضريبته بالنفقة، وهي بدورها يجب عليها أن تطيع رجلها وأن تنجب له الأولاد. وكما قالت الناشطة السياسية والنسوية مية الرحبي في حديث سابق لها مع موقع الحل بهذا الخصوص “هذا الفهم يتطابق مع قانون مجلة الأحوال الشخصية التي أصدرتها الإدارة العثمانية عام 1917، وهو لا يتناسب مع العصر، ولا مع مكانة المرأة الحالية، كما أنه لا ينسجم مع اتفاقيات حقوق الإنسان، واتفاقية ‘القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة’ والتي وقعت عليها الدولة السورية”.

أخيراً أود أن أذكر ما تحدثت عنه عدة نساء سوريات تمت محاورتهن بخصوص تطبيق تعديلات قانون الأحوال الشخصية على الحياة اليومية للسوريين. أجمعت النساء على أهمية قانون الأحوال الشخصية وعلى أنه من القوانين الأكثر حساسية للشعب، لكونه ينظم أموراً تتعلق بالحياة العامة والشؤون الشخصية للأفراد، ولذلك كان يجب على مجلس الشعب السوري أن يفتح المجال أمام الناس والقوى المجتمعية لمناقشة التعديلات وإبداء رأيهم فيها قبل إقرارها.

دور النساء في صنع القرار
لعبت وما تزال تلعب قلة التمثيل النسائي في مجلس الشعب دوراً كبيراً في ذكورية القرارات الصادرة عنه والقوانين التي يقرها. يجب على النساء أن تقمن بتقرير أمورهن وبالحفاظ على حقوقهن، ولكن يلعب الرجال اليوم هذا الدور بدلاً عنهن. عندما تكون نسبة النساء في مجلس الشعب وغيره من مؤسسات الدولة أكبر، تزداد فرصة وضع القوانين التي تحمي حقوق النساء بشكل أفضل.
اليوم وبعد ستة أشهر من نفاذ تعديلات قانون الأحوال الشخصية نطالب بتعديلات حقيقية لا صورية، أكثر عمقاً وفهماً لحاجات النساء، تتمثل في إلغاء الطلاق التعسفي أو الطلاق بالإرادة المنفردة، وتهيئة الأسباب للمرأة كي تتمكن من حضانة أطفالها بشكل جيد. ومن المهم جداً أن يتم وضع النصوص القانونية التي تعاقب على زواج القاصرين خارج إطار المحكمة. كما يجب أن ينظم القانون العلاقة الأسرية على أسس المساواة بين الزوجين، ووقف العنف الأسري والجنسي ضد المرأة، ومعاملتها كما تستحق كإنسانة تشكل نصف المجتمع بل وأكثر.

غالية مردم بك

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/pv2Un
المزيد