“ندرك أننا سنموت”.. أطباء إدلب يصفون ظروف عملهم

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

نشرت صحيفة “تايمز” تقريراً أعدته مراسلتها من إدلب، وهي أول صحفية تعد التقارير من محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة منذ عامين، تسلط فيه الضوء على نضال الأطباء لإنقاذ أرواح الناس تحت تهديدات التعرض للقصف بالغارات الجوية التي يشنها النظام السوري وحليفه الروسي.
ففي المستشفى المركزي في مدينة إدلب يتوسط الدكتور “سعيد الخليف” بمريوله الأزرق مجموعة من المرضى الذين جاءوا طلباً للمساعدة: فهنا شابة تعرج بمشيتها وهي تضم طفلاً رضيعاً إلى صدرها بوجهه الرمادي، وهناك مقاتلين مضمدين بسبب المعركة القذرة، وهناك فتاة صغيرة بشعرها الأسود المجعد مبتورة الذراع. ويغطي الدم أرضية غرفة العمليات حيث يوجد رجلٌ مشوّه، مزقته الشظايا، بنظراته العميقة الموجهة نحو السقف.

فرائحة الهواء في المستشفى مزيج من رائحة الدم والمطهر. وفي غرفة الإسعاف، ينتظر مرضى الطبيب بهدوء مريب وترقب حذر. فالجميع يدرك معنى الأضواء الثلاثة على الجدار، فهو نظام إنذار مسبق للغارات الجوية التي كانت تقصف المحافظة منذ أشهر، متعمدةً استهداف المستشفيات والبنى التحتية المدنية. الضوء الأزرق يشير إلى أن الغارة قد أصابت مكاناً قريباً، والأصفر يدل على وجود تهديد محتمل، أما الأحمر فمعناه وجود تهديد مباشر على المستشفى. فالجميع يعلم في منطقة الحرب الأخيرة في سوريا أن القذائف قد تسقط في أي لحظة، ما يؤدي إلى تناثر شظايا معدنية وزجاجية قاتلة تدمّر جدران المستشفى. وقد حدث ذلك من قبل ومن المتوقع أن يحدث مجدداً. فقد قصف قسم الأطفال قبل أربعة أشهر وتدمر بشكلٍ كبير. واليوم، الممرات والردهات فارغة تماماً، وغرف المعاينة مملوءة بالأدوات الطبية المكسورة والمتناثرة. والأطباء على يقين أن تلك الغارة كانت مستهدفة وعن عمد.

ويقول الدكتور سعيد ذو التسعة وثلاثين عاماً: “الضوء الأصفر مضاء باستمرار. نحن لا نستجيب إلا إذا كان الضوء أحمر”. ويضيف قائلاً: “عندها نساعد المرضى على الانتقال إلى قسم آخر من المستشفى، إذا ما كان لدينا متسع من الوقت. لكن الأطباء يستمرون بعملهم. نحن ندرك بأننا سوف نموت، لذا فليس هناك سبب لنتوقف”.
ويشير التقرير إلى أن المرضى اليائسين فقط هم من يذهبون إلى المستشفى. فالجميع في إدلب يعرف بأن المستشفيات هي من ضمن الأماكن الأكثر خطورة. فمحافظة إدلب، المعقل الأخير
للمعارضة في شمال غرب سوريا، تعيش تحت الهجوم المستمر الذي تشنه قوات النظام وحليفه الروسي. وبحسب مجموعات المراقبة، فإن طائرات النظام تستهدف المستشفيات بشكلٍ منتظم، وكذلك الأسواق والبنى التحتية المدنية الأخرى في محاولةٍ منهم جعل هذه المنطقة غير صالحة للسكن بشكلٍ مطلق.

وقد كثّف النظام من القصف خلال الأشهر الأربع الماضية ما ساهم في تحقيقه مكاسب في الجزء الجنوبي من المحافظة. وبحسب اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية، وهو تحالف للمنظمات السورية الغير حكومية، فقد تم قصف ما يزيد عن مائة مدرسة وأربعة وثمانون منشأة طبية، كما تسبب بمقتل 862 مدنياً من بينهم 226 طفلاً. وقد فرّ مئات الآلاف من منازلهم في محاولةٍ منهم إيجاد الأمان بالقرب من الحدود التركية. وبالرغم من ذلك فإن عدد من المستشفيات لا تزال مفتوحة تكافح في سبيل استيعاب المرضى والقتلى والمصابين.
ويستمر القصف على جنوب إدلب بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة روسية والذي من المفترض دخوله حيز التنفيذ نهاية الشهر الماضي. حيث يقول الأطباء في إدلب إنهم لا يؤمنون بصحة اتفاقية وقف إطلاق النار هذه، كما لم يؤمنوا بالاتفاقيات السابقة المشابهة، فجميعها أخفقت. “لا ميثاق لكل من روسيا والنظام”، يقول الدكتور خليف.

