بغداد 29°C
دمشق 25°C
الإثنين 21 سبتمبر 2020

الحائز على جائزة (كتارا) للرواية في حوارٍ مع الحل: تساوت كفتا الحياة والموت في رواياتي


«أظن أن رسالتي كروائي هي صنع مؤثر فاعل في الحياة والثقافة وبناء الإنسان والمساهمة في خلق الجمال، وهذا المؤثر يأتي من الصناعة السردية المعول عليها إعادة خلق الوقائع والشخوص والمدن بخطاب يتسلل الى المتلقي ويحثه على المتعة والمشاركة والتفاعل والخلق. هذا ما أردت قوله في كل رواياتي وأظنني نجحت».

————————————-

حوار خاص- الحل العراق                  

يكتب الروائي العراقي “عبد الكريم العبيدي” أدباً عالياً بعباراتٍ بسيطة وشعبية لافتة، ويكتب بفمٍ محترف، فهو الضائع في حفر الباطن، ومن بطون البصرة التي لا تنفك عنه ولا ينفك عنها، والسائر بين (الذباب والزمرّد) التي دوّن عبرها ما حصل من أزمات سبّبها الحصار الاقتصادي الذي ضرب #العراق في تسعينيات القرن الماضي، وما انتهت هذه الحقبة، حتى أعلن صدور كتابه (كم أكره القرن العشرين) وهي رواية كبيرة، تحدَّث فيها عن الهاربين من الجيش ورجال الانضباط العسكري.

الروائي العراقي عبد الكريم العبيدي

وهو صحافي أيضاً وعمل مراسلاً لصالح اذاعة “بي بي سي”، لأن الصحافة قريبة، بالنسبة للعبيدي، من عالم السرد، رغم أنها استنزاف، بحسبه أيضاً. “الحل العراق” أجرى، حواراً معه، للحديث عن بلاده التي يحبها والقرن العشرين الذي يكرهه ومحاور أدبية ثقافية أخرى.

الحل ـ نبدأ من الحدث الأخير.. فزت بجائزة كتارا، حدثنا عن هذه المناسبة، ومضمون العمل الفائز؟

العبيدي: كتارا هي جائزة سنوية أطلقتها المؤسسة العامة للحي الثقافي – كتارا في بداية عام 2014، وتقوم المؤسسة بإدارتها وتوفير الدعم والمساندة والإشراف عليها بصورة كاملة من خلال لجنة لإدارة هذه الجائزة التي أعتقد أنها جائزة عربية وعالمية كبيرة، ولها حضورها الثقافي، وقد أسهمت في تفعيل أفق الرواية العربية.

مؤخراً، صدرت عن هذه المؤسسة روايتي “اللحية الأمريكية.. معزوفة سقوط بغداد” بنسختيها العربية والانكليزية، كونها الرواية الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية 2018، وأقامت المؤسسة حفل توقيع للرواية بمناسبة صدورها في العاصمة القطرية الدوحة، ومن المنتظر قريباً صدور الرواية باللغة الفرنسية وبنسخة “صوتية”، وقد أهديت هذه الرواية، في كل الحوارات التي أجريت معي فور صدورها في الدوحة الى أرواح الشهداء الطاهرة، من ثوار ثورة (25 أكتوبر) العظيمة، وهو اسهام متواضع جداً أمام عِظَم ما جادوا به لعراقهم وهم يواجهون بصدور عارية وبالعلم العراقي لا غير الرصاص الحي والقنابل المسيلة “للدماء” التي أطلقتها القوات الأمنية باتجاه رؤسهم!

أما عن روايتي الفائزة “اللحية الأمريكية”، وهي الرواية الرابعة لي، فتدور أحداثها خلال الأعوام العصيبة من 2003 الى منتصف 2007 وهي أخطر مرحلة من مراحل الاحتلال الأمريكي للعراق، دخل فيها الشعب العراقي في صراعات اثنية وعرقية صنعت أزمات حادة مصاحبة لأعمال عنف وتهجير وعمليات قتل جماعي وتشريد وتفجيرات استهدفت أشخاصاً وتجمعات سكنية أو مدنية عامة بهدف الانتقام أو التصفية الطائفية بناءً على أيدولوجيات ونزعات متعصبة.

وتمضي أحداث الرواية الى الكشف عن فصول جرائم الاحتلال الأمريكي والجماعات الارهابية، والوقوف على حجم تأثيرها المباشر وغير المباشر على حياة الأهالي، والمساهمة في كشف هوية الفاعلين على اختلاف أصنافهم.

