بغداد 21°C
دمشق 19°C
الخميس 29 أكتوبر 2020
نصب إنقاذ العراق ببغداد - إنترنت

ما عدا اسمه، كل ما فيهِ مُؤقّت.. إنه العراق


«يا إخوان مَحَّد يعَلّمني اليوم الوطني الخاص بالعراق»، تساؤلٌ طرحَهُ طفل (صغير سِناً، كبيرٌ وَعياً)، لم يتجاوز عمره العاشرة، عبر حسابه في ”فيسبوك“ منذ أيام، جاءَ سؤاله تزامُناً مع احتفالات ”السعودية“ بيومها الوَطَني.

في كُل البُلدان، يوجد يوم وطني خاص بها، تحتفل به الدولة (شعباْ وحكومةً)، والاحتفال هو إما بيوم استقلالها من احتلال ما أو انتصارها في ثورة ما.

”بريطانيا“ هي الاستثناء الوحيد؛ لأنها لم تُحتَلّ يوماً، لديهم يوم الملكة، يحتفلون به كيوم وطني، ولسخرية القدر، أن الوحيد الذي لا يوم وطني له إلى جنبها هو العراق، لا لشيء سوى لعدم الوفاق على تاريخ محدد.

 

الأعلام العراقية من زمن الجمهورية وحتى الآن

العراق الذي سيمر على تأسيس دولته الحديثة قرنٌ كامل في العام المُقبل، تجدُ حكوماته صعوبة في اختيار يوم له، يحتفل به الشعب، كما سائر شعوب الأرض، إذ تختلف حكومته في التوافق على 7 مقترحات، أولها (٢٣ آب ١٩٢١) يومَ تنصيب الملك فيصل الأول على عرش العراق، ذلك لأن العراق لم يعد مملكةً، إنما جمهوري.

ثانيهُما وفق التسلسل الزمني (٣ تشرين الأول ١٩٣٣) يوم انضمام العراق لعصبة الأمم وخروجه من كنف الانتداب البريطاني، تم رفضه كونه شكل روتيني لا غير، والثالث هو (١٤ تموز ١٩٥٨) رُفِضَ على اعتبار أنه يمثل مقتل العائلة الحاكمة وانقلاب عليها وفق فئة من المجتمع، ذلك لأن اليوم الوطني، يجب أن يحظى بإجماع وطني، أما الرابع فهو (٩ نيسان ٢٠٠٣) والنتيجة ذاتها، الرفض، لأنه يمثل يوم دخول أميركا إلى العراق.

المقترح الخامس، هو (١٥ تشرين الأول ٢٠٠٥) وقت كتابة الدستور العراقي، رُفِضَ لأن مُكَوّناً ما لم يشترك في كتابته، أما السادس فهو (٣ شباط ٢٠١١) يوم خروج أميركا من العراق، رُفِضَ كالعادة لأن أميركا جاءت وخرجت بطلب من المعارضة وقتها، والتي هي الحكومة يوم الخروج، أما السابع فهو (١٠ حزيران ١٩٢٠) الذي يمثل ثورة العشرين، لم يحظى أيضاً بالوفاق.

لا يوم ما لم تكن هوية موحدة

«أعتقد أن اليوم الوطني عندنا قد ضاع بعد عام 2003 مع ضياع الهوية الوطنية العراقية الموحدة»، فنحن اليوم ما زلنا نواجه أزمة كبيرة في هذا الصدد»، بهاتَين الجُملَتَين يفتتح الصحفي والكاتب ”محمد خليل گيطان“ حديثه معالحل العراق“.

 

الصحفي والكاتب ”محمد خليل گيطان” – فيسبوك

مُردفاً بالقول، «العراقي حائر بين القومية والديانة والطائفة، وليس هناك ما يجتمع عليه الناس في هذه البلاد، فما هو مقدس ومبجل عند فئة معينة، قد لا يعني شيئا عند غيرها».

ويطرح تساؤُلَين استطرادِيّين، «ما الذي يجمع ابن بغداد بابن الأنبار والبصرة وكركوك؟ وما الذي يجمعهم جميعا بالمواطن الكُردي الذي يفكر جدياً بالانفصال؟ أعتقد من الصعوبة إيجاد يوم وطني موحد قبل إيجاد هوية وطنية موحدة، وذلك لن يحدث ما لم تكن هناك قيادة تتجاوز هذه الحدود ونجمع الناس حول ما تحب».

فيما يَرى گيطان، أن «الناس في العراق لن تجتمع إلا حول أشياء قليلة جدا تكاد أن تكون أقل من أصابع اليد الواحدة، في مقدمتها الرياضة مثل (منتخب وطني موحد) أو الفن والعلم، كَـ فوز فنان أو عالم بجائزة عالمية».

«والأشمل والأعم من ذلك هو النجاح الاقتصادي إن استطاعت الدولة من تحقيق قفزة اقتصادية تؤثر إيجاباً بحياة الناس، يمكن لذلك الحدث أن يكون حدثاً وطنياً جامعاً، فاليوم جميع شعوب الأرض تجمعهم المصلحة الاقتصادية والمادية»، يلفت.

