كورونا والرأسماليّة والشّيوعيّة المُتخيّلة لدى “جيجيك”

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

كانت مدن العراق من أهم بؤر الأوبئة في تاريخ الدولة العثمانية، خاصة بغداد والبصرة، وبدرجة أقل الموصل والقسم الجنوبي من كردستان. حين بنى أبو جعفر المنصور مدينة بغداد اختار أسوأ مكان لها، ذلك أن التدخل البشري لوحده يمكن أن يحمي المدينة من اضطرابات نهر الفرات. وكلما كان وباء يضرب بغداد تصبح البصرة هي التالية.


منح السكان الناجون لبعض الأوبئة اسماءً، مثل طاعون “أبو جفجير” (الملعقة الخشبية) و”خاصباك” و”برسيمة”. في واحدة من هذه الأوبئة، سنة 1635، حدث تجديد طبقي فريد من نوعه. فالطاعون قضى على القسم الأعظم من سكان بغداد والبصرة، لكنه أفرز نوعاً من “الديالكتيك التلقائي” النادر.


فقد ظهرت طبقة جديدة ارتقت من قاع المجتمع إلى قمته، ذلك أن شدة الوباء قد أتت على عائلات كاملة بشكل جماعي، ولم يبق ورثة أحياء لممتلكاتها، فآلت إلى القلة الناجية، وكثير منهم فقراء ومعدمون معيشياً. وبدأت دورة جديدة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وسرعان ما كانت محنة مشابهة تواجه الجيل نفسه، الذي ورث الثروة عن طريق “منحة الطبيعة”.


أثناء وباء آخر ببغداد، سنة 1831، كان الوالي المملوكي داوود باشا من أقوى الحكام في العراق منذ قرون، وحين حلّ الطاعون لم يبق من حرسه الخاص المرهوب الجانب سوى ستة وأربعون رجلاً، لم يصمدوا أمام الوالي الجديد المحاصر للمدينة، علي باشا اللاظ، الذي كان الطاعون الصانع الفعلي لنصره الكبير، وإنهائه حكم المماليك.


يأمل المفكر السلوفيني، سلافوي جيجيك، بنصر من النوع الذي فتك بالمماليك في العراق! في مقالته التي نشرت ترجمتها في موقع “الحل”، بعنوان: “كورونا ضربة للرأسمالية قد تعيد اختراع الشيوعية”، لا تفارقه فكرة الفقير المعدم الذي ينتظر منحة الطبيعة ليرث الأغنياء الذين سيموتون مع كل ورثتهم. أو على طريقة المعجزات الدينية (خسف الأرض بأقوام ضالة.. إلخ) فهو يأمل بتحقق احتمال انتشار فيروس أيديولوجي آخر، أطلق عليه “فيروس التفكير بمجتمع بديل، يتخطى حدود الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه في أشكال التعاون والتضامن العالميين”. وأن “الوباء سيجبرنا في الوقت ذاته على إعادة اختراع جديد لشيوعية تعتمد على الثقة في الشعب وفي العلم”. مستحضراً تقنية ” النقاط الخمس المفجرة للقلب”، التي ستوجه إلى كل من النظامين الرأسمالي العالمي والشيوعي الصيني، لتخلو الساحة لبناء العالم الذي يتصوره.


ولا ينسى جيجيك التذكير بأن “الغرض ليس الاستمتاع السادي بانتشار المعاناة، طالما أنها تخدم قضيتنا، بل على العكس، الغرض هو التفكير بالحقيقة المحزنة، المتمثلة بحاجتنا لهكذا كوارث، كي تدفعنا للتفكير في السمات الأكثر بداهةً وأساسيةً لمجتمعاتنا”.


في ثنايا المقالة هناك نقص صادم للكاتب في ناحية أساسية بنى عليها كل فكرته، وهو مدى قدرة الأوبئة على إعادة تصويب العالم المختل. ولا يبدو أن جيجيك قد اطلع بشكل كافٍ على تاريخ الأوبئة عبر الزمن، رغم الفارق بين الأوبئة المعولمة في الوقت الحالي وبين الأوبئة “الوطنية” سابقاً. في الدولة العثمانية، منذ تأسيسها وحتى انهيارها، لم ينتج عن أي وباء كبير إعادة تشكيل للنظام السياسي أو الاجتماعي، إلا على نحو محدود. على العكس، لوحظ، وفق شهادات تاريخية معاصرة لهذه المحن، أن الجزء الناجي من المجتمع كان ينغلق أكثر على نفسه، ويوغل في التديّن أكثر من ذي قبل، وتتعزز النزعة “القدرية” أيضاً بسبب العجز عن فعل أي شيء تجاه الكوارث.


