بغداد 31°C
دمشق 27°C
الإثنين 28 سبتمبر 2020

بعد البغدادي.. هل يسعى “داعش” للعودة إلى صفوف القاعدة؟


نشرت صحيفة “ذا ميدل إيست آي” الإلكترونية والتي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، تقريراً تناولت فيه مستقبل مقاتلي تنظيم “داعش” بعد مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي. حيث تحدث الانقسامات والانشقاقات في صفوف الفصائل المقاتلة في إدلب، في الوقت الذي كان من الصعب التفريق بينهم، إلا أن الخطوط الفاصلة بين الفصائل أصبحت اليوم أكثر وضوحاً. فمقتل أبو بكر البغدادي وتعيين خليفةٍ له غير معروف يمكن أن يؤدي بالبعض من مقاتلي التنظيم الفارّين بالسعي إلى العودة إلى صفوف الفصائل المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ويبين التقرير بأن البغدادي، الذي قتل الشهر الماضي بغارةٍ جوية نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في قرية بريشة الواقعة في ريف محافظة إدلب والقريبة من الحدود التركية، كان مختبئاً بحماية واضحة من تلك الفصائل المتشددة. وبحسب تقارير متواترة، فإن المبنى الذي قضى البغدادي فيه أشهره الأخيرة كانت تعود ملكيته إلى مهرّب بشر على علاقة بمنظمة “حراس الدين” التي تزعم ولائها لتنظيم القاعدة. كما أفادت تقارير أخرى بأن العديد من مقاتلي تنظيم “حراس الدين” قد قتلوا أيضاً خلال العملية، إلا أن قائد العملية أخبر الصحفيين بأنهم لم يكونوا واثقين من أن البغدادي كان متواجدا في المكان.

وبالرغم من الكراهية والاختلافات الإيديولوجية، إلا أن تنظيم “داعش” كان قد حافظ على بعض الاتصالات مع تنظيم “حراس الدين”. فبحسب إيصالات حصلت عليها صحيفة النيويورك تايمز في العام 2018 من الأراضي التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة تنظيم داعش، فإنها تبين بأن مسؤولين في التنظيم قد دفعوا 67 ألف دولار على الأقل لأعضاء في تنظيم “حراس الدين”. ويبين أحد الإيصالات بأن تنظيم حراس الدين متورط في تجهيز قاعدة للمقاتلين الفارين من منطقة شرق دير الزور، الأمر الذي يثير تكهنات بأن التنظيم قد تعرض للاختراق من قبل تنظيم داعش. ولكن وبحسب “سام هيلر”، خبير في التنظيمات الجهادية الإسلامية في مجموعة الأزمات الدولية، فإنه لا تزال هناك شكوك حول صحة تلك الإيصالات وأهميتها. وقد استشهد هيلر بتحليل نشره الباحث السوري “أيمن التميمي”، والذي نقلت عنه صحيفة “نيويورك تايمز”، حيث سلّط الأخير الضوء على بيان أرسله تنظيم “حراس الدين” لجميع أعضائه في شهر شباط من العام 2019 يحذرهم فيه من التواصل أو الانضمام إلى تنظيم “داعش”. وأوضح التميمي أن معظم الوثائق التي حصلت عليها “نيويورك تايمز” تبدو مزيفة.

وفي حديثٍ لـ “ذا ميدل إيست آي” مع “هيلر” الذي يقيم في لبنان، يقول هذا الأخير: “هناك اختلافات إيديولوجية بين كل من تنظيم داعش وتنظيم حراس الدين، لكن ليس لهذا الاختلاف أهمية كبيرة”. ويضيف: “هذه التنظيمات لا تعتبر كيانات متماسكة. فقد تكونت تلك التنظيمات بمعظمها من سكان محليين، لذا من المحتمل أن يكونوا هؤلاء المقاتلين أقرباء أو أصدقاء تربطهم علاقات محلية بغض النظر عن الأفكار التي يتبناها التنظيم الذي ينتمون إليه. وإدلب تتضمن نسبة كبيرة من النازحين السوريين بالإضافة إلى المقاتلين الأجانب من الخارج والذين لا يتمتعون بروابط قوية مع السكان المحليين، لذا هناك العديد من الناس الذين ارتبطوا بالمنظمات الإسلامية شكلياً”.
ويوضح التقرير بأنه لم يصدر أي من تنظيم “حراس الدين” ولا هيئة تحرير الشام، اللذان يسيطران على معظم محافظة إدلب ويضمان عناصر كانت سابقاً موالية لتنظيم القاعدة، أي بيان رسمي أو تعليق بشأن مقتل البغدادي.

