في الريحانية: جدار يفصل بين العائلات السورية


نشرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تحقيقاً عن حال النازحين السوريين في بلدة الريحانية التركية، وصعوبة عبور الحدود بين سوريا وتركيا، ما يشتت مئات العائلات. يشير التحقيق أيضاً إلى ضعف الموارد المالية المخصصة لأعمال الإغاثة.

اللاجئون السوريون، الذين عبروا الحدود من منطقة إدلب، يفصلهم اليوم جدار عن أقاربهم الذين يحاولون مساعدتهم. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، فإن وكالات الإغاثة تشير إلى نقص الموارد المالية وضعف الإرادة السياسية.

على الرغم من ابتسامته، لا يستطيع أبو أحمد، وهو سوري من حلب، إخفاء قلقه. يجلس على سريره في أحد مساكن مركز إعادة التأهيل في الريحانية، وهي بلدة تركية تقع على حدود محافظة إدلب السورية، ويواصل التفكير في عائلته. هو في تركيا للعلاج من السرطان، بينما تختبئ زوجته وأطفاله في دكان تحول إلى مسكن في بلدة سرمدا السورية، على بعد بضعة كيلومترات. ما بين أبو أحمد وأسرته، جدار يرسم حدوداً بين الأمن وواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية، بسبب حرب أودت بحياة أكثر من خمسمئة ألف شخص، وشرّدت نصف سكان البلاد في تسع سنوات. “لديّ خمسة أطفال، ولا أستطيع العمل بسبب السرطان. زوجتي لا تستطيع العمل كذلك. كما أنني أحاول مساعدة أطفال أخي الخمسة، الذي قتل قبل عام. من الصعب للغاية تحمل كل هذا”، يقول أبو أحمد راثياً حاله. ومع ذلك، فإنه يعتبر نفسه محظوظًاً كونه على الطرف الآخر من هذا الجدار.

بعد قيام النظام السوري بشن هجوم متوحش، في شهر كانون الأول/ديسمبر، ضد منطقة إدلب، آخر معاقل المعارضة، وآخر ملاذ كان من الممكن الهرب إليه، وجد مليون شخص أنفسهم منتشرين على الطرقات تحت رحمة القصف العشوائي، ينتظرون أية مساعدة يمكن أن تقدمها المنظمات الإنسانية.

الحال المرعب في إدلب امتد إلى المناطق المجاورة. عبد المنعم الصمدي وعائلته يعيشون في الأتارب، غرب حلب. قبل ثلاثة أسابيع، اشتد قصف سلاح الجو الروسي والسوري طوال الليل على هذه المنطقة. “لقد كانت نهاية العالم”، على حد وصف الصمدي. الذي يضيف: “لقد هربنا دون أن نأخذ معنا أي شيء. ولجأنا بعد ذلك إلى مخيم للنازحين في سرمدا”. وفي اليوم التالي، تمكّن الصمدي من المرور بمفرده إلى تركيا لأسباب طبية.

خيمة وموقد
استفاد الصمدي من نظام يسمح بعبور السوريين، الذين لا يمكن علاجهم في إدلب، إلى تركيا للحصول على رعاية صحية مجانية. أما عائلته فاضطرت، بعد بضعة أيام، للفرار مرة أخرى بسبب القصف. حملت عائلة الصمدي معها بضعة أغطية فقط، ما يكفي لبناء ملجأ تحت شجرة زيتون في دير حسن، في وسط أرخبيل من المخيمات، التي تستضيف مئات الآلاف من النازحين.

من نافذة سكنه، يرى الصمدي اليوم التلال التي يعيش فيها أطفاله وزوجته. كان الثلج ما يزال يتساقط عندما وصل إلى الريحانية. “إنه شعور رهيب وأمر مؤلم للغاية ألا أكون مع عائلتي”، يقول بحزن. فعائلته اليوم لا حيلة لها، مزودة فقط بفرن وموقد، وتعتمد الآن كلياً على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء. اليوم، يعيش معظم المدنيين النازحين في العراء، تحت رحمة الطقس البارد والقنابل. إنهم يحتمون حيث يمكنهم: تحت الأشجار وفي الكهوف وفي حطام السيارات.

