بغداد 30°C
دمشق 23°C
الأحد 20 سبتمبر 2020

الصورة الذهنية لمرجعية النجف.. ما بعد الانتفاضة التشرينية ليست كما قبلها


علي الكرملي

تُعدّ المرجعية الدينية لدى (الشيعة)، بمثابة تابو مُقدّس لأتباع تلك الطائفة، يسيرون وينقادون وراءها من دون اعتراض. فهي بالنسبة لهم (الحَكَمُ) في كل شيء. ”إن قالَت المرجعية، فصَدِّقوها، فإن القول ما تقوله المرجعية“. هكذا هي عندهم باختصار.

مرجعية النجف التي أسّسها محمد الطوسي عام ١٠١١ م، لا يمكن لأحد أن ينكر دورها في الحياة السياسية العراقية منذ تأسيس الدولة، بل وحتى في وقت الدولة العثمانية، كانَ لها تاريخ نضال طويل، وهي من دعمَت تأسيس دولة عراقية تحت حكم أحد أبناء عائلة الشريف، وجيء بفيصل الأول ملكاً للعراق.

2003 هي المُنعطَف

لكن هذه المرجعية، التي وللمُفارقة لم يتولى سدّتها أيّما عراقيٌّ إلاّ مرّة واحدة حينما تولاّها (محسن الحكيم)، ورغم أن لها مواقفها السياسية وتجاذباتها مع السلطات الحاكمة على امتداد العراق الحديث، لم تُعرَف بقوّتها وهيمنتها على الشارع العراقي، كما عرفته بعد ٢٠٠٣، وهذا ما يؤكده الباحث السياسي سليم فؤاد.

الناشطة الحقوقية ”أنسام سلمان“

إذ يقول فؤاد لـ ”الحل العراق“، إن «المرجعية إنّما برزت بتلك الصورة غير المعتاد عليها ما قبل ٢٠٠٣، لأن من تولى زمام البلاد بعد ذلك التاريخ هُم الساسة الشيعة، والساسة هم منحدرون من تلك الطائفة التي تتّبع وتخضع للمرجعية بالصغيرة والكبيرة، الشاردة والواردة».

كل ذلك، جعل من خطبة يوم الجمعة منذ ٢٠٠٣ مرجع مهم وأساسي في اتخاذ القرارات المصيرية المهمة ظناً من الشارع أنها (أي المرجعية) أكثر حكمة وحنكة في تحديد مصيرهم، حَسبَ الناشطة الحقوقية ”أنسام سلمان“، والتي تُضيف بأن «ذلك جاء نتيجة اعتقاد سائد بأن المرجعية هي الأدرى بتحديد المصير الأنسب للبلد».

لا جُغرافيا تحدّهُ.. وصراعٌ أزَلي

عندَ الشيعة، العديد من المراجع، يتبعهم الناس، لكن هُنالك من يبرز على غيره، ومثال ذلك ”السيستاني“، الذي يتبعه الأغلبية، برغم وجود ”الفياض، النجفي، والحكيم“، وأمّا عن لماذا لا يمثل عرق المرجع عائقاً أمام الشيعة، فذلك يعود إلى أن المذهب عابر للحدود كما الدين، ولا يعترف بِجُغرافيا.

هذا فضلاً عن، أن المرجع يجيء وفقَ الأَعلَمِيّة (الأكثر علمية)، وهُنا يمكن توضيح لماذا أغلب مراجع الشيعة في العراق (وهُم العرَب) ليسوا من أصول عربية، ذلك لأن العراق ومنذ تأسيسه وإلى يومنا هذا مرّ ويمرّ بحروب وصراعات وملاحقات، لا يستثنى منها رجالات الدين.

السيد علي السيستاني المرجع الديني الأكبر للشيعة الإثنى عشرية في العالم

مما يتيح لرجالات الدين من غير العراقيين الذين يدرسون في حوزة النجف، الوقت في الدراسة الدينية، دونما أن يتعرّضوا إلى تهديدات ومخاطر كما نُظَرائهم من أهل العراق، هذا غير أنه من يستوطن أرضاً للدراسة الدينية والحوزوية، ويكون مرجعاً فيها، سيعتبرها موطناً له، لا موطنه الأصلي، كما حال ”السيستاني“ الإيراني الأصل.

للمرجعية في النجف صراعُها مع مرجعية أُخرى في إيران، وهي مرجعية قُم، الأخيرة تؤمن بـ ”ولاية الفقيه“، بمعنى أن يتولى الدين حكم الدولة، أما الأولى، فتنظر إلى إبعاد الدين عن الأمور السياسية، إلاّ ما عَدا الأمور التوجيهية والإرشادية.

لذلك يتخوّف الشيعة في العراق من خلافة السيستاني بعد رحيله لمن ستؤول، فطهران تسعى إلى أن تكون الخلافة لـ ”الحائري “ لأنه يؤمن بـ ”ولاية الفقيه“ ولهُ من الأحزاب السياسية التي تتبعه وتسعى لجعله مرجعاً في العراق بعد السيستاني.

سليم فؤاد الذي تحدّث أعلاه، يؤكد ذلك، بقوله، إن الصراع واضح للعيان بين المرجعيتين، «ففي سؤال صريح وُجّهَ للسيستاني منذ سنوات قلائل عمّا إن كان يتبنى دولة دينية أم لا، نفى ذلك و دعا للمدنية، على عكس الحائري، الذي حرّم انتخاب العلماني في ٢٠١٠ بعد فوز حزب إياد علاوي».

