وضع الطفل في الحضانة في سنواته الأولى واجب على الأهل

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

(الحل) – يجتمع كل أهالي الأطفال على حبهم الغير محدود لأبنائهم الصغار ورغبتهم بتقديم الأفضل لهم دائماً، ولكن متى يتحول هذا الحب ليصبح أنانياً ومتى يصب حقاً في مصلحة الطفل؟ متى يتركز الحب على رغبتهم بإشباع غريزة الأمومة والأبوة لديهم؟ ومتى يكون مبنياً فعلاً على توفير احتياجات الطفل الخاصة وتجهيزه للمستقبل؟
يعتقد جميع الآباء والأمهات بأن طريقة تعاملهم مع طفلهم وتربيتهم له هي الأفضل من بين الجميع، ورغم أنهم يجتمعون على حب أطفالهم اللامحدود ورغبتهم بحمايتهم، فإنهم يختلفون في طريقة إظهار هذا الحب وفي تعاملهم مع أطفالهم.

أحد أهم النقاط التي يختلف فيها أهالي الأطفال هي اختيار السن المناسب لإرسال الطفل الى المدرسة. ولكل أهل وجهة نظر شخصية مختلفة في هذا الموضوع.

وجهة النظر الأولى: بقاء الطفل مع أهله أطول مدة ممكنة لإشباعه حباً حناناً
جرت العادة في المجتمعات السورية وخاصة القروية منها أن يبقى الطفل في المنزل مع أمه حتى يصبح بعمر التعليم الإلزامي في الصف الأول وهو عمر الست سنوات، ينتقل خلالها ما بين الأم والجدة بغرض إشباعه من حنان العائلة أو شفقة منهم على الطفل في الذهاب مبكراً الى العالم الخارجي “المتوحش” دون وجود شخص آخر يحميه، كما يمكن أن تستفيد العائلة من الطفل الصغير في مساعدة أبيه بعمله. تأخذ الأم هنا جائزة الأم المثالية وربة المنزل الممتازة التي تهب حياتها لعائلتها. ولكن هل تكون حقاً الأولوية في هذه الحالة لمنفعة الطفل واحتاجاته؟
تقول ديمة – 24 عاماً – أنها قامت بترك عملها عندما علمت بخبر حملها وتفرغت للتجهز للطفل ولحياتهم العائلية الجديدة. ولدت ديمة طفلتها الجميلة وقامت بالتفرغ كلياً لها ناسية نفسها وحاجاتها الاجتماعية حتى أصبح عمر طفلتها ثلاث سنوات، وهو العمر المناسب للطفل لدخول الحضانة. أرادت ديمة أن تضع ابنتها في المدرسة وأن تعود إلى حياتها وعملها وخاصة أن دوامها يتناسب مع أوقات روضة ابنتها. لم يسمح لها زوجها (ولا والدته) بذلك وأجبروها أن تنسى فكرة العمل نهائياً، فهم كما قال زوجها ليسوا بحاجة نقود إضافية من عملها، وتربية الطفلة هي وظيفتها الأهم. ماذا كانت تفعل ابنة ديمة حتى سن السادسة؟ كانت تقضي وقتها مع الكبار تتعلم منهم كيف تتكلم وكيف تتصرف كشخص بالغ بعيدة كل البعد عن براءة الطفولة. كانت وسيلة تسليتها الوحيدة هي اللعب بالأجهزة الالكترونية أو مشاهدة برامج الأطفال بطريقة منعزلة. لقد عانت الطفلة كثيراً بعد أن أصبحت في المدرسة بسبب نقص مهاراتها الاجتماعية وعدم تعاملها السابق مع الأطفال الآخرين، وكانت متأخرة عن زملائها في الصف دراسياً وإدراكياً.

وجهة النظر الثانية: ذهاب الطفل للروضة باكراً بسبب اضطرار الأم للعمل
اضطرت غالبية الأمهات مؤخراً للعمل خارج المنزل بسبب غلاء المعيشة وعدم قدرة الأب على توفير مستلزمات العائلة لوحده. ورغم رغبة الأم بالوقوف إلى جانب زوجها ودعمه، إلا أن فكرة وضعها لأطفالها في الحضانة قوبل باستنكار شديد من قبل الأهل والمجتمع واصفين إياها في كثير من الحالات بمختلف أنواع الوصف القاسي. على عكس ديمة، قامت منى المدرّسة في مدرسة ابتدائية نموذجية بالعودة إلى عملها عندما أصبح عمر طفلتها سنتين، ووضعت طفلتها خلال وقت عملها في مركز خاص للأطفال الذين لم يصلوا لعمر الحضانة بعد (أقل من ثلاث سنوات). كانت تستيقظ منى كل يوم باكراً جداً لتجهيز ابنتها وأغراضها للحضانة ولتستعد لعملها. حرصت منى بعد أن تعود منى من عملها على قضاء وقتها مع طفلتها لتهتم بها وتتابعها، بالإضافة إلى قيامها جميع أعباء المنزل الأخرى. كان جميع أفراد عائلة منى (وعائلة زوجها أيضاً) ضد قرارها بالعودة إلى العمل وكانوا دائماً يسببون لها المشاكل ويصفونها بالأم “عديمة الرحمة”، ويشعرون بالشفقة على الطفلة “المسكينة” التي تضطر للاستيقاظ باكراً ومغادرة المنزل في الطقس البارد (أو الحار) لتذهب إلى الحضانة. ماذا كانت تفعل ابنة منى حتى سن السادسة؟ لقد تعلمت الطفلة مهارات اجتماعية مختلفة وأدركت كيفية التعامل مع الأطفال الآخرين. تعلمت كيف تتكلم وكيف تتصرف بعدم وجود أهلها بجانبها معتمدة على نفسها بتوجيه من معلمتها وأمها. تعلمت أيضاً كيفية مسك القلم والكتابة وأصبحت تعرف الأحرف وكيف تهجئ الكلمات، وطورت الكثير من المهارات المناسبة لكل سنة من سنين عمرها.

