“نيويورك تايمز”: ازدياد الهجرة إلى اليونان في ظل تهديدات أردوغان

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً تحدثت فيه عن موجة اللاجئين الجديدة التي تشهدها الجزر اليونانية اليوم، والتي قد تتزايد خلال الأيام القادمة، مسلطةً الضوء على الوضع المعيشي السيء للاجئين في المخيمات هناك. حيث تشهد اليونان ارتفاعا في نسبة وصول المهاجرين إلى جزيرة ليسبوس بالتزامن مع تهديدات أردوغان للاتحاد الأوروبي بتسهيل عبور اللاجئين من أراضيه. فقد وصل الزورق الأول إلى شاطئ صخري، بالقرب من قرية بعيدة يعمل أهلها بصيد الأسماك، في حوالي الساعة الخامسة وخمسة وأربعون دقيقة. وبعد وصوله بحوالي خمسة وثلاثون دقيقة وصل 547 مهاجراً في وضح النهار، أمتاراً قليلة تفصل فيما بينهم على جزيرة ليسبوس اليونانية.

ويبين التقرير أن الشواطئ اليونانية لم تشهد كم المهاجرين الواصلين في التاسع والعشرين من شهر آب الماضي منذ أوائل العام 2016 عندما تعهد الاتحاد الأوروبي لتركيا، القريبة من ليسبوس، بمبلغ 6 مليار دولار مقابل تشديد الأخيرة من دورياتها الحدودية ومنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا. فقد كانت السواحل اليونانية، في السنوات التالية، تشهد وصول واحد أو اثنين فقط من قوارب اللاجئين كل يوم، الأمر الذي ساهم في تخفيف أزمة المهاجرين إلى أوروبا بشكلٍ كبير. لكن هذه الوتيرة تغيرت في شهر آب الذي يعتبر الأكثر ازدحاماً منذ ثلاثة سنوات، مما ساهم في تعزيز المخاوف من موجة هجرة جماعية جديدة عبر بحر إيجة.

وبالرغم من ذلك، فإن نسبة الواصلين ليست إلا جزءاً بسيطاً مما كانت عليه عندما بلغت ذروتها في العام 2015، حيث كانت جزيرة ليسبوس، نقطة عبور المهاجرين إلى أوروبا الأكثر ازدحاماً، هي الوجهة الأولى للأشخاص الفارين من الحرب الأهلية السورية. ففي الشهر الماضي، وفي جميع أنحاء السواحل اليونانية، وصل ما يقارب من عشرة آلاف مهاجر. بينما في ذروة الأزمة في شهر تشرين الأول من العام 2015، فقد وصل ما يزيد عن 210 آلاف مهاجر.

ويأتي هذا الارتفاع في معدل المهاجرين الواصلين إلى اليونان بالتزامن مع تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسماح مجدداً لأعداد كبيرة من المهاجرين بالمرور عبر تركيا إلى اليونان إذا ما أخفق الساسة الأوروبيون بتزويد تركيا بالدعم المالي مجدداً أو رفضوا خططها لتوسيع نفوذها في شمال سوريا. ففي خطابٍ له الأسبوع الماضي، قال أردوغان: “إما أن يحدث ما نريد أو فإنه سوف يتعين علينا فتح البوابات”. وتبين الزيادة التي شهدتها السواحل اليونانية في شهر آب بأن هذه التهديدات قد لا تكون عابرة، ولكن إذا ما رغب السيد أردوغان بخلق أزمة لاجئين جديدة لأوروبا، فإنه يتمتع بإمكانيات أقل مما كان عليه في العام 2015. حيث وجد السوريون دخول الأراضي التركية أسهل بكثير من اليوم.ومنذ ذلك الحين، أقامت تركيا جداراً حدودياً وفرضت القيود على السوريين المسافرين إليها من لبنان أو الأردن. وأي عملية تساهل في تلك القيود وإدخال مزيد من الناس إلى تركيا، حتى لو كان لاستخدامها فقط كجسرٍ للعبور إلى تركيا، سوف يشكل خطراً سياسياً على أردوغان نفسه.

ولكن تركيا هي فعلياً ملجأ لـ 3.6 مليون لاجئ سوري، وهو العدد الأكبر للنازحين السوريين في العالم، إلى جانب مئات الآلاف من البلدان الأخرى. وإذا ما عملت تركيا على جعل حياتهم لا تطاق، أو تقلص من جهودها لإبعادهم عن أوروبا، فإن تأثير ذلك سوف يكون كبيراً. حيث يقول بولنت أليريزا، وهو مدير مشروع تركيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وهي مجموعة بحث مقرها واشنطن، موضحاً: “إن تعليقات أردوغان الأخيرة بشأن إطلاق العنان لموجة جديدة من اللاجئين جاءت نتيجة إحباطه المتزايد بسبب العدد الضخم للاجئين السوريين في تركيا”. ويضيف قائلاً: “من غير المحتمل أن تكون هناك خطة رئيسية مدروسة بشكلٍ كامل وجاهزة للتنفيذ”.

