إلى «سَلمَى» الّتي حَلُمت بفراشاتِ قلبِها السَّبع

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

تقطف الطفلة أولى زهراتها، وتدسها بين خصلات شعرها البني الطويل، وبفستان طويل تدور في الحقل بين فراشات قلبها. تغلق باب الخيال، وتتذكر أنها لم تعد تلك الطفلة، وأنها قد تزوجت ابن عمها في الخامسة عشرة من عمرها، وأنجبت في سنوات العشر الماضية سبع بنات، وأن «آخر العنقود» كان صبياً لكنه توفى.

لم تكن الظروف مواتية في الحياة لرضيع بمشكلة رئوية في #إدلب، لم تتمكن من سرقة زمن آمن كي توصله إلى المستشفى عند احتدام نوبة السعال، ومن بعدها الاختناق. كان القصف عنيفاً فوق رؤوسهم وكانت البنات تلتفنّ حولهما، وترددنّ آيات قرآنية، وأدعية تحجب الرؤية وتمنع الأذى، وتعمي البصيرة عن عائلة كبيرة بالعدد صغيرة بالمقدرة. ترسم قلباً يحيط بعينيه الزرقاوين في صورته الأخيرة، وتقبله ألف قبلة.

قرر زوج «سلمى» أن يتم الطلاق فهي «لا تصلح» لإنجاب الذكور، كما قرر حرمانها من بناتها السبع، والتي تبلغ أصغرهن من العمر أربع سنوات.

تدرّس «سلمى» الرياضيات في إحدى مدارس #معرة_النعمان، كانت تجمع كلفة حافلة تقل بناتها كل أسبوع من بيت والدهن البعيد ساعة كاملة عن مكان إقامتها، حيث يقضين نهاراً كاملاً معاً، لم يكن ذلك كافياً ولكنه أفضل الخيارات المتاحة.

تقضي «سلمى» بقية وقتها منغمسة في العمل وفي اكتشاف سبل جديدة لإشغال نفسها، وكسب ما تيسر من المال تحضيراً لزيارة بناتها. كانت تبدأ النهار معهنّ بالتحلق حول مائدة الفطور بعد أن تعد الفطائر والبيض والسلطة.

ومن ثم تصحبهنّ لزيارة أمها وأبيها، وفي طريق العودة تدخلن الحديقة، سبع بنات وأمهن، يلتقطن الورد ويصنعن منه سلاسل عطرة، تجمعها سلمى في وعاء مملوء بالماء لاحقاً وتسقيها حتى يحين موعد اللقاء القادم.

تفاقم الوضع في إدلب وما حولها، وتم استهداف معرة النعمان حيث تقيم (سلمى)، واضطرت كل العائلات للنزوح، وكان يتوجب عليها أن ترافق والديها كبيري السنّ بعيداً نحو مدينة #الرقة، بينما نزح الأب مع البنات إلى ريف #حلب. وأصبحت المسافة بينهنّ شاسعة، والاتصال مقطوعاً والتواصل ممنوعاً، ولم يعد هناك مكان آمن.

قرر الأب أن يمنع البنات منعاً باتاً من التواصل مع والدتهنّ، التي يعتقد أنها سوف «تحرضهن» على أذية زوجته الجديدة، والتي لا بد ستأتي إليه بالصبي الذي «سيحمل اسمه وسيصون شرفه».مرت أربعة أشهر، منذ أن التقت «سلمى» بناتها، ومنذ أن سمعت صوت إحداهن. قام الأب بتزويج ابنته البكر التي تبلغ أربعة عشر ربيعاً، إلى ابن عمتها الذي يبلغ من العمر واحد وعشرون عاماً.

تقول «سلمى»: ابن عمتها يطيع والدها أيضاً فهو خاله، وهو الكبير في العائلة. يعاملها بطريقة مهينة، ولا يتوقف عن إذلالها، ويمنعها أيضاً من التواصل معي.

تحاول جدة البنات لأبيهن، أن تؤمن لهنّ مكالمة سرية مع والدتهنّ، وتجد في قلبها رحمة تعطف بها على البنات وأمهن، فيتمكنّ من الحديث مع «الماما» .

ويأتي صوت الصغيرة ذات الأربع سنوات ضاحكاً: «ماما اشتقتلك ليش ما عاد عم تشوفيني». لا تبدو الصغيرة مدركة للألم بعد، وتضحك وهي تَعِد سلمى بأنها ستزورها عندما تكبر. 

تكتب «سلمى» في بداية الصفحة البيضاء ما يلي: «كنت أريد أن أقطف زهراتيّ السبع، وأن أدللهنّ وأسقيهنّ من أنقى ساقية، وكنت أريد أن أبلل وجناتهنّ بدمعي عند الضحك، وكنت أريد أن أضمهن في حضني لو كانت هناك قوانين عادلة، وكنت أريد أن ندور معاً في فساتين طويلة ملونة موشحة بالورود اليانعة.

كنت أريد أن أكون هناك لهن، وأن يكنّ لي وأن أتذكر ملامحهن قبل أن تتغير». تغلق «سلمى» دفترها، وتعيد الاستماع إلى صوت صغيرتها المسجل في هاتفها.

يمر شهر آذار على النساء السوريات، كما بقية الأشهر، التي لم تكمل فصولها القاسية. وتحلمن جميعاً بالطفلة التي قطفت أولى زهراتها ودستها بين خصلات شعرها البنيّ الطويل، وبفستان يزيّن جمالها، وتدور به في الحقل بين فراشات قلبها أملاً بحياة أفضل.



علق على الخبر

زينة قنواتي

زينة قنواتي

صحفية سورية، كاتبة قصة قصيرة وقصص الأطفال، ناشطة نسوية.