فوائد الحضانة للطفل
إن وضع الطفل في الحضانة أو حتى ما قبل الحضانة في المراكز المخصصة لذلك (Day care) له العديد من الفوائد للطفل، أذكر منها:
-تحسين المهارات الاجتماعية: يتعلم الأطفال في الحضانة كيف يتعاملون مع أطفال آخرين من عمرهم، كما يساعدهم جو الحضانة بالحصول على مهارات أساسية تعلمهم الاستماع للآخرين من جهة والتعبير عن احتياجاتهم بسهولة أكبر من جهة أخرى. كذلك تنمي الحضانة مقدرتهم على صنع الصداقات، والمشاركة والتعاون مع الآخرين، إضافة إلى أنها تجعلهم أكثر مسؤولية في تصرفاتهم.
-تحسن الحضانة أداء الأطفال في المدرسة الابتدائية: يصبح لدى الأطفال الذين يذهبون إلى الحضانة وعي أكبر بشكل عام، كما أن حاجتهم للمساعدة في المدرسة تنقص. تقوم الحضانات ذات البرامج الجيدة ببناء أساس قوي للطفل على الصعيد البدني، العقلي، والتطور الاجتماعي وتقوم بتهيئتهم للحياة.
-تحسين مدى الانتباه والتركيز عند الطفل: نلاحظ جميعاً أن الأطفال بطبيعتهم فضوليون ويرغبون باكتشاف ما حولهم. تقوم الحضانات بزيادة فرص الطفل على اكتشاف تجارب جديدة، محيط جديد، وأصدقاء جدد، وتزيد من قدرته على الاستماع والفهم، وكذلك على المشاركة في مهمات مشتركة مع سواه من الأطفال، وعلى اتباع التعليمات، والعمل بشكل فردي أيضاً. كل هذا يساعد على تطوير مهارة أساسية لدى الطفل ألا وهي التركيز.
-الحماس على التعلم مدى الحياة: يتمتع الأطفال الذين يذهبون إلى الحضانة بثقة أكبر بالنفس تمكّنهم من النجاح أكثر في المدرسة فيما بعد. يتعلم الأطفال كيفية التعامل مع الصعوبات والتحديات، وبناء مرونة في التعامل مع المشاكل. كما يتعلمون كيفية الاستقرار في المدرسة بسهولة، وحصد فوائد التعلم بشكل أسرع. هذا ويصبح لديهم اهتمام على المدى الطويل بتعلم أشياء مختلفة تتضمن عزف الموسيقى، الرقص، الغناء، البناء وغيرها من المهارات والهوايات.

وضع الأطفال في الحضانة واجب على الأهل
لا يتوجب على الأهل وضع أطفالهم في الحضانة فقط في حال عدم قدرتهم على التواجد معهم بسبب عملهم، بل هو حق من حقوق الطفل وواجب على الأهل من أجل مصلحته. فبالاضافة للفوائد التعليمية العديدة التي تم ذكرها للحضانة، فهي تشكل أيضاً جواً ممتعاً ومرحاً للطفل، وتمكنه من اللعب مع أطفال من عمره بدلاً من أن يكون محاطاً بأشخاص بالغين. ولابد من التنويه هنا بأن الطفل يتمكن عند ذهابه إلى الحضانة من اللعب في الهواء الطلق ومن ممارسة التمارين الرياضية والفيزيائية بدلاً من أن يكون محبوساً في منزله أو منعزلاً يلعب بالألعاب الالكترونية فقط.

لنعمل معاً على جعل مستقبل أطفالنا التعليمي أفضل ولنؤمّن لهم حقوقهم في التعليم ابتدءاً من الحضانة وحتى تعليمهم الجامعي. ولنتفق كلنا على أن حب الطفل يعني تعليمه وتجهيزه للحياة وليس وضع إطار حماية حوله وخوض معاركه بدلاً عنه.

غالية مردم بك

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/2tYLA
رجا سليم

رجا سليم

رجا سليم محررة في قسم الأخبار ومسؤولة قسم المرأة في موقع الحل نت. صحفية ومعدة برامج سورية وناشطة في حقوق المرأة والقضايا الاجتماعية.
المزيد