/5/ تغييرات ومنذ /٢٠٠٣/ والحالي مؤقت

ليس اليوم الوطني وحده، بل النشيد الوطني كذلك، فنشيد العراق الحالي (موطني) هو مُؤقت منذ أن صيرَ نشيداً للبلاد عام ٢٠٠٣، ولولا ”بول بريمر“ رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة يومها لَما تم الوفاق على نشيد حتى، فهو من اعتمده وبقي كذلك، إلى وقتنا، برغم مرور ثلاث حكومات متعاقبة، والنشيد لشاعر فلسطيني وملحن لبناني، ليس فيه ما يدلّ على عراقيته.

كان أول نشيد للعراق عام 1924، وهو لحنٌ فقط من تلحين الضابط البريطاني الميجر جي، بعد أن فاز لحنه من بين الكثير من المُلحّنين، إثر مُسابقة أعلنها الملك فيصل الأول وقتذاك لاختيار اللحن الأنسب.

 

شعارات العراق من زمن الملكية وحتى اليوم- إنترنت

أما الثاني فكان لحنُ أيضاً عام ١٩٥٨ في أول عهد جمهوري بعد الملكية، وكان من تلحين المسيحي الراحل ”لويس زنبقة“، وهو العراقي الوحيد الذي وضع لحناً للنشيد الوطني العراقي إلى يومنا هذا.

أما النشيد الثالث، فكان ”والله زمن يا سلاحي“ جاء به حزب البعث بعد صعوده إلى دفة العراق عام ١٩٦٣، وهو ذاته النشيد المصري حينها، اعتمده عبد السلام عارف وفقاً لِما تُعرَف (بالوحدة العربية) يومها، إلى أن جاء صدام حسين، ليقرّر أن يكون للعراق نشيده الخاص به، فتم اختيار ”أرض الفُراتَين“، واستمر ذلك النشيد حتى التغيير عام ٢٠٠٣، ليتم اعتماد أنشودة ”موطني“ كما ذُكِرَ سَلَفاً.

منذ ٢٠٠٣ وإلى اليوم، لا تجد الحكومات المتعاقبة نشيداً وطنياً تتفق عليه، عام ٢٠١٢ اعتمدَ مجلس النواب العراقي قصيدة ”سلام على هضبات العراق“ للجواهري، نَشيداً وطنياً، لكن لم يعلن عن اتخاذه النشيد الجديد، لتذهب كتلة سائرون نحو مقترح آخر هو ”سلام عليكَ“، من غناء كاظم الساهر في الشتاء الفائت، ولكن إلى الآن لا يوجد ما يؤكد أنه سيُصار في الوقت القريب.

لتبادل السلطات الأثَر

«يعود السبب إلى تغيير النشيد الوطني في الدول بشكل كبير إلى كثرة الانقلابات وتغيّر السياسات التي كثيراً ما تخالف الايديولوجيات التي سبقتها، وتعبر عن سياسة الدولة الحالية، وليس العراق ببعيدٍ عنها، وما كثرة التغييرات في نشيده إلاّ دليل على ذلك»، يقول الأكاديمي والمهتم في الشأن الثقافي ”ضياء مُصطفى“ لـ الحل العراق“.

 

الأكاديمي والمهتم بالشأن الثقافي ”ضياء مُصطفى“ – فيسبوك

مبيّناً، «وكل تلك التغييرات تعود إلى طريقة تبادل السلطات، فإن كان التبادل قائماً على الانقلابات والثورات فإنه سينسف كل ما قام عليه النظام المخلوع، ومنها النشيد الوطني، أما إذا كان التبادل سلمياً للسلطات فإنه في الغالب سيبقي على النشيد الوطني المتفق عليه، والعراق سلكَ الأولى، لذلك لحق بنشيده ما لحق».

أما عن عدم اتفاق الحكومات المتعاقبة على نشيد وطني منذ 2003 وإلى الآن، فيُرجع السبب إلى حالة التشظي الموجودة في القرار السياسي والتعددية التي كل منها يرى النشيد الوطني من وجهة نظره، «وذلك يجعل من الصعوبة إرضاء جميع الأطراف التي تنظر للأمور من مصلحة خاصة لا من مصلحة الوطن العامة» وفق تعبيره.

«في بلد مثل العراق، بلد حضارة وشعر وأدب من اليُسر جدا أن يتمخض من خيال شعراءه وفنانيه نشيد وطني»، يقول، فيما يَرى، أن «قصيدة الجواهري ”سلام على هضبات العراق“ مُناسبة جداً لأن تكون نشيداً وطنياً (دائماً) للعراق»، لأن «شاعراً مثل الجواهري من المَفروض أن يتفق عليه الجميع» حسب قوله، لكنه يستدرك، «طالما الانقسام والتشظي مَوجودَيْن، فإنه من الصعب أن يكون ذلك».

