بغداد 35°C
دمشق 26°C
الجمعة 18 سبتمبر 2020

العراق.. سقوط السّلطة الدينيّة ثقافيّاً واجتماعيّاً


علي مراد

بعد سقوط حقبة حكم صدام حسين  في 2003 والذي كان يمارس السلطة الدكتاتورية في منع أي حزب أو حركة أو تجمع ديني أو سياسي، قدِمت الأحزاب والحركات الدينية بعد هذا التاريخ لدفّة الحكم لتستولي على عواطف المجتمع العراقي من خلال احتياجاته العقائدية وإرواء عطشه الديني وفسح الحرّيات أمامه، ليمارس ما يريد من طقوس وشعائر دينية لتستغل هذه العواطف وتعبئها سياسيّاً ومن ثمًّ طائفياً لحروب استثمارية، هدفها تأصيل حاجة المجتمع للمنقذ السياسي الديني دائماً، كما تم استغلال صوت المرجعيات الدينية في دعم نظام سياسي يتَّسم في الظاهر بواجهة دينية.

لكن حقيقة الداخل هو أشبه بنظام يجمع مافيات وعصابات وسرّاق اتفقوا على سرقة خيرات البلاد، ولأن شعب مثل شعب العراق لديه من الوعي المعرفي والثقافي والشجاعة الوطنية ما يكفي لكشف خيوط اللعبة التي تًحاك ضدّه من خلال ساسة يعملون لصالح دول إقليمية ويرتدون عباءة الدين، فقد خرج محتجّاً على الطغمة السياسية أجمعها منذ إن بانت سرقاتهم وفضائحهم وتراشقهم على شاشات الإعلام.

وبعد أول شعارٍ رفعه المحتج العراقي منذ سنوات و باللهجة العراقية المتداولة (بسم الدين باكونه الحرامية) والذي يشير بأن الساسة السرّاق يحتمون خلف اسم الدين، فكانت ردّة فعل الحركات والأحزاب الدينية بين المستفَز من هذا الشعار، وبين من أراد أن يهرب من كل عنوان أو مسمى ديني، حتى صنعت الأحزاب الإسلامية مظلات جديدة لها بعناوين وأسماء مختلفة بعيدة كل البعد عن كل ما يشير للدين.

ويتضح أن كذبة الاحتماء بالمقدّس الديني قد انكشفت لدى المجتمع العراقي، ولم يبقَ للسلطة الدينية شيء يذكر لتسيطر به على الشارع العراقي، ومن هذا نستنتج، اجتماعياً، بعدما كان وجود العمامة الدينية في الشارع العراقي مقدّساً أصبح اليوم يُنظر لها باشمئزاز، وتغيَّر العقل الجمعي العراقي من ثقافة الحوارات الدينية والنقاشات تحت مظلّة المشرّع الديني كسلطة عقائدية تسيّر الفرد والنظام الحكومي، إلى حوارات ونقاشات تطالب السلطة الدينية أن تبتعد عن خيارات الشعب.

ولا تخلُ هذه النقاشات أيضاً من تأنيب المرجعيات الدينية في دعمها يوماً لقوائم انتخابية دينية وطائفية في الانتخابات على حساب الشعب ومقدراته، فقد أحرقت العملية السياسية التي تديرها أحزاب سياسية دينية نفسها وأحرقت السلطة الدينية معها.

انسحب بساط السلطة الدينية وصار الغضب الشعبي لا يعترف بأي بيان أو خطبة تصدرها النجف أو طهران أو الأزهر أو مكة، حتى بات العراقي وبكل وضوح يصرخ أمام كل محاولة لحرف مسار متطلباته داخلية كانت أو خارجية بصوته المتعب..( أريد وطناً).

أمّا ثقافيّاً، لم تتبلور ثقافة الفرد العراقي مع ثقافة المشرّع السلطوي الديني، أو بالأحرى اليوم الفرد العراقي لا يشعر بالثقة من أية سلطة دينية، لأنها أرهقته بحروب وفتن طائفية وانفجارات وقتل وسرقة وضياع وطن، فلم يرى الفرد العراقي من السلطة الدينية خيراً غير إنها تحمي النظام السياسي الفاشل والذي يمارس أقسى ممارسات الدكتاتورية المغلفة.

فقد جاءت السلطة الدينية بثوبها الذي لا يليق بثقافة العراق وحضارته الإنسانية التي تمتاز بالشرائع القانونية الإنسانية والتعايش النبيل بين مجتمع عمره الحضاري أكثر من 7000 سنة.

فقد يرى المثقف العراقي بأنه لا يليق به أن يمتثل وينصاع للمشرّع السلطوي الديني، غير أنه كان خائفاً في بادئ الأمر من أي اتهام لأي معترض على نظام السلطة الدينية بشتى التهم الواهية، لأن أذرع السلطة الدينية لديها تهم معلبة لكل من يقف بوجهها كافية لتسقيط صوت الملايين.

 لكن بعدما استجمعت القوى الثقافية صوتها فقد كشفت ما كان مغطى بغطاء الخوف، ولم تكف حرباء السلطة الدينية عن مثولها بألوان مختلفة حسب ما يتناسب مع مصالحها.

إلّا أن النخب العراقية اتّحدت مع عامة الشعب في الشعار والهدف وكوّنوا مزيجاً وطنياً جديداً يتفق عند نقطة (أريد وطناً) عابراً فوق السلطة الدينية ونظامها السياسي.


 


التعليقات