بغداد 30°C
دمشق 28°C
السبت 19 سبتمبر 2020

حين تكون سوريا الفريسة.. المصالح المتقاطعة في شمال شرق الفرات


نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” مقال رأي بينت من خلاله أن #تركيا أكثر من قادرة على حماية حدودها بدون الحاجة لغزو سوريا.
حيث يوضح المقال الأسباب البعيدة للاجتياح التركي لشمال شرق سوريا والمصالح السورية والأجنبية في تلك المنطقة والتي أدت إلى التغيرات الكثيرة خلال الأسابيع الأخيرة الماضية. فتركيا تملك جيشاً متطوراً بالكامل ويعتبر ثاني أكبر جيش في حلف الناتو والرابع من حيث القوة النارية.

وإذا ما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصمماً على اعتقاده المستمر بأن #إسرائيل مثل #ألمانيا النازية وأنه يجب على إسرائيل أن تتعاطف مع ما يفعله في #سوريا، فكأنه يقول أن ألمانيا النازية سوف تتعاطف مع حملته، عندها لن يكون أردوغان مخطئاً، فـ هتلر كان مؤيداً جداً للتطهير العرقي.

ومن وجهة نظر محايدة فيما يتعلق بالمصالح في سوريا، فهناك عدد من المستفيدين من الانسحاب الأميركي، إلا أن الولايات المتحدة ليست من ضمنهم. فقد فشل كلّ من التحرك الدولي والاستراتيجيات والسياسات الداخلية جميعهم في توضيح السياسة التي يبدو أنها كانت خطأ غير مقصود من الرئيس الأميركي. ولعل التحركات التي قامت بها الولايات المتحدة بعد القضاء على زعيم تنظيم #داعش أبو بكر البغدادي لتعزيز موقعها العسكري في سوريا تشير إلى قرار ترامب لاحتواء الأضرار الناجمة عن انسحاب قواته المتهور.

المصالح التركية
تستمد تركيا نواياها من الاعتبارات السياسية المحلية وليس من المخاوف الأمنية كما تدعي. فأردوغان يريد تعزيز مكانة حزبه، حزب العدالة والتنمية، بعد الحملة الانتخابية الكئيبة التي تلقى من خلالها ضربةً قوية عند خسارته في الانتخابات في شهر حزيران من العام الحالي.
وتتضمن أهداف أردوغان في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا التطهير العرقي والتهجير القسري للسكان، وكلاهما يشكلان انتهاكات واضحة للقانون الدولي.

ومن خلال غزوه لسوريا وإعادة توطين ملايين اللاجئين السوريين ذوي الغالبية من العرب السنة بالإكراه في منازل أعداء تركيا العرقيين عبر التاريخ “الأكراد”، يأمل أردوغان بتعزيز الفخر القومي والتخفيف من غضب المُنتخبين بسبب تدفق ما يزيد عن ثلاثة ملايين لاجئ سوري إلى البلاد.

وقد استشهد أردوغان بعلاقات قوات سوريا الديمقراطية مع حزب العمال الكردستاني (PKK) كسبب أمني جوهري للدفع بقوات سوريا الديمقراطية بعيداً من أجزاء في سوريا. إلا أن الصحيفة تجد أنه وبالتدقيق فإن هذا السبب ليس مقنعاً، فقوات سوريا الديمقراطية لا تشكل تهديداً للأمن التركي. فقد كانت هذه القوات تحارب تنظيم داعش وليس تركيا. وبالمناسبة، فإن الأكراد العراقيين الذين قصفتهم تركيا في العام 2015 كانوا أيضاً يحاربون تنظيم داعش وليس تركيا. والجيش التركي أكثر من قادر على حماية حدوده بدون الحاجة إلى غزو سوريا. فجيشه المتطور بالكامل يشكل ثاني أكبر جيش في حلف الناتو والرابع من حيث القوة النارية. فلم يكن هناك مؤخراً أي عدوان حدودي من سوريا نحو تركيا، كما أنه لا يوجد أي دليل على تقديم حزب العمال الكردستاني الدعم لقوات سوريا الديمقراطية عبر الحدود.

وقد كانت كل من الولايات المتحدة وتركيا قد وافقتا على تسيير دوريات مشتركة على الحدود السورية التركية، هذا ما قبل الغزو التركي. كما أقنعت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية بتفكيك تحصيناتها على الحدود مع تركيا. وبموافقة الأخيرة على إضعاف موقعها، أثبتت قوات سوريا الديمقراطية حسن نيتها بشكلٍ واضح وعدم الرغبة بشن أي عمل عدواني نحو تركيا.
المصالح الروسية.

