ماذا لو أدرجت مادة “الأخلاق” في المناهج المدرسية؟


تقترح البروفسورة الأسترالية (ميريديث هاربورد Meredith Harbord)، المستشارة في مجال تطوير التعليم، أن تتبنى الدول إدراج مادة الأخلاق في المناهج الدراسية، وذلك لإيمانها الكبير بدور الأخلاق في توجيه الأجيال نحو مستقبل أفضل تنتهي فيه الحروب وتتحقق حياة كريمة للإنسان والكائنات التي تشاركه الحياة على هذا الكوكب. فهل هذا حلم أم واقع قابل للتحقيق؟

ترى  البروفسورة أن فكرة #الأخلاق ومراحلها الستة ليست واضحة بشكل كاف بالنسبة لأفراد #المجتمع، ولا تحقق دوماً المحاكمة المنشودة لإحداث تطوير في دور المجتمعات ومسؤوليتهم فيما يخص الإنسانية ومستقبلها بشكل عام،  لذلك فمن المفيد استيعابها ومناقشتها استعداداً لتطبيقها في كافة نواحي الحياة.

تشرح البروفسورة المراحل الستة للأخلاق المبنية على نظرية ( لورنس كولبرغ Kohlberg):

المرحلة الأولى – هل هناك عاقبة؟
تبدأ المرحلة الأولى من الوعي حول الأخلاق في سنوات #الطفولة العشر الأولى تقريباً، حين يستكشف الطفل محيطه ويتعرف إلى ما هو مسموح وما هو ممنوع، سيفهم الطفل أن هناك عاقبة لتصرفات معينة وسيمتنع عنها تجنباً لتلك العاقبة لكنه على الأغلب سيكرر التصرف إن لم يكن هناك من يراه. هذه المرحلة البدائية من المحاكمة الأخلاقية طبيعية عند الأطفال ولكن مع الأسف يبقى بعض الأشخاص أسرى هذه المرحلة طوال حياتهم ولا يتطور منظورهم الأخلاقي، فلا يمتنعون عن التصرف السيء إلا إن كان هناك عاقبة، فإن غابت العاقبة يغيب الوعي الأخلاقي. أحد أسباب عدم التطور برأي البروفسورة (هاربورد) هو اتباع أساليب التخويف والعنف في تربية الأطفال إذ تقود المعاناة النفسية إلى تفسير الصح والخطأ من خلال وجود عقوبة أم عدمها وبالتالي يفقد الإنسان محاكمته المنطقية ويبقى أسيراً لهذه المرحلة من عدم الوعي الأخلاقي.

المرحلة الثانية – المصلحة
لا تختلف المرحلة الثانية كثيراً عن المرحلة الأولى، وهي أيضاً مرحلة ما قبل الوعي الأخلاقي إذ يطور الطفل محاكمته المنطقية فيتضح السلوك الجيد والسلوك السيء بالنسبة له بغض النظر عن العقوبة لكنه يبرر الخطأ بحسب مصلحته، فيسمح لنفسه بالتجاوزات بحسب فائدة الأمر بالنسبة له. تقدم الدكتورة (#هاربود) مثالاً على ذلك فتقول إن الطفل يعرف أن الكذب سلوك مرفوض ولكنه يكذب أحياناً كي يكسب أو يتفادى شيئاً ما، فالغاية برأيه تبرر الوسيلة. يبقى أيضاً بعض الأشخاص أسرى هذه المرحلة من عدم الوعي الأخلاقي طوال حياتهم ربما كان ذلك بتأثير من تصرفات #الأهل المتناقضة حين يعترفون بأن التدخين مضر بالصحة مثلاً  لكنهم يدخنون على أية حال، أو ربما كان ذلك بدافع من الأنانية حين تكون مسيطرة على الشخصية.  

المرحلة الثالثة – ما هو رأيهم بي؟
تبدأ المرحلة الثالثة في عمر المراهقة وهي مرحلة الوعي الأخلاقي، وأساس هذه المرحلة هو الاهتمام بالمجتمع والانتماء، فيتطور اهتمام المراهق برأي الآخرين به ويتأثر بما هو سائد في #المجتمع، وبالتالي يصبح أساس محاكمته الأخلاقية رأي المجتمع بتصرفاته، فإن كان تصرفه مقبولاً اجتماعياً لن يعر اهتماماً للتقييم الفعلي للسلوك. فعلى سبيل المثال يمكن أن يغش المراهق بالامتحان وذلك لأن هذا السلوك مقبول بالنسبة لأصدقائه وربما كان تصرفاً ذكياً بحسب تقييمهم، لهذا نلاحظ وبكثرة الشخصيات العالقة في هذه المرحلة من التقييم الأخلاقي مع الأسف فنجد عدداً كبيراً جداً من الأشخاص يتقبلون التقييم الأخلاقي السائد في المجتمع غاضين النظر عن قيمة التصرف الأخلاقية الفعلية، مثل انتشار الرشوة على سبيل المثال، إذ تكون مقبولة بالنسبة لبعض الأشخاص وتعتبر “شطارة” ولا يعتبرون أنها غير أخلاقية طالما أنها موجودة بشكل شبه طبيعي في محيطهم وهي “مفيدة” بالنسبة لهم. ويصل الأمر أحياناً إلى معاملة الرافض لهذا الأسلوب بطريقة غير عادلة وكأنه “غبي” أو”عنيد”.

