في محاولة لإنقاذ سياسته في سوريا: أردوغان يسعى للسيطرة على النفط السوري


نشرت صحيفة “المونيتور” الأمريكية تقريراً عن مساعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسيطرة على حقول النفط في الشمال السوري، ومنع القوى الكُردية من الاستفادة منها. مع تحليلٍ لأهم دوافع وغايات سياساته في المنطقة.

بعد تدخل عسكري غير مثمر في إدلب، طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اقتراحاً على موسكو، يهدف إلى حرمان الكُرد السوريين من عائدات النفط في مناطقهم، واستخدامها في تمويل مشاريع البناء التركية المزعومة في سوريا.

وافق أردوغان، في اجتماعه في الخامس من شهر آذار/مارس الحالي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على اتفاق يحافظ على مكاسب القوات النظامية السورية في إدلب، التي حققتها منذ شهر كانون الثاني/يناير، ويدعو إلى إنشاء ممر آمن يمتد بعمق ستة كيلومترات، على جانبي الطريق  السريع “M4”. وقد كشف أردوغان منذ ذلك الحين عن بعض التفاصيل المثيرة للاهتمام بشأن محادثاته في موسكو.

قال أردوغان، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إنه قدّم اقتراحاً لبوتين لانهاء سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”،التي تعتبرها أنقرة مجموعة إرهابية، على حقول النفط في كل من القامشلي ودير الزور، واستخدام عائدات هذه الحقول في تمويل مشاريع إسكانية تركية في شمال سوريا.

«في القامشلي احتياطيٌ نفطي، وكذلك في دير الزور. والإرهابيون يستغلون تلك الموارد. أمريكا لديها خطة في المنطقة، وبوتين لديه خطة في القامشلي»، قال أردوغان للصحفيين المرافقين له في رحلة عودته من بروكسل. وأردف قائلاً: «اقترحت هذا على بوتين: بفضل الإيرادات النفطية هناك، يمكننا تولي جانب البناء، إذا ما قُدم لنا الدعم من ناحية التمويل. دعنا نساعد سوريا المدمرة على الوقوف على قدميها من جديد. بوتين قال إن ذلك ممكن. يمكنني تقديم الاقتراح ذاته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. بفضل هذه الموارد سوف يكون لدينا الإمكانية لإعادة إعمار سوريا، بدلاً من السماح للإرهابيين بالاستفادة منها».

 ووسط التصعيد في إدلب، أواخر شهر شباط/فبراير الماضي، نقل أردوغان عن ترامب قوله بإنه يخطط لسحب القوات الأمريكية من سوريا، وأنه لا يرغب بإنفاق الكثير هناك. “نحن الآن في الانتظار”، علّق أردوغان.

ربط أردوغان لسياسته في سوريا بمواجهة «حزب الاتحاد الديمقراطي» (PYD)، وذراعه العسكري «وحدات حماية الشعب» (YPG)، يساعده في الضغط على نظرائه على الأرض، وقمع التساؤلات المحلية بشأن حملات تركيا العسكرية في سوريا. وقد تم تبرير عمليات «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام» في سوريا بوصفها جهوداً لمنع إنشاء “ممر كردي” على طول الحدود التركية، الأمر الذي أدى لتعرّض أردوغان لاعتراضات محلية محدودة.

وبالرغم من ذلك لم تخفق عملية تركيا الأخيرة في إقناع المعارضة فحسب، بل كذلك بعض الجهات في الجيش، بحسب تقارير. وقد تعرضت الحملة التي أُطلق عليها اسم «درع الربيع» لانتقادات علنية من كبار الضباط المتقاعدين، وأثارت الرأي العام بشأن العدد الكبير من الضحايا الأتراك.

يتجه أردوغان الآن نحو قضية النفط للتغطية على فشله في إدلب، وتجديد مشروعه في سوريا. وإضافة إلى حجته المتعلقة بـ«وحدات حماية الشعب» (YPG) و«حزب الاتحاد الديمقراطي» (PYD)، التي تهدف إلى كمّ أفواه المنتقدين، هنالك هدفان آخران لتحرّكه.

يبدو أن أردوغان يأمل بهذه التحرك دعم قطاع البناء، الذي أعطاه الأولوية دوماً، بوصفه رافعة أساسية للاقتصاد التركي. وقد تضرر هذا القطاع بشدة بسبب الأزمات التي تعرّض لها الاقتصاد التركي مؤخراً.

إضافةً لذلك يأمل أردوغان في طمأنه مواطنيه، بعد تزايد الاحتجاجات على تواجد “ضيوفه” السوريين في البلاد، من خلال إثارة احتمالية نقل اللاجئين من تركيا للعيش في سوريا.

