لماذا يتحاشى المهاجرون العالقون على الحدود اليونانية بلغاريا؟


نشرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تقريراً عن سياسة السلطات البلغارية بالتعامل مع اللاجئين، والعلاقات التركية البلغارية المميزة، التي تجعل بلغاريا في مأمن من أزمة اللجوء.

تشتهر بلغاريا بمعاملتها القاسية للاجئين، وبجعل الحياة أكثر صعوبة على هؤلاء المنفيين من بلادهم. وتتميز بالعلاقة الجيدة بين رئيس وزرائها والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وفي ظل التهديد والابتزاز التركي للاتحاد الأوروبي في قضية اللاجئين، بقيت هذه الدولة، الواقعة جغرافياً على خط المواجهة، حصينة للغاية حتى الآن. وبينما يحاول نحو خمسة وثلاثين ألف مهاجر دخول اليونان، منذ أواخر شهر شباط/فبراير الماضي، وفقًا للسلطات اليونانية، فإن الوضع على الحدود البلغارية لا يزال هادئاً.

في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، وبعد يوم من قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسماح بعبور اللاجئين الراغبين بالتوجه للاتحاد الأوروبي، ذهب وزير الداخلية البلغاري ملادين مارينوف إلى معبر “كابيتان أندريفو” الحدودي، الذي يقع على بعد حوالي عشرين كيلومتراً من قرية “كاستانييس” اليونانية، ليجد أنه “ليست هناك محاولات لعبور الحدود، باستثناء حالات قليلة معزولة”. ومنذ ذلك الحين، لم يتغير الوضع مع استمرار تدفق المهاجرين واللاجئين إلى الحدود اليونانية.

ويمكن تفسير هذا التناقض جزئياً بإحجام اللاجئين أنفسهم عن الذهاب إلى بلغاريا، وفقًا لميلادينا مونوفا، عالمة أنثروبولوجيا في الأكاديمية البلغارية للعلوم، وناشطة في مساعدة المهاجرين. “الوضع صعب للغاية بالنسبة للمهاجرين في بلغاريا”، توضح مونوفا. وتضيف: “منذ عام 2015، كانت هناك رسالة تنتشر بين اللاجئين، مفادها أنه من الأفضل تجنّب المرور عبر هذا البلد، لأن مخاطر التعرض للضرب والسرقة على الحدود مرتفعة بشكل خاص”.

ومنذ عام 2016، أقامت صوفيا سياجاً معدنياً، مزوداً بكواشف حركة، على طول 250 كم مع تركيا. وتدافع الحكومة البلغارية عن سياسة “الهجرة الصفرية”. ففي يوم الثلاثاء الماضي، عارض وزير الدفاع البلغاري إنشاء مخيم مؤقت للاجئين في شمال اليونان، على بعد 45 كم من بلغاريا، قائلاً إن “توطين المهاجرين غير الشرعيين على الجانب اليوناني، بالقرب من حدودنا، سيخلق الظروف لزيادة التوتر”.

عنف على الحدود

يشتهر حرس الحدود البلغاري بممارساته القمعية بحق اللاجئين، والتي تتمثل بطرد المهاجرين فعلياً من الأراضي الوطنية. “استخدام شرطة الحدود المفرط للقوة والسرقة لا يزال أمراً واقعاً اليوم. والدخول غير المشروع إلى البلاد لا يزال مُجرّماً، مما يؤدي إلى الاحتجاز الإداري للمهاجرين واللاجئين، بمن فيهم الأطفال غير المصحوبين بذويهم”، تقول منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير عن الموضوع، الذي نشر في عام 2018.

وفي عام 2015، قُتل مهاجر أفغاني برصاص حرس الحدود البلغاري، في ظروف لم يتم توضيحها حتى الآن.

على الرغم من موقعها الجغرافي الذي يجعلها مدخلاً إلى الاتحاد الأوروبي، لم تكن بلغاريا يوماً طريقاً رئيسياً للهجرة. ففي عام 2016، دخل 17187 مهاجراً فقط بلغاريا، أي أقل بعشر مرات من اليونان (176906). وهذا العام، ما بين بداية شهر كانون الثاني/يناير ونهاية شباط/فبراير، ذهب 141 مهاجراً فقط عبر بلغاريا، مقارنة بـ 5854 عبر اليونان، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة.

ولفهم قلة أعداد المهاجرين على الحدود التركية البلغارية، يجب النظر للعلاقات الدبلوماسية بين صوفيا وأنقرة: في الثاني من الشهر الحالي، وعندما كانت التوترات بين تركيا واليونان في ذروتها، نشر رئيس الوزراء البلغاري بوكو بوريسوف، على وسائل التواصل الاجتماعي، لقائه مع رجب طيب أردوغان. وأوضح أمام وسائل الإعلام: “لقد اتفقنا على الحفاظ على علاقات حسن الجوار والتفاهم المتبادل والسلام بين البلدين”. “علاقة حسن الجوار” هذه هي التي ربما أنقذت بلغاريا من مصير اليونان، التي شهدت وصول المهاجرين إلى حدودها بحافلات مجانية، قادمة من المدن التركية.

طرد أنصار غولن

 تربط رئيس الوزراء البلغاري بوريسوف بأردوغان علاقة جيدة منذ فترة طويلة. واكتسب هذا الرجل  ثقة أردوغان، بشكل خاص، بعد إعادته أنصار عبد الله غولن إلى تركيا، وهم أعضاء في جماعة “الخدمة”، التي اتهمها الرئيس التركي بتنظيم محاولة الانقلاب ضده، في شهر تموز من العام 2016. “نحن نعلم، في وَسَط المدافعين عن حقوق الإنسان، أن تسليم أنصار غولن والأكراد إلى تركيا أمرٌ منهجي. لكن من الصعب تحديد العدد الدقيق،  فعمليات الإعادة الفورية هذه تتم حتى قبل أن يتقدم هؤلاء الأشخاص بطلب لجوء. بلغاريا هي الدولة الوحيدة في البلقان التي تقوم بهذا بشكل منهجي، على الرغم من أنها عضو في الاتحاد الأوروبي”، توضح مونوفا.

في المقابل، تعيد تركيا بشكل منتظم المهاجرين الذين يحاولون العبور إلى بلغاريا.

العلاقة الطيبة بأردوغان جعلت بوريسوف قادراً على التوسط مراراً وتكراراً بين رجل أنقرة القوي وقادة الدول الأوروبية. وفي عام 2018، تم بالفعل، بناءً على مبادرة بوريسوف، تنظيم قمة تجمع القادة الأتراك والأوروبيين في مدينة فارنا، على الساحل البلغاري، لإنقاذ اتفاقية الهجرة المعقودة بين الطرفين.


التعليقات