هكذا تم طرد تنظيم داعش من إدلب
المجموعات المرتبطة بتنظيم “داعش” وتنظيم القاعدة في تنافسٍ دائم على ولاءات المقاتلين المتشددين في سوريا منذ أن تخلّ تنظيم القاعدة رسمياً عن البغدادي وتنظيمه في مطلع العام 2014 بعد الخلافات والقتال بين تنظيم “داعش” العدواني والمتوسع آنذاك وجبهة “النُصرة”. وفي ذلك الوقت، كانت جبهة النصرة فرع لتنظيم القاعدة في سوريا. لكن النصرة حاربوا أيضاً إلى جانب الجيش السوري الحر والتنظيمات الأخرى المقاتلة تحت راية تحالف “جيش الفتح” ضد قوات النظام السوري، الأمر الذي اكسبهم شعبيةً كبيرة. وبعد اقتتال عنيف، انسحب الجيش السوري الحر و”أحرار الشام”، وهي تنظيمات إسلامية أخرى ثائرة والتي انضمت لاحقاً لـ جيش الفتح، من مدينة الرقة الواقعة في شرق سوريا لصالح تنظيم داعش الذي انسحب بالمقابل من قرى إدلب. ومع ذلك، حاولت مجموعة مقاتلة تُعرف باسم جند الأقصى فتح طريق أمام مقاتلي تنظيم داعش المحاصرين في رهجان، الواقعة شرقي مدينة حماه، للوصول إلى شرق محافظة إدلب. حيث وقعت اشتباكات دامية بين مقاتلي “جند الأقصى” و”أحرار الشام”.
وفي سلسلةً تالية من عمليات إعادة تنظيم الصفوف، تخلت جبهة النُصرة عن ارتباطها الرسمي بتنظيم القاعدة وأطلقت على نفسها اسم جبهة “فتح الشام” بدلاً من “جبهة النصرة”، والتي أصبحت فيما بعد القوة الرئيسية ضمن هيئة “تحرير الشام”، التحالف الأوسع للمقاتلين والذي يسيطر في الوقت الحالي على معظم إدلب. إلا أن جهود النصرة في ظل زعيمها السوري “أبو محمد الجولاني” للتخلي عن القاعدة لم تُقبل من قبل جميع المقاتلين في صفوفها، لاسيما العديد من المقاتلين الأجانب. فانفصل البعض من هؤلاء في العام 2017 ليشكلوا تنظيم “حراس الدين”. وقد واصلت هيئة “تحرير الشام” حملتها ضد جند الأقصى بسبب مخاوفها من احتواء الأخير خلايا يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “داعش”، الأمر الذي أدى إلى تعرض البعض من قادتها للاعتقال وانهيار معقلهم في بلدة سرمين.

دور الوساطة
حتى الآن، يتجنب تنظيم “حراس الدين” أي خلافات مؤذية بنفس الطريقة مع هيئة “تحرير الشام”، ويعود الفضل بذلك جزئياً إلى كون البعض من قادتها مشرعين سابقين في “هيئة تحرير الشام” بالإضافة إلى بقاء روابط الأخوة والود بين المقاتلين من كلا الجانبين. إلا أن تنظيم حراس الدين عمل أيضاً كوسيط بين هيئة “تحرير الشام” والتنظيمات المتشددة الأخرى، كما عملت جنباً إلى جنب مع العناصر السابقة لـ “جند الأقصى” الذين تجمعوا مجدداً تحت اسم “أنصار التوحيد”. حيث يقود اليوم كل من مقاتلي تنظيم “حراس الدين” وأنصار التوحيد غرفة عمليات مهمتها التصدي للهجمات التي تشنها قوات النظام السوري وحلفائه على الخطوط الأمامية جنوبي حلب وشمال محافظة اللاذقية.

ويشير التقرير إلى أنه يُنظر إلى تنظيم “حراس الدين” على أنه يفتقر للقادة المؤثرين والمحترمين لمجاراة أولئك المتواجدين ضمن صفوف هيئة “تحرير الشام” والذين سوف يكونون قادرين على كسب ولاء المقاتلين القادمين من خارج إدلب، سواء كانوا سوريين أم أجانب. وكمثال عن تلك الشخصيات رجل الدين السعودي الشهير “عبد الله المحيسني”، والذي سبق له أن عمل قاضياً شرعياً لصالح تحالف “جيش الفتح” إلا أنه انشق عن هيئة “تحرير الشام” في أواخر العام 2017.
“ليلة مقتل البغدادي هي ليلة عظيمة في تاريخ المسلمين. لقد قاد البغدادي السنة من المسلمين إلى طريق الضلالة مستغلاً عواطفهم نحو أمجاد الإسلام”، يقول “المحيسني”. ويضيف: “بعد البغدادي، سوف يأتي آخرون سوف يريقون دماء المسلمين تحت أفكار خبيثة. أتمنى لو أن المسلمين السنة كانوا من قتل البغدادي”.