الشعارُ والعلَمُ لم ينجُوا من آفة التغيير

يُضاف إلى اليوم الوطني والنشيد، الشعارُ والعَلَم، فهما أيضاً شهدا التغيير العديد، فالشعار تغير خمس مرات، في ذات الحقب التي تغير معهما النشيد الوطني، التغييرات الثلاث الأخيرة، في حقبتي البعث، وحقبة اليوم، جلها متشابهة، شعار ”النسر“، التغيير يحدث فقط في قاعدة العلم وسط النسر، عندما تغير العلم في تلك الحقب.

 

أول علمين في تاريخ العراق

أما فيما يخص أول شعار فكان في عهد الملكية عام ١٩٣١، وكان على شكل ”ستارة مربعة يتوسط نصفها العلوي تاج المملكة“، أما في عهد الجمهورية الأولى، فكان الشعار  هو ”حلقة دائرية تعبر عن ثورة ١٤ تموز“ وفق ايديولوجية تلك الحقبة، ليجيء بعدهما ”نسر العروبة“ في كل الحقب اللاحقة.

وأما علَم العراق، فتغير 7 مرات، في عهد الملكية مرّتين، والثالثة في عهد عبد الكريم فاسم، فيما جاء الرابع في عهد البعث الأول وهو العلم تلذي يحمل النجمات الثلاث نسبة إلى الوحدة العربية مع سوريا ومصر، عدّله صدام في التغيير الخامس، فأضاف إليه كلمة ”الله أكبر“ بعد حربه مع الكويت، ليُصار السادس لمدة مؤقتة لم تتجاوز العام في ٢٠٠٤، أما السابع .الحالي، فكان ذات علم ما قبل ٢٠٠٣ مع إزالة النجمات.

وحدهُ عبد الكريم عبرالشمس السومريّة

«الأنظمة اختارَت تجزئة البلاد في شعاراتها، ففي حقبة حزب البعث كان الرؤساء يمشون نحو الوحدة العربية، فكان الأول يتعاطف معها، والثاني ينادي بها، لذلك ساروا نحو شعار ”نسر صلاح الدين الأيوبي“، غافلين أعينهم عن أن الشعار كما العلم، يمثل هوية البلد وحضارته وتاريخه، ويجب أن يستنبط منها، دون السير نحو الضيق، فالعراق متنوع، لا طيف واحد»، يقول علاء مُصطفى.

«من عالجها، كان تاريخه قبل مجيء هذه الحقب، وأقصد به عبد الكريم قاسم، إذ عالجَ الشعار، وجاء بم متناغماً وحضارة العراق، لأن قاسم رغم أصوله العربية، لم يكن يميل لعرَبيّته، بل كان يميل نحو عراقيّته قبل كل شيء، أما حكومات ما بعد ٢٠٠٣ فهي لم تفعل شيئاً إلا شكلياً، لغياب رؤياها وحكمتها»، أستاذ الدعاية السياسية يُضيف لـ الحل العراق“.

 

أستاذ الدعاية السياسية “علاء مصطفى” – فيسبوك

فيما يخص العلَم، «فذات ما ينطبق على الشعارات ينطبق على العلم، هوس الوحدة العربية المزعومة هي من تسيطر على عقول الرؤساء، لذلك تجد من النادر أن يتم اختيار ألوان غير (الأبيض، الأسود، الأحمر والأخضر) في كل تغيير علَم، لأنها تمثل ألوان الوحدة العربية»، يقول مُصطفى.

لافتاً، «وحتى الملكية قبل ذلك، كانت تنظر ذات النظرة، بدليل ذات الألوان في الأعلام، وتغييرها للعلم عام ١٩٥٨ بعد اتحادها مع المملكة الهاشمية الأردنية، ليُكَوّنا علَماً مُوَحّداً، وحدَهُ عبد الكريم قاسم هو من نجح في معالجتها عبر اختياره للشمس السومرية، التي تُشير إلى حضارة العراق السومرية الأصيلة».

وعن ما بعد ٢٠٠٣ فيقول، إن «مقترح عام ٢٠٠٤، كان مناسباً لكن تصميمه مُستعجل نوعاً ما، ولا أحد يستطيع التشكيك في نيّة المعماري رفعت الچادرچي، لأن مشربه عراقيّ خالص، ومن شكّك في نيّته بأن العلمَ المقترح يُشابه علمَ إسرائيل عبر اللونين الأزرقَين، فهو خاطئ، لأنه يتناسى أن إسرائيل حينما صمّمَت علمها، قد جاءَت بالأزرق نسبةً إلى النيل والفُرات».

في الأخير، يبدو أن كل ما في العراق ”مُؤقت“، ولا مجال لوجود ”دائم“ فيه طالَما تتغيّر حكوماته وأنظمته، لا (علَمٌ ولا شعارٌ ولا نشيدٌ دائم)، والأهم قبل كل ذاك، أنه لا يوم وطَني دائم ولا حتى مؤقت، ليبقى سُؤال ذلك الطفل الصغير، عن يوم بلاده الوطَني، وحلُمِهِ في الاحتفال به كما يشاهد سائر الشعوب من شاشة التلفاز حُلُمٌ مُعلّق ومُؤجّل إلى يومٍ رُبّما لَن يَحين.



التعليقات