ناجيات من الموت.. مستعبَدات بنجاتِهن


تجيب إحداهن ساخرة عند سؤالها عن زوجها ” قتلته” فيما تتمنع الأخريات عن البوح بأية معلومات عن أزواجهن، نساء اجتمعن في بيت مؤلف من ثلاث غرف غير مكتملة البناء، أُغلِقت نوافذه بقماش قديم، فيما وضِع لكل شخصين فراش واحد على الأرض للنوم عليه، لا وجود للمطبخ، كانت النساء تضع غازاً صغيراً في إحدى الغرف ليطبخن عليه، كل امرأة منهن لديها ثلاثة أو أربعة أطفال، كبروا في الحرب، الشيء المميز في هؤلاء #النساء كان إصرارهن على تعليم أطفالهن بأية وسيلة كانت، الأطفال الذين لم تقبلهم المدارس الحكومية إما بسبب عدم تسجيلهم في السجلات المدنية أو بسبب ضياع أوراقهم المدرسية.

في الشارع اعتدتُ أن أرى يومياً أحد عشر طفلاً جميعهم أخوة، أمهم تعمل في معمل خياطة، أربعة منهم من زوجها الأول الذي كان يقاتل في صفوف “الجيش الحر” وقتل في إحدى المعارك، والباقي من زوجها الحالي والذي يشترط عليهم جميعاً بما فيهم الأم أن يعود كل فرد منهم بثلاثة آلاف ليرة يومياً، أو يمنعهم من دخول المنزل، ليأخذ المال منهم ويصرفه على ما يرغب.

نساء تنام في بيت لا أبواب له ولم تصله الكهرباء بعد، تقول لي الأم: “لو بقينا محاصرين أفضل من هذا أقلُّها كان لدينا بيت نأوي إليه أو نموت، أما هنا فلا يقينا هذا البيت من برد ولا حر، لكننا خرجنا لأننا نريد البقاء أحياء و يجب أن نحتمل.

ناجيات من الموت
نستطيع أن نتصور كيف يمكن أن تبدو حياة آلاف #النسوة اللواتي خرجن من تحت القصف والدمار، ليبحثن عن مكان آمن لهن ولأطفالهن، نساء عشن حياة الحصار والقتل اليومي وموت عوائلهن أمامهن، و خسرن ما يكفي. لا بد أن تغيراً كبيراً في المفاهيم والأولويات حصل في حياتهن، ويمكننا أن نقول بأن هذه الحرب شكلت حالة انقلاب كبيرة في وعيهن، وطريقة تعاملهن مع الحياة، والمسؤوليات التي وجدن أنفسهن أمامها.

لا يمكننا الإلمام بوضع كل سيدة من هؤلاء فعدد #النازحات في الداخل السوري كبير، وامتدت رقعة تواجدهن على مناطق مختلفة، ولكن بعض المشاهدات القليلة تمكننا من تشكيل تصور واضح لحياة معظمهن، تشترك أغلب هذه النسوة بانتمائهن  لمناطق محافِظة، أي انهن اعتدن على نمط محدد من الحياة، نسبة تعليم أغلبهن منخفضة، وتقتصر حياتهن على المنزل ورعاية الزوج والأطفال. شكَّل هذا النزوح بالنسبة لهذه النسوة خطوة جديدة لمعرفة أنفسهن، حيث وضِعن وجهاً لوجه أمام ضرورة إيجاد مسكن وعمل، والنجاة بحياتهن مرة أخرى من الجوع والبرد.

هناك من استطعن إيجاد مستلزماتهن فور خروجهن، وهناك من احتجن وقتاً أطول لتحقيق القليل من الاستقرار.

ما يلفت الانتباه، النسوة الأسوأ وضعاً بين هؤلاء جميعاً، اللواتي لم يبق أحد من عوائلهن، لا بيت ولا مأوى لديهن، هؤلاء النسوة تعرضن لكل صنوف المعاناة، فمن #الحصار والقتل خرجن ليتم استغلالهن من قبل مجتمع يستهجن وجود امرأة دون مأوى ودون رجل يحميها، أول ما يمكن أن تتعرض له هذه النسوة هو التحرش والاستغلال إن كان جسدياً أو مادياً، وقد سُجِّلت فعلاً الكثير من حالات التحرش والاغتصاب، حيث استغل بعض الرجال حاجة #المرأة إلى المال والعمل والنوم في مكان آمن ليمارسوا عليهن الاستغلال الجسدي، على مبدأ “لا شيء دون مقابل” هذه الحالات الموجودة بكثرة في مجتمعنا، لا أحد يريد الكلام عنها حتى النساء اللواتي يمارَس عليهن فعل الاستغلال  يرفضن الحديث عن ذلك.

في نفس الوقت هناك نساء أخريات يحاولن الخروج من نمط الحياة الذي كن يعشنه قبل نزوحهن، والتعلم وتطوير مهاراتهن في بعض الأعمال، وغالباً ما يجدن عملاً إلا أن الأجور زهيدة جداً، وكأن صفة نازحة تعني بأن يعملن لساعات طويلة مقابل القليل من المال، لا أحد يدافع عن حق هؤلاء النساء، لا أحد يهتم لأمرهن أو كيف يقاومن ضغوط الحياة وغلاء المعيشة، فيما معظم أولادهن لم يستطيعوا إكمال تعليمهم وهذا يجعلنا أمام جيل ضائع، غير متعلم، جيل حرب وقسوة وظلم وعنف.

وَجَدَت الكثيرات أنفسهن واستطعن توظيف مهاراتهن في تطوير خبراتهن، فيما بقيت أخريات أسيرات لحكم المجتمع والعائلة.

هذا ما تعانيه نساء سوريا  الناجيات بحياتهن، ليواجهن ظلماً واستعباداً واستغلالاً من نوع آخر، ولا يمكن وصف حياتهن وهن في بلدهن بالمستقرة أو الصحية، فعدم الأمان والخوف، والصراع من أجل تأمين الحاجات الأساسية هو ما يشغلهن، غير مكترثات لمعنى أو قيمة وجودهن الخاص وذواتهن المنسية، في خضم هذا الصراع من أجل بقاءهن وحماية أطفالهن فقط.


التعليقات