من جهة أخرى، يشير المقال إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارع في التعامل مع الدول الأخرى بحيث يضمن تحقيق الفائدة لمصلحته. وفي سوريا، أوصل ترامب بوتين للفوز بسهولة. قد كان الروس شامتون بما أطلقوا عليه اسم الانسحاب الأمريكي المتهور كما أنهم سيطروا على القواعد الأميركية المهجورة. هذا بالإضافة إلى أن المقاتلين الأكراد الذين يتمتعون بسنوات من الخبرة والتعاون الوثيق مع القوات الأميركية الخاصة سوف يتم تحريضهم بلا شك من قبل الروس لتقديم معلومات تفصيلية كاملة عن ترتيبات العمليات الأميركية الخاصة وتقنياتهم ونهجهم وإمكانياتهم. وهذا سوف يكون بمثابة انقلاب استخباراتي هام بالنسبة لروسيا.

وقد كانت خطوط الجبهات في سوريا، ما قبل الانسحاب الأمريكي، في مأزق. وقد أجبر الانسحاب الأمريكي من سوريا قوات سوريا الديمقراطية على عقد اتفاق مع الرئيس السوري بشار الأسد وبوتين للنجاة بأنفسهم من الهجوم التركي، الأمر الذي من شأنه تمهيد الطريق أمام الأسد لاستعادة فرض سيطرته على شمال شرق سوريا بمساعدةٍ روسية، مما يعزز صورة روسيا كشريك موثوق ومقتدر.

المصالح السورية
لم يكن لدى الأسد أمل كبير في النجاة من الحرب الأهلية السورية قبل أن تتدخل روسيا وتقلب الموازين. وحتى يومنا هذا ليس لديه أي خطة عملية لاستعادة فرض سيطرته على المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وعندما يهدأ الغبار في ساحات القتال، من المحتمل أن تطلب سوريا من تركيا الانسحاب من أراضيها مقابل إبقائها قوات سوريا الديمقراطية بعيدة عن الحدود مع تركيا كإجراء تصالحي. وتلك الطريقة تحقق تركيا هدفها من تطهير حدودها مع سوريا من الأكراد والتخلص بالقوة من اللاجئين السوريين الذين شكلوا عبئاً اقتصادياً عليها. في حين سيفوز الأسد باستعادة السيطرة على شمال سوريا، حيث تجبر تركيا قوات سوريا الديمقراطية على الاستسلام لحكمه.

المصالح الإيرانية
ويبين المقال أن إيران تدعم علناً نظام الأسد العلوي. فقوات الأسد البرية مدعومة بشكلٍ ملحوظ من قبل حزب الله، وكيل إيران الشيعي. كما أن إعادة إخضاع شمال وشمال شرق سوريا لسيطرة الأسد يزيل العوائق من سبيل ممر إيران البري إلى لبنان. الأمر الذي من شأنه السماح لإيران بتحصين الأصول العسكرية في كافة أنحاء سوريا الممتدة إلى لبنان، ليحيط بذلك بإسرائيل. وهذا هو أحد الأسباب التي تقف وراء دعوة مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون إلى الحفاظ على الوجود الأمريكي في سوريا إلى حين انسحاب إيران.

مصالح الولايات المتحدة من عدم وجودها
ويوضح المقال كذلك أنه ليس للدول حلفاء أو أعداء دائمين، وإنما مصالح دائمة فقط، على حد تعبير اللورد بالميرستون. ومع ذلك، فقد عانت المصالح الأميركية في سوريا. فمن خلال زعزعة جدارتها بالثقة، أضرت الولايات المتحدة بإمكانياتها على العمل مع الحلفاء لمكافحة الإرهاب بينما تستعد بجيشها لمواجهة روسيا والصين. فلم يكن الرئيس ترامب مجبراً على الانسحاب في هذا التوقيت. ولم يكن هناك أي التزام أخلاقي أو قانوني دولي أو تحالف قائم يجبر الولايات المتحدة على فتح الباب أمام اقتحام أردوغان مع مرتزقته للشمال السوري. كما أنه لم يكن هناك أي حافز سياسي محلي لكل ذلك، فالانسحاب الأميركي لم يكن لإعادة الجنود إلى منازلهم. بل تم بدلاً من ذلك إعادة نشرهم في العراق، بينما يتم نشر فرقةً أخرى في المملكة العربية السعودية.