الروائي العراقي عبد الكريم العبيدي

كما وتحاول الرواية رسم صورة جلية عمّا حصل في “العراق” من توترات حادة وصراعات وعمليات تهجير وقتل يومية، وشيوع مشاعر الاغتراب والنفور والشك والحذر والانتقام بين مختلف أفراد وتجمعات القوميات والطوائف.

الحل- تكتب بطريقة شعرية؟ هل يتعارض هذا الأمر مع الواقعية المفرطة في أعمالك الروائية؟

العبيدي: لا أرى أي تعارض، بل على العكس، أرى أن الشعر يكسو مرارة الواقع وبشاعته بألحانه ونغماته العديدة، وشخصياً أصنع الحدث من داخل الواقع وأنتج منه صوراً سردية جديدة محبوكة بوحدات نصية ومنقوعة بالخيال، ومفعمة باللمسة الشعرية التي تشتهيها الذائقة الجمعية، ولطالما عشت محنة خلق الأزمات المحزنة بقوالب مرحة “تزيد” من وقع مرارتها من جهة وتجعل المتلقي يتفاعل معها بمزاج رائق من جهة أخرى، وأحسب أن أمراً كهذا يحتاج الى مهارات كبيرة، والى قدرة سردية غير عادية في الخلق والابتكار.

الحل- لماذا تكره القرن العشرين؟

العبيدي: لست أنا الوحيد الذي يكره بشاعة هذا القرن وما حصل فيه من حربين عالميتين، ونكبات ووقائع وحروب أخرى كثيرة.

لقد تساءل أبطال هذه الرواية بالذات (كم أكره القرن العشرين)، وكما في رواياتي الأخرى، وهم ضحايا ويلات هذا القرن القادمين بلا عزاء من شراهة نيران المعارك: لماذا تلفُظُنا البيوت والأحياء والشوارع؟ تتركنا منبوذين مشردين في البارات والمقاهي، نبحث عن علبة سردين تأوينا، حفرة بحجم هذا الملجأ البخيل الذي لم يستضيفنا. أترى نعست مدن الحروب وضيعتنا”؟

يبدو لي أن كفتي الحياة والموت قد تساوت في أعماق أبطال رواياتي، وحين تتساوى كفتا الحياة والموت، لم يعد هناك شيء يستحق التقديس.

وفي موطن آخر، يسأل أحد شخوص روايتي “كم أكره القرن العشرين – معلقة بلوشي” نفسه قائلاً:”هل تسمع تصدعاً غريباً في أعماقك؟ انفصال غامض، كأنك تشهد طريقة للتوالد اللاجنسي، كأَّنك كائن وحيد الخلية ينشطر إلى جزئيين. يشهد عملية انفصال في منطقة رخوة من روحه. ستتحول بعد حين من كائن إلى كائنين، من “شمروخ” إلى “شمروخين”، من هارب إلى هاربين، وقد يصاحب كل ذلك تولد حالات هائلة من الهلوسة والوهم، ومن الـ….. فصام!

الحل- هل تصنف نفسك من أدباء “أدب الاحتجاج”؟ فقد تبيَّن لنا الثورية العالية في خطابك، وكان واضحاً في حفر الباطن.

العبيدي: أنا أشتغل في المنطقة القلقة والطارئة في تاريخ العراق الحديث، وفي تاريخ أدبه أيضاً، وقد يرى البعض أن رواية “ضياع في حفر الباطن” بالذات، وهي الرواية الأولى التي صدرت لي، قد غدا المزج بيني وبينها، أي بيني وبين “ضياعي” ممكناً نوعاً ما.

شخصياً أرى أن الكشف المبكر وما يرافقه من احتجاج وضياع ناتج عن فقدان الرؤية السياسية هو لصيق أجيال عراقية وليس حالة خاصة بي، فما نتج عن غياب تلك الرؤية شمل العديد من العراقيين، بل أن هناك مواليد ربما باتت مهددة بالانقراض بسبب الحروب والانتفاضات والحصار والاعدامات والهجرة، وهو ما أشارت له روايتي بوضوح، وهذا المشكل ما زال قائماً في العراق.