المرحلة الرابعة – ليس مثلي
تقول البروفسورة (هاربورد) إن المرحلة الرابعة هي الشق الثاني من مرحلة الوعي الأخلاقي وتبدأ عندما يصبح لدى الشخص إيمان بمنظومة ما، دينية أو عقائدية أو قانونية أو غير ذلك من الأمور التي تصبح منطلقاً للتفكير و #السلوك والتقييم. في هذه المرحلة يواجه الإنسان المواقف المختلفة ويتصرف بدافع أخلاقي يرضيه ولكن تقييمه مرتبط بشكل كامل بقانون منظومته المحددة ولا يحاول التفكير بالأبعاد المختلفة للموقف، فمثلاً نجد أحدهم يتعامل بأخلاق عالية مع من هم من مثل دينه أو جنسيته أو حزبه، إلخ، لكنه لا يتعامل بالأخلاق نفسها مع شخص مختلف عنه وذلك دون شعور بالذنب أو الخطأ.

ومثل باقي المراحل نلاحظ أن بعض الأشخاص يبقون أسرى هذه المرحلة طوال حياتهم. نرى ذلك بشكل واضح في المجتمعات التي تعاني من الحروب على سبيل المثال، حيث نجد من يتقبّل الدمار وقتل الأبرياء والأطفال لمن ينتمون للطرف الآخر لأنهم خارج نطاق اهتمامه أو مسؤوليته، بينما يقدم المساعدات و #التعاطف الكامل لمن ينتمون لمنظومته فقط.  

المرحلة الخامسة – ماذا يمكن أن أفعل؟
تعبر المرحلة الخامسة هي الخطوة الأولى إلى ما بعد الوعي الأخلاقي، ففي هذه المرحلة يعي الإنسان قيمة الأخلاق ويهتم بتقييم المواقف والتصرفات بشكل مجرد عن مصلحته الشخصية أو النظرة الضيقة لأي منظومة ويرى دوره الإنساني في جميع نواحي الحياة وبناء المستقبل وذلك أمر رائع، ولكن هناك حدود يلتزم بها ولا يتدخل فيما لا يخصه بشكل مباشر أو فيما يشعر أنه خارج نطاق تأثيره، فيكتفي بالرأي والمشاعر ويستسلم إلى أن الأمر ليس بيده وأن التغيير ليس مسؤوليته لكنه عنصر فعال جداً عند وجود القناعة والتشجيع والدافع القوي لأنه عادل ومتوازن ومنطلقاته إنسانية ولا يحتاج إلى كثير من الجهد ليصبح في المرحلة السادسة.

المرحلة السادسة – يجب أن أتصرف
أما المرحلة السادسة من الوعي الأخلاقي فهي الإيمان بالعدالة الاجتماعية والمبادئ الصافية وعندها يتحول الشخص من مُنفّذ، إلى مُطالب بتطوير القوانين القاصرة ومُدافع عن حقوق ضائعة وناشر للوعي والمبادئ الإنسانية مهما واجه من صعوبات. هؤلاء الأشخاص هم المؤثرون في الحياة والمستقبل، فلو اعتبر الرئيس الأميركي (ابراهام لينكولن) أن اضطهاد العرق الأسود أمر طبيعي ولا يعنيه لما دعم التغيير ولما أصدر قانون تحريم العبودية والتصدي للتمييز العنصري في أميركا عام 1863، ولو لم تقاوم (لوريس ماهر) المفاهيم السائدة في المجتمع لما دخلت كلية الطب مع الرجال لتتخرج كأول طبيبة سورية عام 1930.

الأمثلة كثيرة ولربما تذكرنا عدد كبير من الشخصيات في حياتنا ونحن نفكر بكل مرحلة من هذه المراحل وأثرها في حياتنا. وبالتأكيد سنتذكر كيف تغير شخص من محيطنا إلى الأفضل باذلاً جهداً كبيراً في تطوير ذاته وأخلاقه نحو مرحلة أكثر وعياً وإنسانيةً.

خطوة صغيرة
أدرجت مدارس متفرقة حول العالم مادة الأخلاق ضمن مناهجها الدراسية. نتأمل أن تؤثر بشكل حقيقي في توعية جيل المستقبل وتؤثر إيجابياً في مصير الكرة الأرضية التي يتحكم بها قادة السياسة والاقتصاد متجاهلين قضايا البيئة والحروب وكثير من القضايا الإنسانية الحرجة.

لم تعد الكارثة التي تنتظر كوكبنا الأم خافية على أحد، فالاحتباس الحراري والتلوث ونقص مصادر الغذاء والماء وانقراض بعض الكائنات المفيدة وتراكم النفايات، سيفضي إلى نهاية مأساوية لا يمكن أن تنتهي دون قرارات حاسمة ومواقف أخلاقية نبيلة من الجميع. فما أحوجنا إلى الوصول إلى المراحل المتقدمة من الأخلاق وما أحوج مجتمعاتنا إلى هذا التعليم وبناء الشخصيات وتطوير الأخلاق. لا يحتاج الأمر إلّا إلى الإرادة والتدريب وكل منّا يمكن أن يبدأ بنفسه. لعلّها تكون كما قال (أرمسترونغ) حين لمس سطح القمر “خطوة صغيرة لإنسان، خطوة كبيرة للإنسانية”.


التعليقات