بغداد 32°C
دمشق 24°C
الخميس 24 سبتمبر 2020

في التحرير.. جريدَةٌ وإذاعَةٌ ومكتبَة.. لـ «التُكتُك» حكاية وراء كُل مشروع


علي الكرملي

في كل يوم من تظاهرات تشرين، تبصر فكرة جديدَة، كل يوم يمر يحمل في طياته الجديد الذي لا يدع للروتين أن يطغى على مسار #الاحتجاجات، وكأنَّما التحرير أضحَت حياةٌ مُتكاملة بحد ذاتها.

بعد المُستشفيات المتنقّلَة، بعدَ رسومات نفق التحرير، وبعدَ تجهيز المبيت، بعد إعادة الحياة للمطعم التركي، بعدَ توفير المأكل والمشرَب، بعدَ الموسيقى والأغاني، ظهرَت للعَيان صحيفَةٌ حمَلَت اسم ”تُكتُك“.

”أحمد الشيخ ماجد“ أحدُ المُساهمين في الجريدة

”تُكتُك“، هي أول مطبوع ورقي يصدر من المحتجين وللمُحتجين على امتداد #انتفاضات_العراق الحديث، واسمُها جاءَ تخليداً لأيقونة انتفاضة تشرين الثانية، تلكَ العربَة التي يقودُها الكادحون، الذين ضَحُّوا بالمال والنفس لأجل الوطن.

لسنا مع الحياد.. الحياد أُكذوبَة

«أربعةُ أشخاص، صُحافيّين، مُحتجّين في إحدى خيم الاعتصام، قَرَّروا إصدار جريدَة تُعنى بالتظاهرات، في صباح اليوم التالي صدرَ العدَد الأول، هكذا، ودون مقدّمات، هذا ما حدَث»، يقول ”أحمد الشيخ ماجد“، أحدُ المُساهمين في الجريدة لـ ”الحل العراق“.

”تُكتُك“، تصدر بثمانِ صفحات، صدرَ عنها إلى اليوم /4 أعداد/، تُوَزّعُ في الرقعة الجغرافية المحصورة في #ساحة_التحرير فقط، ولا تتعدّاها، تصدر بـ /3 آلاف/ نسخة عند كل عدَد، يتم طبعها من جَيب المساهمين والمشرفين عليها، بمجهوداتهم الشخصية.

«تهدف إلى الرد على من يتهم الاحتجاجات بالفوضى، وكذا تطرح التضامُن بين العراقيين، بل وتنشر التضامن العربي والغربي مع العراقيين أيضاً، نشرَت مقالاً للشاعر (الفلسطيني – السوري) ”رائد وحش“ والسوري ”دلير يوسف“ وغيرهما الكثير»، يِضيف الشيخ.

الجريدة التي أسسها عدد من الشباب في ساحة التحرير

الإقبال على الصحيفة غير طبيعي، لدرجة أن العدد الأخير الذي صدر الأربعاء /١٣ أكتوبر/ وهو العدد الرابع، نفذَ إبّان ساعات ثلاث، والمتظاهرون عاتبوا القائمين على قلَّة نسخها، ممّا جعلَ القائمين عليها يفكّرون جدياً في زيادة عدد نسخها.

«نحنُ كَصُحَفيين، نقول بشكل صريح، نحنُ لسنا مُحايدين في هذه الانتفاضة، نحن مع حقوق المحتجين، الحياد هي كذبة وقِحَة في هذا الوقت، نحنُ وطَنييّن قبل أن نكون صُحفيين، ونطمح لبناء دولة ديمقراطية حديثة بعيدة عن الطوائف»، تلك هي رسالة الجريدة، وفق الشيخ.

الإِخبارُ والتَرفيهُ في آن

يبدو أن تسمية  ”أيقونة التحرير“ التي أُطلِقَت على ”التُكتُك“، لم تأتِ اعتباطاً أو من عبَث، فهي فعلاً ”أيقونة“ بِحَقٍّ وحَقيقَة؛ لأن كل فكرة جديدَة، خلف انطلاقها تقفُ ”التُكتُك“، والإذاعَة كذلك، إذ وراء قصّة إنشائها، ”التُكتُك“ أيضاً.

