بغداد 30°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

ما هي «المناطق الآمنة» وهل ينجح تطبيقها في سوريا؟


نشر موقع “BBC” عربي، تحقيقاً مفصلاً يبين الواقع الحقيقي حول مشروع المنطقة الآمنة الذي تتذرع فيه تركيا في غزوها لمناطق شمال شرق سوريا. ويعالج التحقيق المفصل الأبعاد السياسية والعسكرية لمشاريع مماثلة عن #المنطقة الآمنة، والتداعيات السلبية وحقيقة الظروف والمصالح الدولية في تشكيلها وما آلت إليه. إذ بدأت الدوريات التركية والروسية تجوب «المنطقة الآمنة» كما تسميها تركيا، في #شمال_شرق_سوريا.

وأُقرت هذه الخطة التركية، حسب إدعاءات المسؤولين الأتراك بهدف إعادة توطين اللاجئين السوريين في منطقة آمنة بطول الحدود التركية-السورية، وإخلائها من المقاتلين الأكراد التي تعتبرهم تركيا «إرهابيين»، بينما هؤلاء هم أنفسهم الذين هزموا تنظيم «داعش» وأسقطوا «خلافته» المزعومة.

وقد تبدو هذه الفكرة بسيطة نظرياً. لكن كما أثبت لنا الواقع من قبل، من أمثلة صراعات البوسنة ورواندا والعراق وسريلانكا، فإن خلق مناطق آمنة أكثر صعوبة مما يبدو، نظراً للأجندات المختلفة في آلية تطبيقها.

ما الذي يحدث في شمال-شرق سوريا؟
فتح الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية من شمال سوريا، الأسبوع الماضي، الطريق أمام تركيا لشن هجماتها عبر الحدود. وبعد أيام من الاشتباكات بين #قوات_سوريا_الديمقراطية (وقوامها من المقاتلين الأكراد) والقوات التركية، وافقت تركيا على هدنة تسمح بانسحاب المقاتلين الأكراد داخل سوريا لمسافة تبعد 30 كيلومترا عن الحدود مع تركيا.

وبموجب الاتفاق الذي عُقد مع #روسيا، يفترض أن تجوب دوريات روسية وسورية موالية المنطقة الآمنة المتفق عليها، على جانبي المنطقة التي تسيطر عليها تركيا والمقاتلين الموالين لها.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ثنى على الاتفاق الروسي-التركي، واعتبره «نجاحا كبيرا»، في حين دفعت ألمانيا بفكرة الاستعانة بقوات أممية لضمان حماية المنطقة الآمنة. لكن الخبراء أشاروا إلى أن تاريخ المناطق الآمنة لا يبعث على التفاؤل، وأن هناك مخاوف من أن الخطة التركية تعرض الأكراد لخطر التهجير والإبادة العرقية. ويقول أحمد بن شمسي، من هيومان رايتس ووتش، إنه «لا يمكن تهجير مليون شخص، ونقلهم إلى أرض خاوية بهذه البساطة».

ما هي المنطقة الآمنة؟
ينتشر استخدام مصطلحات متعددة، مثل “مناطق آمنة” أو “مناطق محمية” أو “ممرات إنسانية” أو “بؤر آمنة”، لكنها تعني الشيء نفسه في النهاية.

والهدف الأساسي من هذه المناطق هو حماية المدنيين الفارين من الصراعات. وتُعرف هيومان رايتس ووتش المناطق الآمنة بأنها “مناطق تتوافق عليها الأطراف المتصارعة في نزاع ما، وتمتنع القوات المقاتلة عن دخولها أو شن هجمات عليها”.
وتختلف هذه المناطق من حيث المبدأ عن “المناطق منزوعة السلاح”، التي يُمنع فيها النشاط والبنية العسكريين ويُحظر الطيران فوقها، لكن ثمة رابط بين وجود هذين النوعين من المناطق.