العودة إلى صفوف تنظيم القاعدة؟
ومع ذلك، فإن تعيين مقاتل غير معروف يدعى “أبو إبراهيم الهاشمي القُريشي” من قبل وكالة أنباء تنظيم “داعش”، “أعماق” كخليفة للبغدادي قد أدى إلى تخمينات بأن بعض من الموالين لتنظيم “داعش” الذين وصلوا إلى إدلب قد يفضلون تحويل ولائهم إلى تنظيم “حراس الدين”. ومثل هذه الخطوة تعني عملياً عودة أعداد كبيرة إلى صفوف تنظيم القاعدة ومن المحتمل أن تتطلب موافقة زعيم التنظيم “أيمن الظواهري”، الذي لم يصدر أي تعليق علني بعد مقتل البغدادي.

“في هذه المرحلة، قد نرى عودة بعض الأفراد فقط إلى تنظيم القاعدة”، يقول “سمير نشار”، زعيم معارض سوري مقيم في تركيا للصحيفة. يضيفف قائلاً: “إن المجموعات الإسلامية المتطرفة لا تعرف الوحدة أو التكامل، فتاريخهم مليء بالانشقاقات التي تزيد من خطر التجذر والتطرف في مجموعات جديدة”. وأوضح نشار بأن التنظيمات الجهادية الإسلامية المتشددة سوف تواصل ازدهارها في إدلب وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط طالما بإمكانهم مواصلة الإدعاء بأنهم يدافعون عن المسلمين السنة المتأثرين بالصراعات في المنطقة. حيث قال: “المجموعات الجهادية تدعي أنها تدافع عن المسلمين السنة المضطهدين. إلا أن الأنظمة الاستبدادية تجني منافع كبيرة من هذا، وذلك من خلال حصولهم على دعم المجمع الدولي. ومن ناحية أخرى، تستخدم بعض الدول هؤلاء الجهاديين لتحقيق غاياتهم السياسية الخاصة”.

المعقل الأخير
بعيداً عن أية عمليات إعادة ترتيب الصفوف قصيرة الأمد والتي جاءت كنتيجة لمقتل البغدادي، يقول النشار أنه يعتقد أن كلا من المتشددين المرتبطين بتنظيم “داعش”، والذين يعيدون تنظيم صفوفهم في إدلب، والمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة سوف يواجهون في النهاية الخيار ذاته الذي واجهه هؤلاء الذين اتخذوا موقفاً نهائياً في وقتٍ سابق من هذا العام في قرية الباغوز الواقعة على ضفاف نهر الفرات في شمال شرق سوريا. فإدلب اليوم تشكل المعقل الأخير الواقع خارج سيطرة النظام في سوريا. وبالإضافة إلى استمرار الغارات الجوية والاعتداءات البرية التي تنفذها قوات النظام السوري وحليفتها روسيا، فقد وجد تنظيم حراس الدين وأنصار التوحيد أنفسهم أيضاً في مواجهة التحالف المناهض لتنظيم داعش والذي تقوده الولايات المتحدة. فقد أدت غارة جوية نفذتها قوات التحالف في إدلب في شهر آب الماضي إلى مقتل ما لا يقل عن أربعين مقاتلاً ينتمون إلى تنظيم حراس الدين وغيرها من التنظيمات بما في ذلك أنصار التوحيد. كما قتل ثمانية مقاتلين من صفوف تنظيم حراس الدين، بينهم ستة قادة، في هجوم صاروخي شنته قوات التحالف أيضاً في شهر حزيران الماضي.
وفي شهر أيلول، عرضت وزارة الخارجية الأمريكية مكافأة قدرها خمسة عشر مليون دولار لقاء توفير معلومات تؤدي إلى الوصول إلى موقع ثلاثة من كبار قادة تنظيم “حراس الدين” وهم: “فاروق السوري وأبو عبد الكريم المصري وسامي العريضي”.
“مصير المقاتلين الأجانب في إدلب لن يكون مختلفاً عن مصير المقاتلين في الباغوز. حيث سيقاتلون حتى النهاية أو سوف يقعون في الأسر، باستثناء عدد قليل ممن يتمكنون من التسلل إلى البلدان المجاورة عبر الحدود”، يختتم نشار حديثه للصحيفة.


التعليقات