داخل هذه المخيمات وخارجها، يوجد تضامنٌ ولكنه محدود. يقول أبو أحمد: “ليس بإمكان الجميع هناك مساعدة الجميع”. الأسعار في ارتفاع دائم ونقص المواد الأساسية يتزايد.

“في إدلب، تكلف ربطة الخبز 400 ليرة سورية (0.70 يورو)، أسرتي التي بقت هناك تحتاج إلى أربع ربطات في اليوم”، توضح لبنى (تم تغيير الأسم)، وهي سورية تعيش كذلك في مركز لإعادة التأهيل في الريحانية. ومن تركيا، تحاول لبنى اليوم الحصول على حق اللجوء في دولة ثالثة، كي تتمكن من علاج ابنها عمرو، البالغ من العمر 8 سنوات، الذي فقد بصره في آب/أغسطس من العام 2013، خلال هجوم بالأسلحة الكيميائية على الغوطة، إحدى ضواحي دمشق. وهي واحدة من جرائم الحرب التي ارتكبها نظام بشار الأسد. وفي الانتظار، تقوم لبنى بإرسال كل ما تستطيع توفيره عبر الحدود لمساعدة أسرتها. “أنا ممزقة بين الرغبة في أن أكون مع أهلي هناك، وبين البقاء هنا لإنقاذ ابني”، تقول لبنى.

على الجانب التركي من الجدار، يقدّم الأفراد المساعدة، كل على قدر استطاعته. أولئك الذين يُسمح لهم بالذهاب إلى سوريا يحاولون توزيع الضروريات الأساسية والمال. رجال الأعمال السوريون المتمركزون في تركيا يساعدون في بناء المخيمات، وإرسال فرق من العمال هنا وهناك. من مكتبه في ضواحي أنطاكية، عاصمة مقاطعة هاتاي التركية، يدين رجل أعمال سوري، لا يرغب في الكشف عن هويته، الخراب الذي تسببت به ما تسمى “حكومة الخلاص”. وهي حكومة شكلتها في إدلب هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة وفرع القاعدة سابقاً)، عندما سيطرت على أغلب المنطقة في صيف عام 2018. “قبل سيطرة “هيئة تحرير الشام”، ساعدت “غرفة تجارة سوريا الحرة” بإدلب في إجلاء الأشخاص وقدمت التبرعات. وعندما تولت هذه الهيئة الحكم، توقفنا عن تنظيم حملات التضامن”، يوضح رجل الأعمال المذكور. والسبب في ذلك يعود إلى نظام “الافتراس الاقتصادي”، وحتى النهب، الذي انتهجته هذه المنظمة الجهادية.

روح معنوية في انهيار
المنظمات الإنسانية من جانبها موجودة على جميع الجبهات. يقول فؤاد سيد عيسى، مؤسس منظمة “فيوليت” غير الحكومية، ومقرها أنطاكيا: “من بين مليون نازح، تعيش الأغلبية الساحقة في خيام أو عند الأقارب أو في العراء”. أعضاء فريق المنظمة، الذين تشرد نصفهم بسبب القتال، مشتتون اليوم والروح المعنوية منخفضة. كما اضطر بعض المتطوعين إلى إيواء أقاربهم، الذين لم يروهم منذ أسابيع. عيسى نفسه لا يخفي اكتئابه.

