بغداد 12°C
دمشق 12°C
الجمعة 26 فبراير 2021
بعد أن كانَ يخلو منها.. الأميّة تغزو العراق في عصر ما بعد الحداثة - الحل نت

بعد أن كانَ يخلو منها.. الأميّة تغزو العراق في عصر ما بعد الحداثة


علي الكرملي

”الجهلُ يخفضُ أُمَّةً ويذلُّها    والعلمُ يرفعُها أجَلَّ مَقامِ“، بهذا البَيت الشِعري، وصفَ الشاعر المصري الراحل #محمد_الهراوي ”العلم والجَهل“، فإن أرادَت دولةٌ ما (الذُلَّ) فالشطرُ الأوّل لا أسهَلَ منه ولا أبسَط، أمّا إن بَغِيَت التقدّمَ والتطوّر، فعليها السعي (وأيّما سعي) وراء الشطر الثاني من البيت الشعري دونَ التوقّف مهما بلغَت النجاح.

 فالوصول إلى النجاحات لا أَيسَرَ منها، لكن الحفاظَ عليها، ها هُنا تكمنُ المُشكلَة بِحَق، ولأجل أن لا يَكون الشطر الثاني (تَنظيرياً) فقَط، سعَت الدُوَل في هذه البسيطَة إلى ”محوِ الأُميّة“، وإِعلاء شأن التعليم، فما كانَ منها إلاّ أن تَجيء بفكرة تخصيص يوم عالمي سَنَوي للاحتفال بمحو الأُميّة، وقَد تحقّق لها ذلك في فعاليات المؤتمر العالمي لوزراء التربية الذي عُقِدَ في طهران أواخِرَ (أيلول/ سبتمبر) عام 1965، من القرن المُنصرِم.

لكن، في #العراق، وكَما قُلنا أن النجاحَ لا أيسرَ منه، بينما الحفاظ عليه، هُوَ الصعوبة بحد ذاتها، وبعد أن تربّعَ على عرش الدول الشرق أوسطية، والشَمال إفريقيَّة، ومُوازياً الدُوَل الاسكندنافية والاتحاد السوفييتي في جودَة التعليم لمدّة من الزَمَن، فإنه (أَي ذلك العراق)، لم يستطِع الحفاظَ على قمّتِهِ، فَما كانَ منهُ إلاَّ أَن يَهوى ويضمحِل في عُمقِ الأُميَّة، ولكُم أن تُصدّقَوا أن هذا حدَثَ في عصرِ ما بَعد الحَداثَة.

إحصاءات (كارثيَّة) من كل حدبٍ وصوب!!

في 2017، بلغت نسبة #الأمية بين الشباب في العراق (8.3 %)، ذلك  وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية، بينما تقول التقارير الصادرة عن #اليونسكو مطلع العام الحالي، إن نسبة الأميّة وصلت إلى (47 %)، /8/ ملايين منهم لا يعرفون القراءة والكتابة، وعاجزين عن تكوين جملة مفيدة.

عضو لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب العراقي “إيناس ناجي”- إنترنت

أرقام اليونيسكو (توافقت) مع ما نشرته #مفوضية_حقوق_الإنسان العراقية عام 2018 الفائت، بأن 8 ملايين مواطن أغلبهم من الشباب لا يجيدون القراءة والكتابة، وهذه الأخيرة (توافقت) أيضاً مع أرقام منظمة ”هيومن رايتس ووتش“.

أما الأطفال، فهناك /3/ ملايين طفل ينقطعون عن الدراسة بشكل نهائي أو جزئي بسبب #الفقر والنزاعات المسلحة، وفقاً لمنظمة #اليونيسيف، منهم /700/ ألف طفل حُرِموا من التعليم لعام كامل.

عن تلك الأرقام ومدى دقّتها، قالَت عضو لجنة التربية والتعليم في #مجلس_النواب_العراقي، ”إيناس ناجي” لـ ”الحل العراق“، إن «الأرقام جميعها مِقاربة للواقع، ولا فيها ما هو مُبالغ بهِ البتَّة، بل هي تؤكّد المستوى المتردّي في التعليم، والذي يحاول البعض تكذيبه».

«نحن في لجنة التربية بالبرلمان، قد توصّلنا إلى نسبة (خطيرة) في آخر تقرير أجرَيناه، إذ بلغَت نسبة الأمية فيه أكثر من (40 %) وربما تصل إلى سقف الـ (50 %) في الأشهر والأعوام المُقبلة»، تُبَيّنُ ناجي، مُشيرةً إلى أنه «في العاصمة بغداد وحدَها، قد وصلَت النسبة إلى (50 %) للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين /10 – 40/ عاماً».