يبدو لي أن أقسى أنواع الضياع في العراق هو ذلك المقرون بهزائم، هزائم سابقة وآنية ولاحقة حتما! وهذا هو ما يجعل التدافع الفكري والسايكولجي يضطرب بقوة، وينذر بشؤم، إذا ما أدركنا أن الرواية باتت تروي ما عجز عنه التاريخ، إن لم أقل فشل، فمن الواضح أن هذا الناتج المهم يرتبط بماهية التحديات النظرية والعملية بين الرواية والتاريخ، بين اشتغالهما بالوقائع الهامشية والشذرات والمخلوقات الهامشية الحياتية غير المعنية بصناعة التحولات الكبرى، والتحولات السياسية والعسكرية والانقلابية، بين القامع السلطوي والمقموع المهمش، بين سيّر الملوك الغازين وبين هذا الناتج الاجتماعي المسحوق والضائع والمهزوم دائماً.

ربما أحد مسميات خطاب رواية ضياع في حفر الباطن أو غيرها من رواياتي يشمل موضوعة الاحتجاج بمعناه الضدي لخطاب النظام الشمولي الدكتاتوري الذي تسبب بضياع الوطن والشعب والثروات والأمل، وأورث الهزيمة والتفكك والإرهاب والنهب، ولكنها كرواية أجدها تؤسس للتغيير في خطاب الرواية العراقية الجديدة كونها اتسمت بالقلق والتمرد والوعي الحاد بالواقع السياسي والتاريخي والهجاء الذاتي والتهكم الاجتماعي من جدل العلاقة التاريخية والاجتماعية والسياسية بين التابع والمتبوع، لقد جاءت مغايرة في طرحها، وهو ما لفت انتباه القارئ لها، سواء الحرفي المتمكن أو العادي.

الحل- كُتّاب الرواية العراقية الجدد، كيف تراهم؟ وهل لديك ملاحظات على النشاطات الثقافية الحالية؟

العبيدي: ملامح الرواية العراقية الجديدة ومستقبلها تشير الى زلزال التاسع من أبريل/ نيسان عام 2003، فهذا أمر حسن يتعلق بحصول تحول مفصلي في تاريخ الرواية العراقية، وهو تصور قد يبدو جاداً في تقسيم قصة تحولها بين عهدين، وينظر إليها منذ مطلع العهد الثاني كنوع جديد يتقبل شروط الرواية الجديدة ويخضع لروافد الابداع.

ولقد شاكست الرواية العراقية الشعر اذن في بلد الشعر، وحصلت الثورة السردية العراقية أخيراً، وظهر جيل جديد من الروائيين يتعاطى مع خصائص الواقع العراقي بخطاب ذاتي جديد، حتى بات يُنظر إلى العراق عربيا كبلد الانتاج الروائي الأول، وأن عام 2017 هو عام الرواية العراقية بامتياز.

وقد تبدو الرواية العراقية الآن من أكثر الأجناس الأدبية التي أدركت التغيير وكسرت غالبية التابوهات وغدت الأقدر على تمثيل الواقع والأكثر انفتاحا على العلوم الأخرى وتوظيفها في صناعة السرد، لكنها وجدت نفسها منذ وقت مبكر من “قصة تحولها الثاني” ازاء حقل تاريخي مرير غير محروث ويحتاج الى خلع أثواب تشوهاته التي ارتداها عنوة ليكشف عن حقائقه المؤلمة التي ظلت قابعة في “مجمدات التغييب” على مدى عقود، ما جعل الرواية نهمة في اعادة صلتها بالتاريخ، وتباشر بقراءته وتشريحه وفضح خباياه ودحر قراءاته التعبوية السابقة.

لكن المؤلم والغريب، أن الرواية العراقية لم تنته بعد من اعادة صلتها “الحقيقية” بالتأريخ حتى وجد الروائيون أنفسهم ازاء أحداث ووقائع مهولة تمثلت بقضية الاحتلال الأمريكي وجرائمه، وما أحدثه من انقسامات اجتماعية وسياسية ومذهبية، وولادة فتنة كبرى أدت الى انتشار العنف والتهجير الطائفي والهجرة وولادة مهيمنات اجتماعية جديدة فرضها الوضع السياسي الجديدة بمباركة البيت الأبيض والمحور الاقليمي وأنتجت تبعات نفسية واجتماعية كارثية ستدور الرواية العراقية في فلكها الى أجل غير معلوم.

الحل- ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

العبيدي: حالياً أنتظر صدور روايتي الجديدة “قوانة – قصة عرش العراق” المؤمل صدورها قريباً عن احدى دور النشر في دبي. وكذلك أواصل كتابة رواية أخرى، ربما سأفرغ من كتابتها خلال مطلع العام القادم.

حاوره- محمد الباسم


 


التعليقات