ويشير المقال إلى أن الحجة التي ادعت الولايات المتحدة بأنها مطالبة من خلالها بإلزام حليفتها في حلف الناتو تركيا بغزو سوريا هي حجة باطلة، لأن النظرية التي اعتمدتها تركيا لشن هذا الغزو والتي بررت من خلالها بأسباب تتعلق بالأمن القومي هي أيضاً فكرة باطلة. فالزاوية المتعلقة بالأمن القومي كانت ذريعة، ولم تكن حافزاً. وبالرغم من أن تركيا تعتبر حليفاً رسمياً للولايات المتحدة، إلا أنها لا تتصرف على هذا الأساس، فالأعمال التركية الأخيرة تضمنت قصف حلفائها الأميركيين الذين يحاربون تنظيم داعش في سوريا والعراق والسماح لهذا التنظيم الإرهابي بتجنيد مقاتليه في تركيا وتمريرهم عبر أراضيها. هذا بالإضافة إلى ورفض تركيا السماح للولايات المتحدة بشن هجمات على أهداف لتنظيم داعش من القواعد الجوية الأميركية في تركيا، وشرائها لنظام الدفاع الجوي الروسي S-400. ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أن تركيا لم تكن على وشك شن حربٍ ضد الولايات المتحدة لو أن ترامب رفض الانسحاب من سوريا.

وقد انتقد قادة عسكريين أمريكيين سابقين تخلي الولايات المتحدة عن قوات سوريا الديمقراطية، بمن فيهم وزير الدفاع السابق جيمس ماتيز والقائد السابق للقيادة المركزية للقوات المسلحة جوزيف فوتيلو القائد السابق لشركة سوكوم الجنرال وليام مكرافن، باعتباره تصرف مضر بقدرة أميركا من حيث الاستفادة من الشركاء في المستقبل. ولا بد من الحاجة للقوات البرية لتأمين الأراضي. فقد خسرت قوات سوريا الديمقراطية أحد عشر ألف مقاتل وما يزيد عن ثلاثين ألف جريح كانوا يعملون كمشاة في الحملة المشتركة ضد تنظيم داعش. وربما تؤدي نقل السيطرة في شمال وشمال شرق سوريا من قوات سوريا الديمقراطية إلى نظام الأسد وبوتين إلى قمع داعش، لكنها سوف تعزز من وجود حزب الله، كما أنها سوف تعزز استحكام إيران وتزيد من احتمالية نشوب نزاع إقليمي كبير. فالاتفاق على مكافحة الإرهاب مع الراعي الرسمي للإرهاب في العالم أمر غير حكيم.

أما داخلياً، فقد أدين الانسحاب الأميركي من قبل غالبية الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس، ومن قبل عدد كبير من الناخبين بمن فيهم مؤيدو ترامب الأوفياء. كذلك تم رفض القرار من قبل قادة قاعدة ترامب الإنجيلية. كما لم يطالب الجنود الأمريكيين الذين خدموا مع قوات سوريا الديمقراطية ولا عائلاتهم بالانسحاب من سوريا. وقد أبدى الكثير منهم الحزن والخزي فيما اعتبروه خيانةً شنيعة.

من جهة أخرى، لم يكن الوجود العسكري في سوريا يتسبب بخسائر كبيرة في صفوف القوات الأميركية أو حتى في نفقات مالية كبيرة. فلم يكن الوضع كما كان عليه في أفغانستان، حيث لم تتعرض القوات الأميركية للهجمات كما كان عليه الحال في تلك البلاد.

الشرف والمصالح أكثر أهمية بالنسبة للناخبين الأمريكيين من الانعزالية. فلو تبنت إدارة ترامب نوع السياسة الخارجية التي اعتنقها راند باول، لكان ترامب قد تلقى الدعم والتأييد بشكلٍ مباشر.
وتختم الجيروزاليم بوست مقالها بالإشارة إلى أن ترامب قد أضر بالصورة الأميركية ومصداقيتها مع الشركاء وقدرتها على الاستفادة من سمعة تشديدها على الضغط على إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا من خلال قرار سحب قواته من سوريا بعد مكالمةٍ هاتفية مع أردوغان. حيث لم تكسب الولايات المتحدة أي شيء على المستوى الدولي، كما لم يستفد ترامب على المستوى المحلي. ومن الصعب جداً إيجاد أي فائدة تذكر يوفرها هذا القرار.

وتشير العملية الأخيرة لقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، وقرار الإدارة الأميركية بالإبقاء على قواتها في سوريا لحماية حقول النفط “ظاهرياً” من استغلالها من قبل داعش، إلى أن الإدارة الأميركية أدركت أهمية الحفاظ على قدراتها التشغيلية في الوقت الحالي في سوريا. ومع ذلك، فإن هذا الإجراء لا يصلح الأضرار التي تسبب بها قرار الانسحاب، كما أنه ليس بمثابة سلوان لمقاتلي قوات سوريا الديمقراطية الذين كانوا يستحقون ما هو أفضل من التخلي عنهم بهذا الشكل القاسي.

ترجمة: “الحل نت”
الصورة إنترنت


التعليقات