وعمد أردوغان، قبل عملية «نبع السلام»، في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى التلويح بخطة لنقل مليوني لاجئ إلى مستوطنات الجديدة، في منطقة آمنة شرق نهر الفرات. تضمنت الخطة، بناء مئة وأربعين قرية، وعشرة بلدات، بهدف عودة مليون لاجئ في المرحلة الأولية. وقد قدّرت تكلفة ما مجموعه مئتا ألف وحدة سكنية بنحو مئةٍ وواحد وخمسين مليار ليرة تركية، أي ما يعادل ستة وعشرين مليار دولار في ذلك الوقت.

واستهدفت المرحلة الأولية للخطة المناطق الكردية مباشرةً، ما دفع النقاد إلى اتهام أنقرة بسعيها إلى تطهير المناطق الحدودية عرقياً من الكُرد، وإعادة هيكلة التركيبة السكانية المحلية، أو إنشاء “حزام عربي” ضد “الممر الكُردي”.

منح تركيا حصة في عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، مقابل قطع أنقرة الدعم الذي تقدمه للمجموعات المسلحة، وإنهاء القتال، وسحب قواتها من سوريا في نهاية المطاف، هي فكرة لجأ إليها بوتين نفسه لإغراء أردوغان. ومع ذلك، فإن اقتراح أردوغان الأخير يستهدف الكُرد بشكلٍ مباشر، ويبدو كأنه سبيلٌ لتجديد القتال. ويهدد مثل هذا الموقف بتقويض حوار القوى الكُردية مع موسكو ودمشق، بهدف الحفاظ على الحكم الذاتي الفعلي الذي أسسته خلال سنوات الحرب. أخيراً، يخرق هذا الاقتراح سيادة الدولة السورية على أراضيها، وسيطرتها على مواردها من الطاقة. وذلك بالرغم من تأكيدات أردوغان المتكررة بأن تركيا، «على عكس الآخرين»، ليست لديها مطامع في النفط السوري.

واصراراً على مقترحه يبدو أن أردوغان ينتظر الانسحاب الأمريكي، على أمل أن النفوذ الروسي سوف يجعل دمشق تستسلم بطريقة ما. وفي تعليقاته على جدوى الاتفاق التركي الروسي الأخير في إدلب قال أردوغان: «لن يعترض النظام كثيراً على أي أوامر تأتيه من روسيا»، ما يعكس رؤيته لتأثير بوتين على الرئيس السوري بشار الأسد. إلا أن العلاقة بين موسكو ودمشق تختلف إلى حدّ ما عن الطريقة التي يتصورها أردوغان.

يرى كثيرون أنه وسط العقوبات المستمرة على سوريا، فإن عملية إعادة إعمار البلاد سوف تكون مكلفة وبطيئة وصعبة دون مشاركة تركيا. إن الشراكة مع تركيا في مشاريع إعادة الإعمار ليست إلا “فائدة مرجوّة” في الخطة الروسية. وعلى أرض الواقع، قد تستسلم دمشق في النهاية للأمر مقابل انسحاب القوات التركية. ومع ذلك تحاول حكومة الأسد إصلاح العلاقات مع الدول العربية، خاصة دول الخليج، وتدّعي بأن سياسات تركيا لا تهدد سوريا فحسب، بل تشكل تهديداً للعالم العربي بأكمله. وتهدف الحكومة السورية بذلك لتأمين موارد مالية بديلة. في الوقت الحالي ليس هناك أي مؤشر على أن الحكومة السورية قد توافق على سيناريو يتم فيه توجيه عائداتها النفطية إلى مشاريع البناء، التي تساهم بدعم النفوذ التركي.

المسألة حاسمة وعلى ذات القدر من الأهمية بالنسبة لتركيا. فطالما استمرت الولايات المتحدة في وصايتها على النفط السوري، لا يمكن لدمشق أو أي جهة أخرى الاقتراب من آبار النفط. لكن إذا ما انسحبت القوات الأمريكية فسوف يجد الكُرد أنفسهم في موقف ضعيف للغاية. لذا يولون أهميةً للتوصل إلى اتفاق مع دمشق، قبل أن تصل الأمور إلى تلك النقطة. اتفاقٌ سينهي مؤسسات الإدارة الذاتية، ومن ضمن ذلك المشاركة في العائدات النفطية.

وقالت مصادر كُردية سورية إن الاتصالات مع دمشق لم تتطور بعد إلى مرحلة المفاوضات حول المسائل الأساسية. وعلى نحو مماثل، لم يتم التوصل إلى تفاهم بشأن قضية النفط. ويعتقد الكُراد أن الروس يلعبون بالورقة الكُردية، في محاولة منهم للحفاظ على وجود أردوغان على طاولة المفاوضات.

ما يزال لدى الكُرد كثيرٌ من الشكوك، ولكن يبرز سؤال واحد: كيف يمكن لروسيا أن تتوصل إلى سلام معهم، إذا فتحت مجالاً أكبر لأردوغان، الذي يسعى بدوره لإلغاء جميع المكاسب الكُردية؟


التعليقات