لكن حقيقة قدرة المهربين الأتراك من جمع هذا العدد من الناس في التاسع والعشرين من شهر آب وإرسالهم إلى اليونان في مثل هذا التعاقب السريع، أثار تساؤلات حول التواطؤ الرسمي التركي. فبحسب Refugee Rescue، وهي منظمة خاصة صغيرة لمساعدة وإنقاذ المهاجرين المنكوبين بالقرب من السواحل اليونانية وتتمتع بإمكانية الاتصال مع خفر السواحل، فإن خفر السواحل في تركيا والذين عادةً ما كانوا نشيطين في هذه المياه لم يستجيبوا عصر ذلك اليوم إلى النداءات المتكررة للتدخل من قبل نظرائهم اليونانيين.
كما يشير التقرير إلى أن السفن التركية اعتمدت خلال شهر آب الماضي نظاماً صباحياً لدورياتها. الأمر الذي ساعد المهربين بإرسال اللاجئين مراراً وتكراراً إلى اليونان في فترة ما بعد الظهر. “الأمر الذي وجدناه غريباً هو أن ذلك كان نمطهم في العمل، ولم يغيروا تلك الطريقة التي يعملون بها لمحاولة إيقاف التدفق”، يقول فين ساندس روبنسون الذي يقود فريق Refugee Rescue للمراقبة البرية. في الوقت ذاته، نفى مسئول تركي رفيع المستوى، رفض الكشف عن اسمه، أن تكون السلطات التركية قد غضت الطرف عن المهربين.

وكانت حكومة أردوغان قد كثّفت من جهودها هذا الصيف في ترحيل السوريين من أراضيها، ويُفترض على نحوٍ واسع أن هذا القمع كان السبب في ارتفاع عدد المغادرين إلى اليونان. إلا أن 80% من المهاجرين الذين حطّوا على جزيرة ليسبوس في شهر آب الماضي كانوا من أفغانستان. فقد أدت الظروف الغير مستقرة في تركيا وإيران، حيث يعيش مليون أفغاني على الأقل في المنفى، وكذلك في أفغانستان نفسها إلى توجه العديد من اللاجئين الأفغان إلى أوربا. ويقول الأفغاني غلام رضا صلاحي، 25 عاماً، والذي قضى معظم حياته في إيران أنه اتخذ قرار الذهاب إلى اليونان بعد أن تم ترحيله إلى أفغانستان للمرة الرابعة من إيران. وأضاف قائلاً: “سنهرب عائدين إلى إيران، ثم يتم ترحيلنا إلى أفغانستان مرةً أخرى. وهذه الحادثة تحصل مراتٍ عدّة”. وكشخص ينتمي إلى مجموعة الهازارة العرقية، والتي تتعرض للاضطهاد من قبل طالبان، يشعر بأنه لا يستطيع البقاء في بلده الأم. كما أنه لم يجد في تركيا الملاذ الآمن، حيث قامت أنقرة بترحيل 32 ألف أفغاني خلال العام الجاري فقط، حيث كان للأفغان النصيب الأكبر في عمليات الترحيل التركية.

ويبين التقرير أن 5% فقط من المهاجرين الذين وصلوا ليسبوس الشهر الماضي كانوا من السوريين، مما يبين بأن القليل من السوريين يشعرون بالقلق حيال وجودهم في تركيا. إلا أن شهادات الواصلين تلمّح إلى أن القوارب القادمة قد تحمل الكثير من السوريين.

وكانت مجموعة من العائلات السورية المجتمعة في خيمة على سفح تلٍّ في اليونان قد رفضت على مدار السنوات السبع الماضية الفرار من شمال سوريا بالرغم من الغارات الجوية المنتظمة وتعرض منازلهم ومدارسهم للدمار وفقدان العديد من أقاربهم وأصدقائهم. إلا أنهم قرروا أخيراً في هذا الصيف مغادرة جبل الزاوية، معقل المتمردين، بسبب التصعيد الشديد في الغارات الجوية واحتمال استعادة نظام الأسد السيطرة على المنطقة. ويقول عبيدة النصوح، صاحب دكان بقالة والذي دفع 3500 دولار لعائلته ليتم تهريبها عبر نفقٍ سرّي إلى تركيا ومنها إلى ليسبوس: “قوات الأسد عندما تستعيد السيطرة على مكان فإنها تحرقه”. ويضيف: “لا يأبهون لكونك مدني أو عسكري، هم فقط يحرقون المكان”.