في وباء “طاعون جوستنيان”، الذي استمر أكثر من 200 عام، على شكل موجات متتالية بين عامي 541 – 770 م، تأثرت التركيبة الاجتماعية لمركز هذا الوباء، القسطنطينية، وأجبرت بيزنطة على تقليص طموحاتها العسكرية في ضم روما وإنهاء الحملة العسكرية المكرسة لهذا الغرض، لكن في المقابل أدت الحدود المفتوحة في ذلك الحين، شبه المعولمة قارياً، إلى تأثر المناطق المجاورة بنفس الشدة، بشكل لا يتيح ظهور مستفيدين غير خائري القوى.


في واحدة من موجات هذا الوباء، طاعون “عمواس” بفلسطين، مات أكثر من 25 ألف شخص، سنة 640 م، وفيه توفي قادة كبار في جيوش العرب المسلمين، مثل أبو عبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل، وأصاب الانهاك القوات الواصلة حديثاً إلى بلاد الشام من الجزيرة العربية.


الأمر نفسه حدث في وباء الموت الأسود في أوروبا أيضاً سنة 1347، لكنه في المقابل أدى أيضاً لزيادة التعصب الديني المسيحي، رغم نتيجة إيحابية مؤقته وهي انحسار أسواق العبيد.

أعادت مجاعة الحرب العالمية الأولى تشكيل كثير من الأمور، ومنها مطابخ دمشق وحلب نفسها، وأثرت على التركيبة السكانية، دون أن يحدث شيء مما ينتظره جيجيك في “إعادة تشكيل النظام على أسس جديدة”، حتى لو كان على مستوى محلي في بلاد الشام. على العكس، استطاعت السلطة المركزية في اسطنبول سوق أكثر من 250 ألف شاب من المنطقة إلى الجندية، في فترة المجاعة نفسها.


الأمثلة السابقة هي فقط لإظهار ضعف فكرة “جيجيك” حول فرصة إعادة تشكيل النظام العالمي بسيف “الأوبئة”، ذلك ان السلطة تكون في المجاعة كما قبلها، المحتكر الأقوى للعنف. الأمر يحدث بشكل بطيء، وفي معظم التجارب السابقة كان الوضع يتجه نحو الأسوأ بعد الوباء.


فالنظام (السلطة) يعيد تشكيل نفسه أثناء، وليس بعد، أي كارثة تصيب حدوده السياسية والاجتماعية، وهو أمر قفز عليه جيجيك ولم يضعه حتى في الاعتبار، ربما لأنه ينطلق من فكرة يسارية مبسّطة هي أن الرأسمالية في الوقت الحالي استنفذت أوراقها كاملة، وكذلك النسخة الصينية من الشيوعية. والأخيرة – أي الشيوعية الصينية –  يمتليء صندوقها المغلق بالسيناريوهات التجديدية، بوادر ذلك ظهرت خلال أزمة تفشي كورونا، مع ركوب القيادات العليا في الحزب الشيوعي موجة الاستياء الشعبي تجاه سوء إدارة مناطق الحجر الصحي، فالنظام الشيوعي هناك ما زال لديه مخزون من التأقلم، يؤهله ليدير بنفسه انتفاضة شعبية ضد الشكل القديم من النظام، بناء على صيغة جيجيك الروحية ذاتها: “الثقة في الشعب”. 


أما بالنسبة للرأسمالية، فقد ذكر جيجيك مثالاً اعتبَرَه “ليس سيئاً”، وهو تأثير الوباء على إنتاج شركات السيارات. هنا يُظهر جيجيك ضعفاً آخر في رؤيته،  من خلال النظر إلى الوباء وكأنه يعمل بشكل انتقائي، يعرّي الخدع الرأسمالية ومظاهرها الاستغلالية، وهو هنا أيضاً يبدو ممتعضاً من عوائد الربح النهائي للشركات، ليغفل عن أزمة العصر الحقيقية، وهي الرواتب المتضائلة للطبقات المتوسطة الهشة وما دونها. هناك خلل كبير في طريقة توزيع عوائد مراحل الإنتاج، يتمثل بتآكل قيمة الرواتب في العالم أجمع، مقابل حفاظ الشركات على مستوى معين من الأرباح.