ويبين التقرير أن عدم سقوط قتلى جراء القذائف التي استهدفت قسم الأطفال منذ أربعة أشهر في مدينة إدلب كان أشبه بأعجوبة. حيث يعتقد الأطباء أن السواتر الترابية التي تتواجد حول المستشفى ربما هي من وفّرت بعض الحماية. لكن، ويوماً بعد يوم، تبدو الحرب أقرب. فالغارات الجوية استهدفت مواقع قريبة من المستشفى الأسبوع الماضي، بالرغم من أن الخط الأمامي للجبهة يقع على بعد ثلاثين ميلاً نحو الجنوب. ويتابع: “نحن نفعل كل ما بوسعنا”، يقول جراح العظمية، الدكتور خليف. “لكن هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث. نحن نواجه ضغوطات كبيرة لأنهم استهدفوا كل المستشفيات في الجنوب لذلك يأتي جميع المرضى إلينا. هناك عوز كبير بالمستلزمات والمعدات الطبية: نحن بحاجة إلى الأدوات الطبية والمضادات الحيوية وكل شيء”.

وبينما كان الدكتور خليف يتحدث، قاطعه صوت طقطقة حذاء سيدةٍ نحيلة تركض بنقابها الأسود الذي يغطي معظم وجهها في الممر باتجاه غرفة الإسعاف وعلى ذراعيها طفلها الرضيع فاقداً الوعي. فلا أحد يرغب بالبقاء طويلاً في هذا الوسط الذي تحيطه الفوضى، لكن ليس هناك خيار آخر في كثير من الأحيان. وفي غرفةٍ أخرى، يجلس الأطفال هادئين على النقالات، في حين تجلس أمهاتهم على الأرض محدّقات بالزوار. أما الحالات الأشد خطورة، فيتم نقلهم بسيارات الإسعاف إلى المستشفيات في تركيا عبر حدودها التي غالباً ما تكون مغلقة. أما في أحد غرف العلاج في القبو، وقف مجموعة من الرجال بملابسهم العسكرية القذرة. يبدو أن معظمهم شرق أوسطيين، في حين بدا البعض منهم من آسيا الوسطى. وكان من بينهم رجلٌ طويل القامة تميزه لحيته الطويلة المحناة والكحل العريض في عينيه، وهو الأسلوب الأكثر شيوعاً في أفغانستان منه في سوريا.

أما في المدينة، فتستمر حياة المدنيين وسط القذائف. فمحل بيع البدلات الرسمية الرجالية مفتوح إلا أنه لا يعمل، بينما في المقابل يبيع محال ملابس السهرة النسائية الكثير من القطع. باعة الخضار يفترشون الطريق، حتى أنه يوجد إعلان يشير إلى نادي ركوب الخيل. ولكن يدرك الجميع أنه وفي أي لحظة يمكن لكل شيء أن يتغير. مبانٍ سكنية بأكملها مفتوحة، مدمّرة حولتها الغارات الجوية إلى ركام. وهؤلاء الذين فقدوا منازلهم تراهم يعيشون بين الأنقاض. فأحد المساكن مكون من سقفٍ معدني مائل وبطانيات ممدودة فوق ما يُعتقد أنه كان في يومٍ ما عوداً لتعليق ستارة. فمن يتمكن من إيجاد شقة للإيجار في إدلب هو الأكثر حظاً. فمدينة إدلب مزدحمة بالمدنيين الذين يتدفقون من الجنوب إلى الحد الذي جعل المدينة غير قادرة على استيعاب القادمين الجدد. وإلى الحدود التركية التي تبعد نحو عشرون ميلاً شمالي المدينة يخيم الناس في بساتين الزيتون التي تظللهم وسط درجات الحرارة التي تصل إلى خمسة وثلاثين درجة مئوية خلال النهار، ويفترشون تربتها الحمراء في الليل. وفي ظل شح المساعدات الإنسانية، يبتاع هؤلاء الناس الماء والطعام بأسعارٍ مرتفعة جداً، كما تتفشى الأمراض فيما بينهم.

