لكن الطعام السيء هو مسؤولية الطبخ السيء، لا الصحن والماعون، ولا بُد من عقلنة هذا الغضب وجمْعه باتجاه أحزاب سياسية تمارس “الإزاحة” المعتادة في علم السياسة، وصراع القديم والجديد، والأمر بسيط ومنطقي: إن شئتَ أن تمحو سيئاً، فقدم جيدك.
——————————————
علي وجيه
في لحظات التحرير الانفعالية، من الشباب المتظاهرين، يجري خطابٌ يشطبُ على “الأحزاب”، وبمعنى أدق: على كلّ ما يمثّل سلطة ما وراء الجسر، وتشمل بشكل إشهاريّ: الرئاسات الثلاث، وموظفيها، العسكر، الأحزاب، القيادات وغيرها، وبشكلٍ مضمر تمتدُ ربما على كلّ موظف.
لا يُمكن هندسة الغضب، أو مطالبة الغاضب بأن يكون موضوعياً وهادئاً مثل أيّ شخصٍ لم يستنشق الغاز المسيل للدموع، أو يتعرض لرصاص حيّ، أو لاعتقال، خصوصاً وأننا ضمن مجتمعٍ لم يحظَ بتدريس وتعليمٍ يُمكن أن تقول بعدها: لدى الجميع ثقافة سياسية وقانونية، هذا إن كانوا أصلاً مُطالَبين بأن يكونوا سياسيين وقانونيين وفلاسفة!.
الشباب غاضبون، والغضبُ الأساسي هي بخيبات الأمل المترادفة منذ عقدٍ ونصف، لكن الغضب مثله مثل أيّ عاطفة، يعلو وينخفض ويستقر ثم يبدأ بالتناقص ويختفي بعد فترة، فلا يمكن للغاضب أن يكون غاضباً إلى الأبد، ولا للمتظاهر أن يكون كذلك إلى الأبد، وهذه القوة الموجودة في ساحات التظاهر السلمية، عليها أن تتنظم بطريقةٍ ما.
تركت الأحزابُ السياسية خدشاً كبيراً في العلاقة بينها وبين الفرد، الذي بدأ يرى الجميع بلونٍ واحد، حتى إن اختلفت أزياؤهم أو لكناتهم أو سحناتهم، فهو يرى الجميع مسؤولين عمّا حدث بنسبةٍ واحدة، ولعلّ أبرز هذه الإشارات هي مهاجمةُ نوّابٍ حاليين، وسابقين، جددٍ وقدماء، من كتلٍ كبيرة وأخرى صغيرة وشبه هامشية، ومضى الأمر ليصل إلى مهاجمة أعضاء محليين صغار في أقضية متناثرة هنا وهناك.
لكن الطعام السيء هو مسؤولية الطبخ السيء، لا الصحن والماعون، ولا بُد من عقلنة هذا الغضب وجمْعه باتجاه أحزاب سياسية تمارس “الإزاحة” المعتادة في علم السياسة، وصراع القديم والجديد، والأمر بسيط ومنطقي: إن شئتَ أن تمحو سيئاً، فقدم جيدك.
قدمت ساحات التظاهر طوال الشهرين الماضيين وعياً مذهلاً، بشبابٍ خريجين تناثروا بين الخيم المختلفة، وظهروا على شاشات التلفاز وهم يعرفون ما يريدون، وما تريده هذه البلاد، فما المانع أن تنتج الساحات أحزاباً وحركاتٍ سياسية جديدة؟ لتحل تدريجياً محل هذه الطبقة السياسية التي خذلت الجميع، وتركت فيما بعد، خدشاً في علاقة المواطن مع هيكلية أي حزب.
الطعام طُبخ بشكلٍ سيء، لكن كسر الماعون يعني أنك تقتل الفرصة الأخيرة لأي طعامٍ مقبل، فهياكل العمل السياسي ثابتة، وسياقاته أيضاً، وهذا ألف باء السياسة: الثبات للوعاء، والتغيّر للسائل.
أمام شباب التحرير والمحافظات جميعها، إن شاءوا التغيير المُنتظر، فرصة سيخنقها الوقتُ تدريجياً، وهي فرصة أن يكون العمل سياسياً ومنظّماً، لردّ الاعتبار للحركة الاحتجاجية، ومحاولة جعل الدماء التي سالت دماءً مؤسِّسة: أي بمعنى: أن لا تتحول إلى مناسبة حزن فحسب، بل أن تؤسس لوضعٍ جديد من شأنه أن يقلّل دماء السنوات المقبلة، وأن تكون البلاد بلاداً لمرة على الأقل!
والمعادلة على صعوبتها بسيطة، إن شئتَ النجاح في مهمة سياسية، لا تكرر ما فعله الآباء من أخطاء، وابتعد عمّا يُمكن أن يكسر الماعون، واطبخ طعاماً يليق بالمتظاهرين.