وكان هذا هو الوضع في العراق بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، إذ أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حظر الطيران في شمال وجنوب البلاد. وكان الهدف هو حماية الأقليات الكردية في الشمال، والمدنيين الشيعة في الجنوب، الذين سحقهم نظام صدام حسين حين خرجوا في احتجاجات.

كما يملك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صلاحية إعلان مناطق آمنة، وفعل ذلك من قبل في البوسنة والهرسك عام 1993، وفي رواندا عام 1994.

تبدو الفكرة جيدة، فما المشكلة؟
يرى البعض أن خلق منطقة آمنة للمدنيين داخل منطقة صراع أمر لا يمكن التحكم فيه. فنظريا، توفر هذه المناطق ملاذا للمدنيين المهجرين، حيث يمكنهم الحصول على الطعام والمأوى والرعاية الصحية والأمن بشكل أفضل من المناطق العالقة في الصراع.

كما يعتبر البعض أن المناطق الآمنة تمنع حركة الهجرة الجماعية إلى دول الجوار، الأمر الذي قد يشكل عبئا على البنية التحتية فيها ويشغل الخلافات السياسية. كذلك يشير البعض إلى أن اللاجئين يفضلون البقاء في منطقة آمنة داخل بلادهم، حيث يكونون أكثر دراية بالثقافة واللغة والعادات الاجتماعية.

لكن منطقة الصراع ليست محلاً خصباً لحفظ الاتفاقات بين الأطراف المتحاربة. وحال انهيار الاتفاق، يصبح المدنيون الذين احتموا بالمنطقة الآمنة عرضة للهجوم مرة أخرى. والخريطة المرافقة تحدد ذلك، وفقا لـ”BBC”

ويقول البروفيسور ديفيد كيين، مؤلف ورقة بحثية عن المناطق الآمنة، إن «إطلاق اسم آمن على مكان ما لا يجعله آمنا». كما نوهت هيومان رايتس ووتش إلى أن المنطقة التي تقترحها تركيا “لن تكون آمنة تماما”، وتنذر بخلق دفعات جديدة من المدنيين المهجرين، في غياب بنية تحتية مناسبة لإيواء هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين العائدين.

ويقول بن شمسي إن المناطق الآمنية «دائما، وربما حتما، تمر بمشاكل أمنية». مشيراً إلى أن «التجمعات الكبرى للمدنيين من مجموعة عرقية أو دينية بعينها يجعلهم أكثر عرضة للهجمات العرقية».

وأضاف أن هناك أيضا خطر اختلاط عناصر من المقاتلين بالمدنيين، ما يحول المناطق الآمنة إلى أهداف عسكرية مشروعة. وأن المدنيين خارج المنطقة الآمنة قد يعتبروا “هدفا مشروعا”.

ماذا حدث في المناطق الآمنة الأخرى؟
وفي الكثير من الحالات، ثبت أن المناطق الآمنة قد تكون مصدرا للخطر. ورغم وجود بعض الأمثلة الناجحة، إلا أن هناك حالات كانت فيها هذه المناطق سببا في إزهاق الأرواح بدلا من إنقاذها. ويقول بن شمسي إنه «بالنظر إلى التاريخ، يندر رصد منطقة آمنة داخل منطقة صراع، وكانت آمنة بالفعل».

أحد أشهر الأمثلة على فشل المناطق الآمنة كانت في حرب البوسنة عام 1995، بين الصرب من ناحية، ومقاتلي البوسنة المسلمين الذي أرادوا انفصال البوسنة والهرسك عن يوغوسلافيا. وفي أوج الصراع، عام 1993، أعلنت الأمم المتحدة عن ست مناطق آمنة تحرسها قوات حفظ السلام.