إلى ذلك، تقول الناطقة باسم #وزارة_التعليم_العالي والبحث العلمي، ”ندى العابدي“، إن «نسبة الأمية بدرجات، (أُميّة كاملة) لا يجيد الشخص فيها القراءة والكتابة، و (أُميّة بدرجات)، أي بإمكان الشخص القراءة والكتابة، لكن ليس بصورة جيدة، لذلك هي أيضاً تُعتبر أميّة، إذ هُناك من الطلبة في الوسط الجامعي لا يُجيدون كتابة #اللغة_العربية إملائياً ولا نحوياً بصورة طبيعية، ولا يستطيعون إيصال الفكرة المُرادَة منهم شفاهياً أو كتابةً في الدفاتر الامتحانية، وأولئك بلغت نسبتهم (35 %)، ثلثهم من الطلبة المحصورين بين الفئة العمرية /19 – 24/ عاماً».

مُوضحةً في حديثها لـ ”الحل العراق“، أنه «ووِفقاً لإحصاءات مُوثوقَة، فإنه من بين كل (3 طلاب)، هُناك طالب (أُمّي) لا يُجيد الكتابة بصورة صحيحة، وَلا تركيب جملة مفيدة، أغلب إملائِه لا يُفهَم، ويجد الأستاذ من الصعوبة ما لا يجده أي شخص آخر في فهم ما يريد توصيله الطالب، ويُعاني كثيراً، بخاصّة عندَ تصحيح الأوراق والدفاتر الامتحانية».

مُلقيةً اللوم، ومُحَملةً #وزارة_التربية_العراقية المسؤولية عن تلك النتائج (الكارثية) حسبَ تعبيرها؛ لأنّها تُخرّج دفعات هائلة من الطلبة سنوياً إلى #الجامعات_العراقية، وأكثريتهم لا يجيدون الكتابة والقراءة الصَحيحَتَين، وَداعيةً «الجهات المعنية في الوزارة إلى ضرورة تصحيح المسار، قبل فوات الأوان»، مُستدركةً، «إن لَم يكن قد فات».

افتخارٌ بِالماضي وإخفاقٌ في الحاضِر

في سبعينيات القرن الماضي، وصلَ التعليم في العراق إلى أوجِهِ، إذ تفوّقَ على دول الشرق الأوسط أكملها، وعلى الدول العربية أجمعها، لا بل تفوق على دول آسيوية وأوروبية معروفة من حيث تخفيض نسبة الأميّ إلى دون (10 %) متفوقاً على دول مثل ”اليابان، كوريا الجنوبية، الصين، سنغافورة، واسبانيا“، لينال عام 1979 على /5/ جوائز من اليونسكو في القضاء على الأمية.

كل ذلك حصل، لأن العراق قد فرض إلزامية التعليم حينها، وأنزل عقوبات صارمة في حقّ من لا يلتحق بالدراسة، فضلاً عن أن الدولة كانت تضمن للطالب كل شيء من اللوازم المدرسية والقرطاسية والملابس والوجبات الغذائية للطلاب، لذلك كانت لا تستطيع أي أسرة في أي حال من الاحوال سحب أبناءها من المدارس أو اجبارهم على ترك الدراسة.

لكن، ولأن العراق، هو بلد الحروب، لم تستمر تلك النجاحات، إذ سرعان ما هبط التعليم بعد سنوات خمس من حيازته جوائز اليونسكو، عام 1984 نتيجة حربه مع إيران، وكذلك فيما تلاها من حرب مع الكويت والحصار الاقتصادي لتصل نسبة الأميّة إلى (20 %) عام 1992، أي بعد 13 عاماً فقط من قضائه عليها، لترتفع بعد نصف عقد (1997) إلى (42 %)، ونسبة الأطفال الذين لا يصلون إلى الصف الخامس الابتدائي (28 %).

لم تقف الأميّة عند ذاك الحَد، بل ازدادَت إلى مستويات غير معقولة ما بين (2003 وإلى 2010) ما أدّى بوزارة التربية بوضح حملة وطنية كبرى للحد من الظاهرة، وكذا وزارة التخطيط بوضع خطّة خمسية، بخاصّة بعد تشريع مجلس النواب العراقي قانون مكافحة الأمية عام 2011، لكن ما الذي حصل منذ 2012 وإلى اليوم؟ هل نجحت تلك الخُطَط الموضوعة؟

كل تلك البرامج المعمول بها من قبل وزارتي التربية والتخطيط حينها، كانت دون المستوى المطلوب، ولم تنجح، بالرغم من أن العراق استطاع إنشاء أكثر من /3/ آلاف مركز وقتذاك، إلاّ أنه لم ينشد المأمول منه، بل انهارت تلك الخطط كُلّياً عام 2014 مع اجتياح ”داعش“ لمحافظات عدّة من البلاد، إذ توقفت المشاريع في تلك المحافظات، بل وانعكس الأمر سلباً على بقيّة محافظات العراق أجمع.

