بغداد 37°C
دمشق 27°C
الثلاثاء 7 يوليو 2020

في “البالة”: جولة على المصادر والأسعار


صباح كل يوم سبت، تخرج “ليلى” وصديقاتها إلى سوق “البالة” في منطقة باب سريجة بدمشق، وتمضي ثلاث ساعات من الوقت على الأقل وهي تبحث بين مئات قطع الملابس المستعملة، بحثاً عن “قطعة لقطة” تحملها وتمضي.

تتبع ليلى هذا النظام في الشراء منذ سنوات، بشكل شبه منتظم، ولمرة واحدة في الشهر على الأقل، معللة ذلك بأن “القطعة اللقطة” قد تأتي في السنة مرة واحدة.

وكحال ليلى، آلاف السوريين الذين هجروا أسواق الشعلان والصالحية والحميدية، واكتفوا بأسواق البالة في مناطق الشيخ سعد وجرمانا وباب سريجة، فهي أرخص بكثير.

تغيرت أحوال الناس خلال الحرب وانعدمت الطبقة الوسطى، وازداد الفقراء فقراً، واعترفت السلطات أكثر من مرة بأن خط الفقر شمل أكثر من 70% من السكان، بحسب تقارير إعلامية نشرتها صحف رسمية (بحسب مركز مداد شبه الحكومي، فإن نسبة الفقر في سوريا هي 67% من سكان البلاد).

وربما كانت البالة مقصد لبعض السوريين قبل الحرب، #الفقراء منهم وبعض #الأغنياء الذين يبحثون عن قطع أجنبية ونادرة، لكن خلال سنوات متلاحقة، بات الكثير من سكان البلاد يقصدون أسواق البالة في السر أو في العلن، ويدعون أصدقاؤهم أيضاً لجولة في أسواق البالة ولا سيما يوم السبت، الذي يشهد بضاعة جديدة.

وخلال جولتنا في منطقة الإطفائية على محلات #البالة، رفض الكثيرون الحديث عن مصدر هذه الملابس وكيفية مجيئها إلى سوريا، لكن أحدهم قال ساخراً إنها تأتي عن طريق التهريب وليس بشكل رسمي، ويتم دفع ثمنها بالدولار، ولذلك يمتنع التجار وأصحاب البسطات عن الحديث عن طريقة الحصول على هذه الملابس.

ويكتفي صاحب البسطة بالإشارة إلى مصدر القطعة، فيقول للزبون إنها أميركية أو فرنسية أو صينية، وبعض القطع ما تزال جديدة، لكن يشوبها عيبٌ ما، ويتم بيعها في سوق البالة.

تقول الشابة ليلى “أحاول أن أجد القطع الجديدة وأفضلها عن القطع المستعملة.. ربما يكون ينقصها أحد الأزرار أو فيها ثقب صغير، لكن ليس لدي مشكلة في ذلك”.

وتقارن بين البالة الحالية والبالة في أول الحرب أو قبل ذلك بوقت قصير وتشرح بأن #الملابس الأوروبية التي كانت توجد في البالة، كانت فاخرة وأصلية وبعضها يُضاهي الملابس التي تجدها في الأسواق، لكن الأشهر الأخيرة جعلت سوق البالة فقير للغاية ولا توجد سوى الملابس المحلية المستعملة.

جولة على أسعار القطع
تتراوح أسعار القطع في البالة بين الألف والمئة الف ليرة، وذلك بحسب نوعية القطعة وبلد المنشأ وحالتها، لكن أغلب الكنزات على سبيل المثال، فيتراوح سعرها بين الألفين وخمسة ألاف ليرة سورية، بالمقابل فإن أرخص كنزة في السوق المحلية فقد تبلغ 7 آلاف ليرة سورية على الأقل.

أما بالنسبة للأحذية، فالحذاء الذي يُباع في السوق المحلي بمبلغ عشرين الف ليرة، يمكن العثور على مثيله وربما أفضل منه بتسعة أو عشرة آلاف ليرة سورية.

ولم يعد حرجاً على معظم الناس النزول للبالة وتفقد البضاعة والشراء منها، والحديث أمام العامة بأن هذه القطع من سوق البالة بعد أن كان ذلك “مبعثاً للحرج” قبل سنوات.

ما هو مصدر البالة؟
يروي أحد أصحاب محلات البالة في منطقة الشيخ سعد بأن طريق البالة طويل قبل أن يصل إلى سوريا، لكن البوابة الرئيسية للبالة هي العاصمة اللبنانية بيروت، وما يصل إلى دمشق برأيه هو “بالة البالة”، وتصل البالة عادة بحسب التاجر من الإمارات العربية، والتي تعد أكبر سوق تتجمع فيه البالة في آسيا، ويكون مصدر هذه الملابس من من آسيا عبر الإمارات وأوروبا من البوابة التركية.

ويتم احتساب كمية الملابس بحسب الوزن وليس بحسب القطع، ويتم احضار كميات كبيرة جداً من الملابس، بعضها قد لا يبقى صالحاً، ويتراوح سعر الكيلو الواحد بين 10 وحتى 20 دولاراً.

وكان التجار قبل الحرب، يذهبون إلى الإمارات مباشرة من أجل إحضار حاويات كبيرة من البالة، أما اليوم فيضطرون إلى الوساطة اللبنانية التي تزيد من سعر البالة وتخفض من النوعيات والكميات.

وحشد عدد من التجار المحليين ضد تجارة البالة في سوريا، ونجحوا في استصدار بعض القرارات التي تحد من حركتها، وذلك بعد تمكنها من منافسة المنتجات المحلية بالأسعار والجودة.

وأصدرت وزارة الداخلية وحماية المستهلك بموجب ذلك قرارًا منعت بموجبه بيع الملابس المستعملة (البالة) في جميع المحافظات السورية، بحجة أنها تلحق “الضرر بالاقتصاد الوطني” ولا سيما أنها تدخل بشكل مهرب من مصدر مجهول.

البالة والأعياد
باتت البالة الملجأ الوحيد لكثير من العوائل السورية الفقيرة، التي عجزت منذ سنوات عن شراء ملابس جديدة، ووجدت في سوق الملابس المستعملة حلًا بديلاً لإدخال الفرح لقلوب الأطفال في العائلة ولا سيما في الأعياد.

ففي الوقت الذي قد تزدحم فيه الأسواق العادية خلال عيدي الأضحى والفطر، تزدحمُ أيضاً أسواق البالة لكن بطبقات مختلفة من الناس وشرائح أخرى من السكان.

إذ بإمكان رب الأسرة أن يشتري عدة قطع مستعملة لأولاده بمبلغ عشرة آلاف ليرة سورية، لكن بذات المبلغ لا يمكن له أن يشتري حتى فردة حذاء (وفق التعبير الدارج).


التعليقات