 «سائقُ تُكتُكٍ يبدو أنَّهُ مُتَعَلِّم، لاحظتهُ وهو يبحث عن الأخبار في الراديو، منهُ ولهُ راودتني فكرة إنشاء الإذاعة، أطلقتُ النداء عبر ”فيسبوك“ في الـ /٧/ مساءً، وعند الـ /١١/  ليلاً اكتملَت مُعِدّاتُها»، يقول ”علي سعدي“، مُؤَسّسُ الإذاعَة لـ ”الحل العراق“.

حملَت الإذاعة اسم ”صوت التحرير“؛ لأن مركز بثها ساحة التحرير نفسها، وكل الأخبار التي تُذيعها هي من قلب التحرير؛ عبر مُراسلين مُوزّعين على أديمها حصراً، لذلك فإن الأخبار تعتمد منهم، لا من مواقع أو وكالات، وهي تتوفر على /4/ مُذيعين فقط.

”علي سعدي“، مُؤَسّسُ الإذاعَة

في الصباح برنامجين توعويَّين، في الظهيرة والعصر مواجيز ونشرات إخبارية وفواصل وطنية، النشرة الرئيسة في الثامنة، وبعدها يحين وقت الترفيه عبر برامج شعرية، كل ليلة يتم استضافة /4/ شُعراء؛ لكسر الرتابة ولإضفاء الراحة للمحتج المرهق طوال النهار.

«تهدف الإذاعة إلى تزويد المتظاهر بآخر المستجدات؛ لأنها أُنشِئَت نتيجة القطيعة التامة بين المحطات الإعلامية والمحتجين، فأَرِدناها همزة وصل نوصلُ لهم كل ما يجري، وكذا الحال توعيتهم بحقوقهم»، يُبيّن السَعدي.

«الأهم من كل ذلك، أن الإذاعة ترمو إلى مُحاربة الشائعات المنتشرة بشكل غير طبيعي في التحرير؛ لعدم وجود رأس وقيادة، وصَداها بين المحتجين لافتٌ جداً، وكلمتها مسموعة، كلّما تُطلق نداء أو مُبادرة بتم الاستجابة لها إبّان ساعة»، يُشيرُ سعدي.

وسَطٌ مُثقّفٌ لا فارغ

نرجعُ للـ ”تُكتُك“ مُجَدداً، ثمَّة شابٌ يقود هذه العربَة الصغيرة في الانتفاضة، ذلك الشاب، يجلسُ ساعة ونصف الساعة في #المطعم_التركي كل نهار، وبين يديه كتابٌ يقرأه، أنهى كِتابَيْن، لفتَ انتباه الشباب، راحوا يبحثون عن روايات وكتب لقرائتها، وانطلقَت الفكرة، له يرجع الفضل أولاً وأخيراً.

بعدَ تزايد عدد الطلبات على الكتب والروايات من قبل المحتجين، قامَت ”مؤسسة المدى للثقافة والإعلام والفنون“ بإنشاء مكتبةٍ في ”عرين الأحرار/ جبل أحد“، سَمّتها ”مكتبة شهداء التحرير“، ووظَّفَت مجموعة متطوعين ومتطوعات للإشراف عليها.

جزء من المكتبة التي أسسها المتظاهرون في المطعم التركي

«لماذا المطعم التُركي؛ لأن أغلب الشباب دائم الحضور فيه، على عكس من في الساحات، ولأن من في المطعم يباتون فيه لحماية الآخرين، لا يتركونه، ولأنهم مثقفون أيضاً، فأقمناها عندهم، لا في أماكن أُخرى»، سارَة قاسم، مُتطوعة في مكتبة المدى، تقول.

«أغلَب الموجودين في المطعم، يملُّون من طوال الوقت، لذلك يقضونه في القراءة نهاراً وسطَ الساحات وتحت الجسور، وفي الليل أيضاً»، تُضيف سارة لـ ”الحل العراق“، وتُوضحّ، أن «رسالة المكتبة أن التظاهرات سلمية، وانطلقَت من وسَطٍ مُثقَّف، لا فارغ لا يعرف ما يُريد».

وتبقى غايَةُ المكتبَة ورسالتها الأهم، أن تُبيّن للإعلام الغربي عبر موفديه إلى التظاهرات، مَدى وعي وثقافة ومعرفة الشاب العراقي، الذي لا يتركُ كتابه، يقرأ ويُناضل الرصاص الحي والقنابل المُسيلة المحيطة به في آن.



التعليقات