لكن في المقابل، الأزمات المالية للشركات، في وضع الوباء الحالي، ستخلق معها أزمات اجتماعية. ففي خطة إصلاح واحدة لمصرف “إتش إس بي سي”، صدر قرار إعادة هيكلة مطلع شباط/ فبراير (قبل تفشي كورونا عالمياً)، يقضي بتسريح 35 ألف موظفاً حتى نهاية عام 2021. في الشهر نفسه قامت شركة السيارات الأميركية “جنرال موتورز” بتسريح 1500 عامل في تايلاند. هذا كان قبل حسابات خسائر وباء كورونا.


الصورة القاتمة ستأتي بعد ذلك، وتطرح خياراً آخر ضمن الاحتمالات، غير “معجزة الوباء الإصلاحي”، وهو أن انخفاض مدّخرات متلقي الرواتب الشهرية المنخفضة والمتوسطة، سيخلق منهم تياراً قوياً يطالب بإعادة النظام الرأسمالي إلى ما كان عليه، أو تتفجر اضطرابات اجتماعية لا يمكن التنبؤ بالشكل الذي ستأخذه لاحقاً، هذا ما لم تصل الأزمة إلى القطاع الزراعي نفسه، وحينها ستكون الكارثة الأكبر على كل فرد في العالم.


 في هذا السيناريو، أي احتمال موت الملايين، وانهيار النظام المالي جذرياً، فإن السلطة الجديدة يحتمل أن تتشكل على ميراث ما كان، وبالتالي إعادة إنتاج الأنظمة السابقة، سياسياً واقتصادياً.

 
التغيرات الكبرى التي يأملها جيجيك لن تأتي في ظروف كارثة وبائية، بل في ظروف يتوفر فيها تراكم الخبرة الانتقادية للنظام القائم وانحرافاته.


حين يسوء النظام، ويتفاقم في تغوّله، تنشأ حركة مقاومة اجتماعية – نقابية تعمل على تأديبه وعقلنته. هذا في الحالات الطبيعية، دون وجود وباء عالمي، لكن هذه ليست  النسخة الوحيدة من السيناريوهات حالياً.


هناك سيناريو معولم أيضاً، بحراك اجتماعي  لإعادة ممثلي الرأسمالية الهاربين من مسؤولياتهم، والمنشغلين بإيقاف عجلة خسائرهم،  إلى ما كانوا عليه في المرحلة الحالية، وعدم السماح لهم بالهروب تحت قناع الإفلاس المالي والخسائر.


وبحسب المعطيات الأولية عن الوضع الاقتصادي، فإن الطريقة الربحية في التفكير، وكذلك البنية الربحية للشركات والدول، ستدفعها إلى التخلي عن مسؤولياتها الاجتماعية، وتوزيع الخسائر على الجميع، بما في ذلك الشرائح الأكثر فقراً من المجتمع.


لذا، من الغريب أن لا يرى جيجيك الجانب المظلم من الصورة الشاملة. فالعالم مقبل على انفجار اجتماعي غير مسبوق، في حال تهرب الدول والحكومات من تحمل مسؤولياتها تجاه الفئات الضعيفة ومحدودي الدخل. التداعيات في النهاية ستطال الجميع، بما في ذلك احتمال تفجر ثورات في أعرق المدنيات الراسخة في العالم.


تصور جيجيك لإعادة تشكل العالم على أسس جديدة فيه جانب نبيل لا يمكن تجاوزه، لكن هل سيكون الناجون من الوباء من دعاة هذا التصور؟ 


في واحدة من القصص عن أحد أوبئة بغداد في القرن الثامن عشر، خرج رجل كردي  من أطراف السليمانية متجهاً إلى بغداد، وحين وصلها شاهد المدينة قد انقلب عاليها سافلها بسبب موجة طاعون.  عندما خرج من بلده لم يكن قد سمع بالوباء، ومع وصوله كان الوباء قد انتهى.


المختلف الآن أن هذا الشخص لن يكون موجوداً، لا أحد سيكون خارج “مدينة كورونا”. ما يهم الطبقات المتوسطة والدنيا، وجميعها سيصبح في القاع قريباً، هو عدم السماح للرأسمالية بالهروب كما يحدث الآن. والأكثر من ذلك، لا أحد من هؤلاء يفكر بالاستثمار في الوباء أيديولوجياً.

علق على الخبر

حسين جمو

حسين جمو

صحفي وكاتب. صدر له كتاب "التكايا المسلحة.. التاريخ السياسي للنقشبندية الكردية"، وله العديد من الأبحاث السياسية، ومهتم بالتاريخ الاجتماعي.