زيتون إدلب ينتظر المعاصر والألم يعتصر قلوب الفلاحين

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

“الرزق غالي، وكل زيتونة بعتبرها ولد من ولادي، زرعتها وسقيتها وقلمتها، واليوم للأسف بزورها خطف بسبب القصف”. بعبارات يشوبها أسى عميق عبر “أبو محمد” من أبناء مدينة كفرنبل، عن حنينه لأشجار الزيتون التي غرسها بيديه، وانتظرها سنوات ليقطف ثمار تعبه، لكن النزوح باعد بينه ويبن أرضه، واستمرار القصف المتواصل، صعب عليه رعاية أشجار وقطاف موسمها الحالي.

تستقبل محافظة إدلب هذا العام، موسم قطاف الزيتون على وقع القصف المدفعي والجوي شبه الدائم، فقذائف المدفعية كذلك قنابل الطائرات الحربية، لا يستثني مكانا من ريف إدلب الجنوبي، فجل قراه تم استهدافها ومازال القصف والاستهداف مستمرا، فلا ملجا يحتمي به المزارعون الذين اختاروا قطاف موسمهم هذا العام مخاطرين بأنفسهم تدفعهم الحاجة المادية غالبا، بعد ان أنهكتهم شهور النزوح الستة الماضية، فلا مداخيل تذكر والنزوح قضى على معظم ما تم توفيره لدى البعض، يتابع “أبو محمد” قائلاً: “الناس بدها تعيش، نحن فلاحون لا مورد لنا إلا ما تعطيه أشجار التين والزيتون، والحال باتت صعبة جدا، فلا عمل لمعظمنا، والمصروف وأجور المنازل في بلد النزوح، لا ترحم أحدا، فلا تستغربوا ممن يجازف بالعودة لقطاف زيتونه”.

الحاجة وفقر الحال دفع أيضا بكثيرين لخيار العودة الى قراهم المستهدفة والقريبة من المناطق الساخنة والجبهات، لا ليقطفوا زيتونهم هم بل ليعملوا في قطاف الزيتون بالأجرة، فإذا كان الوضع صعبا على من يملك أرضا فهو بالتأكيد أصعب على عامل بالأجرة لا يملك إلا قوته البدنية رأس ماله الوحيد.
“مصطفى زعتور” شاب من كفرنبل يقول: “انتظرت قدوم موسم قطاف الزيتون بفارغ الصبر، فستة أشهر من النزوح بدون عمل أو دخل ثابت، كفيلة بدفعي للعمل في بلدتي فمن سيدفع عني مصروف عائلتي إن لم اعمل”.

“مريم” التي تعين أهلها على قطاف موسمهم كانت تعد القذائف التي تطلقها الراجمات من مواقع النظام في خان شيخون والهبيط باتجاه ريف ادلب الجنوبي وبلداته، وهي تسمع صفيرها اثناء مرورها فوقهم عن هذا تقول: “كنت أحصي ما يقارب الاثنتي عشر قذيفة مع كل موجة قصف، تعبر فوقنا لتسقط في أماكن تبعد أو تقرب من أرضنا، وكأن أزيز طائرة الاستطلاع (الزنانة) لا يكفي فهي لا تغادر سمائنا طيلة اليوم”.

تتابع “مريم” قولها: “صحيح أن تلك القذائف لم تستهدفنا بشكل مباشر، لكن الخوف المتولد من مجرد فكرة القصف كفيلة ببث الرعب بمن هم ضمن مجال استهدافها”.
يعتبر موسم القطاف في كل عام، مناسبة لاجتماع أفراد العائلة الواحدة، فيتعاونون على قطاف الموسم من بدايته وحتى نهايته، وارتبط القطاف بعادات اسرية كاجتماعهم حول موائد الفطور والغداء في أرضهم وتحت أشجار الزيتون، وهو ما غاب عن موسم هذا العام في الريف الجنوبي لادلب، كما يقول أحمد الموسى: “افتقد لاجتماع الأسرة هذه السنة، فلا فطور يجمعنا وحتى الشاي على الحطب تم الاستغناء عنه، فالسرعة مطلوبة، حتى بتنا ننهي يومنا عند العصر بدل أن كنا نستمر لما بعد غياب الشمس في السابق، غابت معالم الفرحة اثناء القطاف، ولولا العوز لما شاهدت مزارعا يقطف موسمه”.

“أبو أحمد” من قرية الشيخ مصطفى، يتحسر على موسم زيتونه هذا العام، فقريته لم يسلم فيها منزل أو بستان من القصف، فقربها من جبهات القتال جعلها هدفا للقذائف بصورة دائمة ومستمرة، “يا ترى أشجار زيتوني بانتظاري أم أنها أصبحت حطبا نتيجة القصف” قالها “أبو أحمد” والألم يعتصر قلبه.
البعض من المزارعين فضل تسليم موسمه لآخرين، يقطفون الموسم مقابل حصة وصلت هذا العام الى النصف، بعد أن كانت لا تتجاوز الربع أو الثلث في أحسن الأحوال، حتى أن أجرة عصر الزيتون انتقلت من كاهل المستلم كما في السابق لتصبح هي الأخرى مناصفة كل يدفع عن حصته، كل هذا افرزه هذا الموسم الاستثنائي، فالقضية تحمل الكثير من المخاطرة، يمتنع الكثيرون عن خوض غمارها، “أحمد البيوش”، كلف أخيه الأكبر بمسألة تامين ورشة عمال بالأجرة هذا العام، فهو غير مستعد للعودة الى البلدة إلا إن أعلن وقف للقصف بشكل تام “ولا أظن هذا الوقف سيشمل موسم الزيتون لهذه السنة” يقول البيوش.

يعتبر الزيتون المحصول الاستراتيجي الذي تعتمد عليه محافظة إدلب بشكل كبير، فالمحافظة مشهورة ببساتين زيتونها فهي تضم حوالي 70 % من اجمالي أشجار الزيتون في سوريا، فبحسب احصائيات وزارة الزراعة السورية 2008، يبلغ عدد أشجار زيتون فيها 36,541 مليون شجرة زيتون مثمرة من أصل 52,734 مليون شجرة في عموم سوريا.
من هنا يؤثر استهداف بلدات الريف الجنوبي على وتيرة القطاف، حارما المزارعين والمحافظة، جزئا مهما من الدخل السنوي سيلقي بظلاله على الواقع لاقتصادي العام، المتردي أصلا.

سحر زعتور

علق على الخبر

رجا سليم

رجا سليم

صحفية سورية، معدّة برامج ومحتوى وثائقي، مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع.