سلافوي جيجيك: الولايات المتحدة الأمريكية تدخل حرباً أيديولوجية طاحنة

تمثال الحرية في نيويورك. المصدر: Getty Images
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

ترجمة: سولارا شيحا

بالرغم من نجاة ترامب من محاولة عزله، تشهد الولايات المتحدة الأمريكية حرباً أهلية أديولوجية، لأن الصراع الحقيقي ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل صراعٌ داخلي في كلي الحزبين.

قبل أسبوعين، وأثناء ترويجه لفيلمه الجديد في مدينة مكسيكو، صرّح الممثل الأمريكي هاريسون فورد: “لقد فقدت أمريكا مصداقيتها ودورها القيادي الأخلاقي”.

حقاً؟ متى مارست الولايات المتحدة دوراً أخلاقياً قيادياً في العالم؟  في عهد ريغان أم بوش؟ لقد فقد الأمريكيون ما لم يكن لديهم يوماً، بمعنى آخر فقدوا الوهم بأنهم يملكون المصداقية (التي تحدث عنها هاريسون). مع ترامب، ماكان حقيقة كامنة أصبح ظاهراً ومرئياً لا أكثر.

في عام ١٩٤٨، على مشارف الحرب الباردة، صاغ الدبلوماسي والمؤرخ الأمريكي جورج كنان هذه الحقيقة بصراحة وحشية: “الولايات المتحدة تملك خمسين بالمئة من ثروات العالم، وشعبها يشكّل ٦.٣ بالمئة من سكانه. في هذه الحالة، فإن مهمتنا الحقيقية، في الفترة المقبلة، الحفاظ على هذا التفوّق. ولتحقيق ذلك علينا التخلص من كل الحساسيات والعواطف، والتوقف عن التفكير بحقوق الإنسان أو رفع مستوى المعيشة أو إرساء الديمقراطية”.

نجد هنا، بعبارات أكثر وضوحاً وصدقاً، شرحاً لما يعنيه ترامب بـ”أمريكا أولاً”. لذلك لا ينبغي أن نُصدم عندما نقرأ أن “إدارة ترامب، التي جاءت إلى السلطة متعهدةً بإيقاف الحروب اللانهائية، تُعِد للاستخدام المستقبلي أسلحة تُعتبر محظورة لدى أكثر من ١٦٠ دولة. القنابل العنقودية والألغام المضادة للأفراد، وهي ألغام فتاكة معروفة بتشويه وقتل المدنيين بعد فترة طويلة من انتهاء المعارك، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من خطط حرب البنتاغون المستقبلية”.

أولئك الذين يدّعون الدهشة عند سماع هكذا أنباء هم ببساطة منافقون: في عالمنا المقلوب رأساً على عقب ترامب بريء (ولا يتم عزله)، بينما جوليان أسانج مذنب (بسبب كشفه جرائم الدولة).

إذاً مالذي يجري الآن؟

من الصحيح أن ترامب يمثل تجسيداً معاصراً للحاكم السياسي الفاحش علناً، بإزدرائه لأبسط قواعد اللباقة العامة والانفتاح الديمقراطي.

وضّح آلان ديرشويتز، أستاذ القانون بجامعة هارفارد (الداعي، ضمن أمور أخرى، إلى شرعنة التعذيب) المنطق الكامن في تصرّفات ترامب: في حال اعتقد قائد سياسي أن إعادة انتخابه تصبّ في المصلحة القومية، فإن أي إجراءات يتخذها لتحقيق غايته هذه لا يمكنها بالتعريف أن تكون سبباً لعزله. “وإذا قام رئيس بفعل ما ليتم انتخابه مجدداً، في سبيل المصلحة العامة، فلا يمكن أن يكون هذا الفعل نوعاً من إساءة استخدام السلطة، يستدعي عزله”، يحاجج ديرشويتز.

تتبلور هنا طبيعة السلطة الخارجة تماماً عن أي سيطرة ديموقراطية جادّة.

أظهرت النقاشات الدائرة حول عزل ترامب حالة تحلل النسيج الأخلاقي الجمعي المشترك، الذي يجعل الحوار الجدلي الانفعالي ممكناً: تَدْخل الولايات المتحدة حرباً أهلية أيديولوجية، لا أرضية مشتركة فيها يمكن لطرفي النزاع اعتمادها، كلّما ازداد شرح كل فريق لموقفه، أصبح من الواضح أن الحوار، حتى العنيف منه، غير ممكن.

علينا ألا نُفتَن كثيراً بالمظاهر المسرحية التي شهدتها محاولة عزل ترامب (مثل رفضه مصافحة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، أو تمزيق الأخيرة نسختها من خطابه) لأن الصراع الحقيقي ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين، وإنما داخل صفوف كلي الحزبين.

تحوِّل الولايات المتحدة نفسها من نظام الحزبين إلى نظام أربعة أحزاب: جمهوريو المؤسسة، ديمقراطيو المؤسسة، اليمين البديل الشعبوي والديمقراطيون الاشتراكيون.

وبالفعل، هناك عروض تحالف عابرة للخطوط الحزبية: لمّح جو بايدن بأنه قد يُرشح جمهورياً معتدلاً لمنصب نائب الرئيس، في حين ذَكَر ستيف بانون عدة مرات تخيّله تحالفاً بين دونالد ترامب وبيرني ساندرز.

 الاختلاف المهم هو التالي: تمكنت شعبوية ترامب من فرض هيمنتها بسهولة على المؤسسة الجمهورية (وذلك دليل صريح، في حال كانت هناك حاجة لدليل، أنه بالرغم من كل صراخ بانون ضد “النظام”، فإن إشارة ترامب إلى العمّال العاديين ما هي إلا كذبة)، بينما يزداد الانقسام داخل الحزب الديمقراطي عمقاً. لا عجب، فالصراع بين ديمقراطيي المؤسسة وجناح بيرني ساندرز هو الصراع السياسي الحقيقي الوحيد الجاري حالياً.

إذا ما استخدمنا قليلاً من المصطلحات النظرية الرطينة، يمكننا القول أننا أمام عداوتين (“تناقضين”)، الأولى بين ترامب والمؤسسة الليبرالية (وهذا ما تمحورت حوله محاولة العزل)، والثانية بين جناح بيرني ساندرز من الحزب الديمقراطي وكل الأطراف الباقية.

معركة طاحنة على الأبواب

كان السعي لعزل دونالد ترامب محاولة يائسة لاستعادة القيادة الأخلاقية ومصداقية الولايات المتحدة، ممارسة هزلية في النفاق. لهذا السبب علينا ألا نُخدع بكل الحماس الأخلاقوي لديمقراطيي المؤسسة: بذاءة ترامب الصريحة قامت فقط بإظهار ماكان دوماً موجوداً في الخفاء. معسكر بيرني ساندرز يرى ذلك بوضوح: لا إمكانية للعودة للوراء، يجب إعادة اختراع الحياة السياسية في الولايات المتحدة بشكل جذري.

لكن هل ساندرز بديل حقيقي؟ أم هل هو مجرد ديمقراطي اشتراكي، معتدل نوعاً ما، يريد إنقاذ النظام، كما يزعم بعض “اليساريين المتطرفين”؟ الجواب هو أن هذه المعضلة زائفة: شَرَع الديمقراطيون الاشتراكيون بحركة جماهيرية راديكالية، ومصير هكذا حركات لا يمكن التكهُّن به مسبقاً.

شيء واحد مؤكد: أسوأ موقف يمكن تخيّله، هو موقف بعض “اليساريين الراديكاليين” الغربيين، الذين يميلون لتجاهل الطبقة العاملة في البلدان المتقدمة، والنظر إليها على أنها “أرستقراطية عمّالية” تعتاش على استغلال البلدان النامية، وعالقة في أيديولوجيات شوفينية وعنصرية. برأي هؤلاء، يأتي التغيير الجذري حصراً من “البروليتاريين الرُّحَّل” (المهاجرون وفقراء العالم الثالث)، الذين يشكّلون العامل الاجتماعي الثوري (المرتبط ربما ببعض مثقفي الطبقة الوسطى مسلوبة الإمتيازات في الدّول المتقدمة)، لكن هل هذا التحليل متماسك؟

صحيح أن الوضع الحالي له سمات عالمية، لكن ليس بالمعنى الماوي المُبسَّط، المتمثل في التضاد بين الأمم البروجوازية والأمم البروليتارية. المهاجرون أقل من بروليتاريا، وضعهم خاص للغاية، لا يتم استغلالهم بالمعنى الماركسي، وهم بالتالي غير قادرين أن يكونوا عامل التغيير الجذري. لذلك اعتبر هذا الخيار “الراديكالي” موقفاً انتحارياً لليسار، وعليه يجب دعم ساندرز بشكل غير مشروط.

ستكون هذه المعركة قاسية، وستأخذ الحملة ضد ساندرز طابعاً أكثر وحشية بكثير من الحملة ضد جيرمي كوربين في المملكة المتحدة. إضافة للتهمة المعتادة بمعاداة السّامية، ستسخدم قائمة طويلة من التّهم المتعلّقة بالعرق والجنس: ساندرز الرجل الأبيض العجوز… فقط تذكروا وحشية هجوم هيلاري كلينتون الأخير عليه.

كل هذه الاتهامات ستُطلق على أرضية الخوف من الإشتراكية. يُكرّر نقّاد ساندرز مرّة تلو الأخرى أنه لا يمكن لبرنامج بيرني ساندرز، اليساري أكثر من اللزوم، هزيمة ترامب، وهي الغاية الأساسية للديمقراطيين. يمكننا الرد ببساطة أن رسالتهم الحقيقية من وراء هذه الحجج هي: “إذا كان الخيار بين ترامب وساندرز فإننا نفضّل ترامب”.

المصدر: RT

سلافوي جيجيك: فيلسوف وناقد ثقافي سلوفيني، قدم مساهمات في النظرية السياسية، ونظرية التحليل النفسي، والسينما النظرية. يعتبر حالياً من أكثر المفكرين شعبية على الصعيد العالمي.

علق على الخبر