“الأولوية القصوى هي إنهاء هذا العنف. يمكننا بعد ذلك القيام بعملنا الإنساني”، يقول مصطفى أوزبك، المنسق الإعلامي لمؤسسة المساعدات الإنسانية IHH، المقربة من الحكومة التركية. وكانت هذه المنظمة قد أطلقت، بالتعاون مع المنظمات الأخرى، وبدعم من رجال أعمال، مشروع بناء عشرة آلاف مأوى من الطوب والأسطح البلاستيكية، بهدف حماية النازحين من المناخ القاسي. وتعمل المنظمات غير الحكومية بجد لتوفير وجبات الطعام والملابس والتدفئة.. الخ. كما تحولت المدارس والمساجد إلى ملاجئ للطوارئ. “لدينا القدرة اللوجستية والقوى العاملة. ما ينقصنا هو الدعم المالي”، يقول سيد عيسى.

وفقا للأمم المتحدة، يلزم 500 مليون دولار للاستجابة لحالة الطوارئ هذه. وفي بداية الأسبوع، وعدت الولايات المتحدة بمبلغ 100 مليون دولار. بقية المبلغ لم يتم توفيرها. يقع عبء المساعدات الإنسانية في جزء منه على تركيا، التي لديها بالفعل أربعة ملايين لاجئ على أراضيها. يقول أوزبك: “يجب على فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا العمل مع أنقرة لإيجاد حل”. ومع ذلك ولعدة سنوات، فقد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاهتمام بمصير إدلب وملايين النازحين فيها، وتركوا تركيا وحدها تواجه دمشق وموسكو، وخطر موجة لجوء جديدة.

بالنسبة للمدنيين، من المستحيل أن ينتهي بهم الأمر مرة أخرى تحت سلطة بشار الأسد. “لقد عملت في حلب مع المنظمات غير الحكومية، وكانت زوجتي معلمة. بالنسبة للنظام، نحن إرهابيون”، يقول أبو أحمد. إنه يخشى التعرض للاعتقال والتعذيب، وحتى القتل، إذا ما وقع هو وأسرته في قبضة نظام دمشق. إدلب هي الملاذ الأخير لمعظم النازحين، بينما يستعيد جيش النظام السوري البلاد.

مقاطع فيديو تتجمد لها الأوصال
وقف إطلاق النار، الذي تم توقيعه بين موسكو وأنقرة، لم يغير الوضع كثيراً. تسعى دمشق إلى حل عسكري للصراع. وسواء كانت عودة المنطقة إلى حظيرة الأسد عنيفة أم سلمية، فمن المؤكد أنه سيتم اتخاذ إجراءات انتقامية بحق المدنيين. وفي الآونة الأخيرة، تم تداول مقاطع فيديو تقشعر لها الأبدان على شبكة الإنترنت، تظهر جنود النظام يقتلون المدنيين وينبشون القبور ويعتدون على حرماتها.

لم تتردد دمشق وموسكو في ارتكاب ما يمكن وصفه بـ”جرائم حرب”، لتدمير معنويات المدنيين والمقاتلين. وعلى جانبي الحدود، يتقلب مزاج السوريين وفقًا للأنباء الواردة من الجبهة وعدد ضحايا القصف. إن وقف إطلاق النار مرحب به بارتياح، لكنه لا يحل النزاع على المدى الطويل.  “عموماً لا يريد المدنيون مغادرة بلدهم. وإذا هدأ الوضع فإنهم سيبقون”، يقول سيد عيسى. “ستكون منطقة حظر الطيران كافية. حتى لو استمرت نيران المدفعية، فسوف نكون بخير”، تقول لبنى التي شهدت بالفعل ست سنوات من القصف العنيف في الغوطة.

حتى الآن، لا تزال الحدود التركية السورية مغلقة، لكن مع التصعيد العسكري الجديد في إدلب، يتوقع الجميع في تركيا وصول لاجئين جدد. أبو أحمد، الذي يرى الجدار الحدودي من مسكنه في الريحانية، يقول: “إذا لم يهدأ الوضع، فسوف نبدأ في عبور الجدار. سيكون على تركيا إما أن تقتلنا أو تدعنا نمر. سوف نذهب مباشرة إلى أوروبا. لن نعود أبداً تحت حكم وسيطرة بشار الأسد!”.


التعليقات