وكانت أحد هذه المناطق في مدينة سربرنيتشا، حيث لجأ الآلاف من المسلمين للمأوى الأممي. وبعد سقوط المدينة، إثر هجوم من صرب البوسنة بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش، استسلم أفراد قوات حفظ السلام. وانتهى الأمر بقتل ثمانية آلاف رجل وفتى من المسلمين البوسنة على أيدي الصرب، في ما يُوصف بأشد مجزرة دموية في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وتقول «لين معلوف»، رئيسة أبحاث الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية «آمنستي» إنه «عند تحديد مثل هذه المناطق دون أخذ فكرة الحماية في الاعتبار، قد تكون النتائج كارثية»، وفق المصدر ذاته.

وتكرر حمام الدم نفسه في رواندا، أثناء الحرب الأهلية عام 1994. فبعد القتل الجماعي لأقلية عرقية التوتسي على يد المتطرفين من عرقية الهوتو، تدخل الجيش الفرنسي بدعم من الأمم المتحدة. وحدد الفرنسيون منطقة آمنة لحماية المدنيين المهجرين.

وعند انتهاء الصراع عام 1994، اقتحم الجيش الموالي لحكومة التوتسي التي تولت مقاليد البلاد معسكرا للاجئين في المنطقة الآمنة بغرض فضه، حيث اشتُبه في اختباء أفراد ميليشا هوتو ممن شاركوا في المجازر. وارتكبت القوات الحكومية مجزرة، انتهت إلى مقتل المئات من المهاجرين باستخدام الرشاشات الآلية والقنابل اليدوية. ومرة أخرى، ثبت فشل قوات حفظ السلام في وقف القتال.

وتكررت النتائج نفسها في سريلانكا، إذ خاضت الحكومة حربا أهلية استمرت 26 عاما، ضد مجموعة نمور التاميل المتمردة. وفي عام 2009، مع اقتراب نهاية الصراع، طلبت الحكومة من المدنيين اللجوء إلى مناطق آمنة. لكن الأمم المتحدة اتهمت الحكومة بالاستمرار في قصف المناطق المدنية، بما فيها المناطق الآمنة. ونفت الحكومة استهداف هذه المناطق، وقالت إنها كانت ترد على إطلاق النار من قبل المتمردين.

ويقول بن شمسي إن الآلاف ماتوا «كنتيجة مباشرة لإعلان منطقة آمنة».
وعلى النقيض، ثبتت فعالية مناطق حظر الطيران في شمال وجنوب العراق، إذ أنها نجحت في حماية الأكراد والشيعة من بطش قوات صدام حسين.

لكنها تفقد شرعيتها الدولية دون موافقة مجلس الأمن، كما أن مدى نجاحها في إنقاذ الأرواح كان محل تساؤل. فعند إقرار مناطق حظر الطيران، اتُهمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بقتل مئات المدنيين العراقيين أثناء عمليات القصف. وفي ضوء هذه الأمثلة، فإن تاريخ المناطق الآمنة جدليّ. وتختلف تبعاتها ونتائجها. ويتفق الخبراء على أن النوايا الحسنة لا تفضي بالضرورة إلى نتائج جيدة.

وتقول ستيفاني كابلر، أستاذ حل النزاعات في جامعة دُرَم، إن ذلك يرجع «لتعقيد الأهداف من وراء تحديد مناطق آمنة».
وأضافت : «فالهدف من إنشاء مناطق آمنة نادرا ما يكون إنسانيا تماما. فهي عادة ما تهدف لحماية الدول القوية من تدفق اللاجئين، أو كمسوغ لإعادة طالبي اللجوء إلى مناطق الصراع».

وأكملت «وبالتأكيد هناك زاوية سياسية بحتة لتحديد من يمكن أن يكون ضحية حرب، ومن يُعتقد أنه يستحق الحماية»، وهنا ومع الختام من الطبيعي طرح السؤال التالي مع جميع الأمثلة والمعطيات التي قدمها موقع “BBC” عربي، ألا وهو: هل تنجح خطة تطبيق المنطقة الآمنة في سوريا بعد تجربة السنوات الثماني الماضية، مع اختلاف توزع القوى على الأرض؟


التعليقات