نفور الشيعة

على العموم، اليوم وفي هذه الانتفاضة الحالية التي تمر بها البلاد ضد السلطة الحاكمة، أغلبية المحتجين من الوسط والجنوب، بمعنى من الشيعة، وهؤلاء (الكثير) منهم يُعوّل على المرجعية في أن تقف وقفة حازمة وتقول قولتها الحاسمة معهم ضد السلطة، لكن إلى الآن لم يحدث ذلك.

كانت مواقف المرجعية خجولة في بادئ الأمر وأول أسبوعين، حتى الجمعة ما قبل الماضية حينما ارتفعت حدّتها نوعاً ما، لتعود وتبقى على ذات الحدة في الجمعة الأخيرة، في الوقت الذي كان ينتظر منها أتباعها موقفاً أقوى من ذلك، لكن مواقفها جعلَت من الشيعة (على الأقل الشباب)، يُغيّرون نظرتهم نحوها.

الشابَّة ”آيَة الساعدي“

«400 وفاة و15 الف جريح، غيٍرت قناعات الشباب تجاه المرجعية وكل الانتماءات الاخرى لغير العراق»، هذا ما يقوله الشاب العشريني ”سرمد الشمري“، فيما يُضيف، أن «الانتفاضة بيّنت الوجوه الحقيقية لدعاة الدين وأصحاب العمائم، وجعلت من الإنسان العراقي لا يقدس سوى العراق فقط لا غير».

هذا الشاب المنتفض، الثائر، الذي يأبى ترك الاعتصام، يقول لـ ”الحل العراق“، إن «موقف المرجعية الخجول من التظاهرات، بيّن صورتها الحقيقية التي صدمت الكثيرين»، فهي أدت بشكل أو بآخر إلى نفور الشيعة انفسهم من مرجعيتهم، وفق تعبيره.

الوعيُ قائد

خروج الشباب إلى الساحات وترديده غير ما مرّة بالأهزوجة (الدارجة) ”لا شيعيّة، ولا سِنّيَّة.. نريدها دولة علمانيَّة“، يدعم الفكرة التي تقول وبشكل صريح بأن هذا الجيل، ”جيل التمَيّع“ حينما كانوا ينعتونه ما قبل الانتفاضة، مُتحرّر من عبودية الدين، وخرجَ أصلاً للتخلص منه، جيلٌ تنويري بحت.

وما يدعم تلك الفكرة أيضاً، حديث هذه الشابَّة ”آيَة الساعدي“، التي تقول، إن «الشباب بعد مروره بفترات عصيبة، أصبح يرى أن شؤونه أياً كانت، يجب أن يكون هو المسؤول عنها، كما أن هذهِ الأعراف أمست شبه معدومة، لعدم وجود أي سبب مادي، واختفاء الحقيقة بين رجال الدين الرزخونيين».

الشاب ”يوسف الشاكر“

«إن الثورة عندما بدأت، كانت منتزعة من العادات والتقاليد والأفكار والتبعية، والشباب يرى أن العراق يحتاج أن يبدأ من جديد بقليل من السياسة، ولذلك تركَ الشباب كل المعتقدات بعيداً، وقرّر أن يبحث عن الحقيقة بنـفسه، فالوعي أصبَحَ قائد»، بتلك الجُمَل تحدّثت الشابّة المنتفضة لـ ”الحل العراق“.

المشكلة بالحُكام لا بالدين

لكن هُناك، من يختلف مع تلك الآراء، فهو يعتبر أن وجود المرجعية هو بمثابة صَمّام الأمان له، فضلاً عن شعوره بأن المرجعية هي الجهة الوحيدة المساندة والتي تقف معه، لذلك لا يمكن نكران تعلّق تلك الفئة بالمرجعية مهما كان، ومهما صير.

وهُنا يقول الشاب ”يوسف الشاكر“، لَـ ”الحل العراق“، بأنه «هو ليس تعلّق، إنّما هي جهة ترسم طرق للمشاكل بطريقه محايدة بعيدا عن العواطف والانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية، مما يجعل الشارع يلتف نحوها، نتيجة شعوره بثقل حجمها، وبأن قولها يجب اتباعه».

ليس هذا فحَسب، بل يُضيف، أن الوعي الجمعي للشباب ليس بالضرورة أن يكون نحو طريق الصواب،  أمور قد تكون غير مكشوفة وتحتاج إلى مرجع، فلا معرفة بدون مرجع. «ولا مشكلة بدمج الدين عن السياسة، والفصل لا يمكنه حل مشكلة العراق، فالمشكلة بالحكام لا بالدين».

مُسيّرَةٌ لا مُخيّرَة

لكن ”أنسام سلمان“ التي تحدّثت سلَفاً، تؤكد أن الوعي الحالي لدى الشباب ساهم في التخلص من التبعية دون التفكير أو أخذ الأمور بمنطقية وعقلانية، «وهذه الاحتجاجات أزالت ارتباط الفكر بالمرجعية بالقدر الملموس لدى الأفراد الأحرار وجعلتهم يفكرون ويؤمنون أن بيدهم تحديد مصيرهم».

في النهاية، مهما كان، ومهما سيكون، هذه الانتفاضة، غيّرَت قناعات جمهور سار نحو المرجعية مئات السنين، وأخفضَت من شعبيّتها لدى الكثير والكثير، ولو أن المرجعية أعطَت فتوىً بوجوب عودة الشباب إلى بيته، لن يعود، ولن يسمع لها، بل سيثور ضدها، لذلك فإنها (مُسَيّرَةٌ لا مُخَيَّرَة) في وقوفها مع الشعب.



التعليقات