وتقول إحدى الشابات، البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً، والتي تخشى بشدة ذكر اسمها: “هذه الحياة مثل الموت”. وفي حضنها تهدهد ابنها حمودي البالغ من العمر ثمانية عشر شهراً، كان في شعره خصلةً شقراء، وكان خمولاً جداً حيث بدت عليه أعراض التعرض لضربة شمس. “ليس لدينا ماء، وليس لدينا طعام، وليس لدينا مال. حتى لو حاول الرجال العثور على عمل، فليس هناك أي فرصة ليستغلوها بالعمل”، تضيف الشابة بحزن. حيث كانت قد فرّت مع خمسة عشر من أفراد عائلتها وأقاربها قبل أسبوعٍ من منازلهم بالقرب من بلدة معرّة النعمان التي تقع في الجنوب حيث استهدفتها الغارات الجوية، ليعيشوا في ملجأ صنعوه بأنفسهم من الأقمشة والبطانيات. بينما كانت سيدةً أكبر سناً تحضّر طعام الغداء للجميع، إناء واحد من الطماطم والبصل كانوا قد اشتروهم بثمنٍ رخيص، لأنهم كانوا فاسدين. ” هل نبدو إرهابيين؟” تقول والدة حمودي بوجهها الأبيض الذي حولته الحرارة إلى الأحمر.

وعلى مسافةٍ ليست ببعيدة، نصبت خيمة أخرى كالأولى لتحتضن ثلاث أسر اضطرّت هي الأخرى للفرار من منازلها. ومن بينهم والدتان: شمسة وسماهر، اللتان تهزّان طفليهما البالغين من العمر خمسة وستة أشهر. وكانت علامات الشحوب والإعياء واضحة على ملامح الطفلين. حيث تقول شمسة البالغة من العمر اثنان وعشرين عاماً: “لا يمكننا إدرار ما يكفي من الحليب لإرضاع الأطفال، كما لا نستطيع تحمل نفقات شراء حليب الأطفال”. وتضيف: “أصبحنا نطعمهم الخضروات الطرية الممزوجة بالماء، لكن ليس لدينا ما يكفي من المال لشرائها لهم. إنهم ضعفاء جداً. نحن لا نعرف ماذا نفعل”. وهنا تدخلت سيدة أكبر سناً في الخيمة قائلةً: “هذه حياة بائسة. نحن ندرك أن بشار الأسد سوف يعود مجدداً، وسوف تستمر المعاناة”.
وتسرد مراسلة التايمز ما حصل لها خلال إحدى جولاتها في المدينة تحت عنوان “التسوق لشراء جوارب مع المقاتلين الثوار”. فتبين بأن مرافقهم وخلال جولاتهم في شوارع مدينة إدلب، كان حريصاً على إظهار أن القائمين على حكم المدينة ليسوا متشددين وإنما سلميين ومعتدلين. كما أشار إلى بعض النساء في المحال التجارية، خلال جولتهم في السيارة، وكنّ مكشوفات الوجه غير منقبات، حيث كانت تلك المحال تعج بالزبائن بالرغم من الحرب.

لكن، وبالرغم من ذلك، كان هناك حدود لمدى رغبته للظهور كمتحرر. فقد كان مندهشاً عندما لمح كاحل المراسلة من تحت طبقات الملابس السوداء الفضفاضة والطويلة والحجاب. وبأسلوبٍ مؤدب جداً، لكن بحزم، أصر على مرافقتها لشراء جوارب مع مقاتلين من الثوار المتشددين. وقد أسفرت جولتهم تلك إلى عدة متاجر لبيع الألبسة عن شراء معطفٍ وردي طويل يصل إلى الأرض، وزوج من الجرابات السوداء التي تصل إلى الركبة. فقد كان المرافق ينتمي إلى ما يسمى بحكومة الإنقاذ، التي تدعي أنها تحكم إدلب، لقد اصطحبها إلى المحافظة. وقد كان مدعوماً من بعض السكان المحليين، لكن ليس الجميع. كما أنه مدعوم من قبل المتشددين، ومن ضمنهم هيئة تحرير الشام (هتش)، فرع القاعدة سابقاً في سوريا.
وتشير المراسلة إلى أنه وخلال المقابلات التي أجرتها مع المواطنين في إدلب، كان مقاتلون من “هتش” وممثلين عن “حكومة الإنقاذ” متواجدين، ولكن على مسافة. فلم يستمعوا إلى المقابلات أو يتدخلوا بشيء.

وتنهي الصحفية تقريرها بالإشارة إلى أن الأسد يدعي بأن إدلب هي معقل جهادي، حيث يسيطر المتشددون على السلطة في المحافظة. لكنه وبادعائه هذا من دمشق لا يأخذ بعين الاعتبار مصير 3.5 مليون مدني يعيشون في إدلب والذين اضطر الكثير منهم إلى النزوح إلى مناطق أخرى. وبالرغم من تعاطف معظم من المدنيين مع قضية “الثوار”، إلا أن الكثير منهم لا يؤيدون هيئة تحرير الشام، وقد نُظّمت مظاهرات ضدهم في عدد من البلدات في إدلب.


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/V2HaZ
المزيد