كما أن احتدام المعارك في محافظة إدلب السورية المجاورة لتركيا يدفع الناس أكثر لمحاولة المغادرة. ذلك في الوقت الذي يثير العدد الكبير للاجئين السوريين المتواجدين في تركيا استياءً كبيراً من سياسة أردوغان، وهو الأمر الذي دفعه للعمل على خفض عدد اللاجئين على أراضيه. وكان يوسف الحسن، 44 عاماً والذي وصل مؤخراً إلى ليسبوس، راضياً بالعيش في تركيا لسبع سنوات. حيث كانت عائلته تعيش في فقرٍ مدقع لكنها كانت على الأقل في مأمنٍ من بطش قوات الأسد. إلا أن ترجيل السوريين هذا الصيف من تركيا جعل السيد حسن يقنع بأن الحياة في تركيا أيضاً لم تعد آمنة. “شعرنا أنه خلال الدقائق الخمس القادمة يمكن أن يأتوا ويطردونا”، قال بعد وصوله بساعاتٍ قليلة إلى اليونان. وأضاف: “الوضع سيء لدرجة أن الكثيرين سوف يأتون إلى هنا مثلنا”.

وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا، فإنه حتى الزيادة القليلة في عدد الواصلين يزيد من معاناة اللاجئين في اليونان. ففي العام 2015، كان بإمكان الواصلين الجدد التحرك بسهولة نحو الجزيرة اليونانية ومنها إلى ألمانيا. لكن اليوم غالباً ما يبقى المهاجرون على الجزر اليونانية في مخيماتٍ شديدة الازدحام وقذرة بحيث تبدو غير ملائمة لتواجدها على القارة الأكثر غنى في العالم. حيث يشير التقرير إلى أنه في ليسبوس حُشر حوالي 10 آلاف شخص في موريا، وهو مخيم أقيم لاستيعاب 3100 شخص فقط. وبالرغم من أن الاتحاد الأوربي خصص حوالي 1.9 مليار دولار للحكومة اليونانية لدعم رفاهية اللاجئين، إلا أن اليونان رفضت تحسين المرافق خوفاً من تشجيع مزيد من المهاجرين على القدوم إلى أراضيها. فالمقيمين في هذه المخيم يقضون حوالي العام في خيمٍ رثّة، وحوالي 12 ساعة يومياً في الطابور بانتظار الطعام الذي غالباً ما ينتهي قبل أن يصل للجميع. ويقول رضا صلاحي: “ننتظر كل يوم ساعاتٍ طويلة ليقولوا لنا لم يتبق شيء”. ويضيف: “هذا هو الحال بالنسبة لنحو ربع المقيمين هنا”. كما تتسرب أحياناً مياه المجاري المفتوحة إلى الخيام. في حين تستمر المشاجرات وعمليات الاعتداء الجنسي بشكلٍ منتظم. ويكافح عدد من العاملين في المجال الطبي في معالجة أعداد المرضى المتزايدة.

كل تلك الظروف المترافقة مع إجراءات اللجوء المطولة على ما يبدو خلقت ما وصفه عمال الإغاثة بأزمة صحية عقلية بين اللاجئين على الجزيرة. فبحسب منظمة أطباء بلا حدود، ومنذ شهر تموز الماضي، ازداد عدد الأطفال الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية الحادة إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 73 حالة. وسهيلة حجي زادا، أم أفغانية هربت إلى اليونان بعد أن هاجمت طالبان عائلتها، قالت بأنها كانت تُطرد عندما تطلب العلاج لابنها المراهق الذي يعاني من صدمةٍ نفسية شديدة. فذراع الفتى مغطّى من الرسغ إلى الكتف بضماد بسبب جروح السكين التي يفعلها بنفسه.

وتختم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن الأطفال الغير مصحوبين بعائلاتهم هم أكثر عرضةً للخطر من غيرهم. فرسمياً، هناك 747 طفل لاجئ في ليسبوس يعيشون بدون آبائهم حيث توفر لهم السلطات الملاذ الآمن. لكن عمليات التسجيل الضعيفة لا توثق جميع الحالات حيث هناك الكثير من الأطفال يعيشون بدون آبائهم في المعسكر وغير مسجلين. فمحمد العثمان، 16عاماً، هو أحد هؤلاء الشباب. وهو يعيش في خيمةٍ ضيقة مع شخص من أبناء بلدته في سوريا. وقد غادر سوريا بعد أن قُصفت مدرسته، وسافر وحده لأنه لم يكن لدى والدته ما يكفي من المال سوى لتهريب فرد واحد من أفراد الأسرة لذلك وقع الخيار على محمد. ومنذ وصوله إلى اليونان لم يتلقى أي علاج طبي للجروح التي تسببت بها أربعة شظايا أصابته خلال غارة جوية سبقت خروجه. “العلاج هنا سيئ للغاية”، يقول محمد. ويضيف: “فقط سألوني كم عمرك؟ هل أنت مريض؟ وتركوني في الخارج”.

ترجمة موقع (الحل)


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/6A2IT
رجا سليم

رجا سليم

رجا سليم محررة في قسم الأخبار ومسؤولة قسم المرأة في موقع الحل نت. صحفية ومعدة برامج سورية وناشطة في حقوق المرأة والقضايا الاجتماعية.
المزيد