الأستاذ التربوي حيدَر التميمي- إنترنت

أسبابٌ بالجُملَة لا بالمُفرَد

لكُلّ ظاهرَة تتَفَشّى في مُجتمَعٍ ما، أسبابُها التي تودي بِها إلى أَن تَطفُوَ على السَطح، في العراق، فإنّ أحد أهم  أسباب تفشّي الأُميّة في العقد ونصف العقد الأخير، هي الحرب الطائفية (المذهبية) بين أبناء البلَد الواحد، وكذا الحرب مع ”القاعدة، و داعش“، وما قبلَها من تغيّر ليسَ بالمألوف في نظام حُكم العراق على يد أميركا، كُلّها أودَت بطريقة أو بأُخرى إلى هذه النتيجة، لكن الحروب وإِن كانَت من أهم الأسباب، إلا أنّها ليسَت الوَحيدَة.

«لِتَفَشّي الأميّة أسباب عديدة، منها تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وتراكمات الحروب والهجرة والنزاعات الداخلية، ناهيك عن النزوح إبّان ”داعش“ والعوز المادي، إضافةً إلى قلّة الكوادر التعليمية، وكَذا قلّة الميزانية المخصصة للتعليم، فضلاً عن مشكلة النقص الهائل في البنى التحتية الخاصة في التعليم، كُلّها أسباب أدّت إلى ارتفاع الأُمّية في البلد»، يقول الأستاذ التربوي حيدَر التميمي.

ويُضيف لـ ”الحل العراق“، «كما أن النظام السياسي بطبيعته (الإسلامية) الذي لا يشجع المرأة على الدراسة، والضغوط الاجتماعية والنظرة إلى أن مكان المرأة هو المطبخ والسرير، دفع إلى ترك النساء للدراسة في سن مبكّرة من عمرها، لذلك جاءت النسبة الأعظم من الأمّية في البلاد من جنس النساء، هذا غير تردي الظروف المعيشية للعوائل التي تدفع بها إلى منع بناتها من الدراسة وتزويجهن مبكراً، لكي يُقَلّصوا من عاتقهم الأعباء الماديّة».

الحلول إِنْ أُريدَ الخَلاص

مثلَما هُوَ معلومٌ، أن انتشار الأميّة في المجتمعات، بخاصة بين الشباب، لا تُنجِب سوى  «العنف والإرهاب والاعتداءات وتشجيع القبلية، والشعور باليأس»، فضلاً عن انتشار «البطالة والفقر والجهل والمرض وإعاقة نمو الأفراد اجتماعيا»، هذا غَيرَ زيادة معدلات السرقة والقتل والجرائم في المجتمع، وغيرها الكثير والكثير، لكن هل ذلك يعني أن يستمرّ العراق غارقاً في الوَحل، فإِن استمَرَّ في وحلِهِ، كيفَ لهُ يَنهَض من جديد إذاً؟

الباحثة الاجتماعية ”فرح القُريشي“.- إنترنت

«يجب على الحكومة وبالذات وزارتي التربية والتعليم، إذا ما أرادَتا الحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها تدريجياً، التسرع في محاربة التسرب الدراسي، وإلزام كل من يبلغ السن الدراسي بالانتظام في المدرسة، مع تخفيف الأعباء الدراسية عن كاهل الأسر، حتى لا يكون التسرب نتيجة لثقل الأعباء المادية على الأسر، بالإضافة إلى إنشاء مراكز لمحو الأمية بالقرب من السكان الذين يعانون من الأمية، والاهتمام بتلك المراكز بصورة جيدة»، تقول الباحثة الاجتماعية ”فرح القُريشي“.

«وكذلك، إقرار بعض القرارات التي تمنع توظيف الأمي في جميع المؤسسات الحكومية والأهلية، و إجبار الموظفين الأميين على الالتحاق بمراكز محو الأمية واتخاذ إجراءات صارمة بحق من لا يلتحق، فضلاً عن توفير المستلزمات المدرسية وبناء مدارس لتستوعب جميع الطلبة، والتخلص من الصفوف المزدحمة التي يصل أعداد الطلبة في غالبيتها إلى /75/ طالباً في الصف الواحد، واستيعاب الطلبة المتسربين، وعودة أطفال الشوارع لمدارسهم»، تُضيف لـ ”الحل العراق“.


 


التعليقات