عفرين التي لا تشبهنا

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp


رغم مرور العديد من الأحداث خلال سنين الحرب السورية، والتي صادفت ذكراها التاسعة قبل أيام قليلة، إلا أن ثمة أمور تبقى عصية على التجاهل، نظراً للظرف التراجيدي المصاحب لها، أو لعظيم تأثيرها اللاحق، وقد تكون العملية العسكرية للجيش التركي وحلفائه من الفصائل العسكرية السورية، والتي حملت مسمى “غصن الزيتون”، قد تكون من أهم نقاط علام الحرب السورية، لما لها من تداعيات تمتد نتائجها، خصوصاً تلك المتعلقة بالتغيير الديمغرافي الفج، إلى اليوم.

كانت عفرين تشكل ثالث أركان الفيدرالية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، والتي تأسست كمشروع لمجلس سوريا الديمقراطية (الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية) في آذار/مارس من العام 2018.

استنفرت تركيا كل طاقاتها بحجة أن الطموح الكُردي هو الوصول إلى البحر المتوسط، حيث الوصول لكيان قابل للحياة، وقادت ثلاث عمليات عسكرية بدأتها بـ “درع الفرات” وسيطرت فيها على كل من الباب وجرابلس وإعزاز، حيث فصلت بذلك ضلعي الفيدرالية كوباني/ عين العرب وعفرين، أما الثانية فكانت مطلع العام 2018 تحت مسمى “غصن الزيتون” وسيطرت خلال 52 يوماً على مدينة عفرين الاستراتيجية، بينما الثالثة كانت باسم “نبع السلام”، وسيطرت بموجبها على المنطقة الممتدة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض.

النزوح الجماعي لأهالي عفرين من بلداتهم وقراهم إلى مدن الشمال السوري، وخاصة منطقة الشهباء في ريف مدينة حلب (استقبلت ما يقارب ثلث النازحين)، شكّل مشكلة عصية على الحل، حيث حوّل الجيش التركي، عفرين إلى مستقر مئات العوائل النازحة من مدن الداخل السوري، وخصوصاً أهالي ريف دمشق، والذين هُجّروا بفعل المقايضة التي حدثت بين روسيا وتركيا إبان العملية العسكرية على عفرين.

أصبحت عفرين هي المشكلة الرئيسية لشمال سوريا، وبطبيعة الحال الركيزة الأساسية لأي حل قادم في سوريا، التغيير الديموغرافي الذي يجري على قدم وساق في المدينة الكُردية، بات يمثل النموذج الأكثر سوداوية في دينامية الصراع العرقي في سوريا، فالسعي التركي المتمثل بإفراغ عفرين من أهلها، وإحلال سكان الداخل السوري مكانهم، يهدف بشكل رئيسي إلى تغيير التركيبة السكانية للمدينة ذات الغالبية السكانية الكردية الأكبر في سوريا، والتعويل على إطالة أمد الحرب في سوريا كي يصبح هذا التغيير أمراً واقعاً.

وتأتي تصريحات الساسة الأتراك في خدمة هذا الهدف، ومنها ادعاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أواخر العام 2017، أن أغلبية سكان منطقة عفرين هم من العرب، ويبدو أن المخطط التركي يسير وفق ما هو مرسوم له.


فالمدينة التي كانت ذات هوية كردية بحتة، حيث شكل الكُرد نسبة تزيد عن 95% من مجموع السكان قبيل العملية التركية، انخفضت اليوم إلى ما يقارب 20% فقط، وكانت تجمع خليطاً دينياً وعرقياً متميزاً، أصبحت اليوم ذات لون واحد، وباتت محاربة المعتقدات المخالفة أمراً معتاداً، بدليل الصور التي خرجت من داخل المدينة بعيد السيطرة عليها، والتي أظهرت الفصائل المسلحة التابعة لتركيا تستخف بالمعتقدات الدينية لسكانها الإيزيديين حيث لقنوهم شعارات دينية، واستهزأوا بدُور عبادتهم، بالإضافة لمنعهم من أداء شعائرهم الدينية، وكذا الحال بالنسبة لطوائف أخرى بعينها.

حتى آثار المدينة لم تسلم من واقعها الجديد، فتهديم الأوابد التي تثبت كردية المدينة الممتدة إلى آلاف السنين باتت السمة الأبرز لأفعال الجيش التركي والفصائل الموالية له، وكذا النبش والتجريف بحثاً عن الآثار، حتى وصل بهم الحال إلى نبش المنطقة المحيطة بمئذنة الجامع التحتاني في بلدة شيه/ الشيخ حديد، إلى أن انهارت في مطلع آذار الحالي.

من الواضح أن الحجج الأمنية التي تتحجج بها تركيا إنما تماثل تلك التي فعلتها حين هاجمت جمهورية قبرص، وسيطرت على شطرها الشمالي عام 1974″، ومن ثم إعلان جمهورية شمال قبرص، والتي لم تعترف بها أية دولة في العالم إلى الآن.


ويبدو أن تركيا تراهن على نموذج مماثل في المناطق التي سيطرت عليها في سوريا، ومنها مدينة عفرين، ويشكل الجدار الذي شرعت القوات التركية في بنائه حول المدينة أحدث فصولها، إضافة إلى تصريحات مسؤوليها التي تمهد لفرض هذا السيناريو، ومنها حديث وزير الدفاع التركي خلوصي أكار عن تبعية عفرين لتركيا، وفقاً للميثاق الملي الذي تسعى أنقرة لتطبيق بنوده، ومنها ضم مدينة الموصل، وإقليم كُردستان العراق، إضافة إلى محافظة حلب، إلى الجمهورية التركية.

في مطلق الأحوال فإن العملية التركية قد حوّلت عفرين من مدينة كانت بمثابة عاصمة اقتصادية بديلة لحلب، إلى جيب تركي لا يفيد السوريين بشيء، وليست بأي حال من الأحوال نموذجاً يحتذى لما ردده السوريون بملء حناجرهم أنهم طلاب حرية، وأن الشعب السوري واحد.

ولأن الإجماع الدولي هو الحفاظ على سوريا موحدة، فإن عفرين ستعود لأهلها الأصليين، وسيعود كذلك كل من سكن بيوتات أهل عفرين كلٌ إلى داره، وستبقى ممارساتهم بحق أهلها وصمة عار، لن ينساها العفرينيون بسهولة.

غابت عفرين عن الخطاب الرسمي للإدارة الذاتية الديمقراطية بشكل ملحوظ خلال الفترة القليلة الماضية، وخاصة بعد الحرب التركية الأخيرة على مناطق شرق الفرات، وأصبح ديدن تصريحات مسؤوليها، هو الحفاظ على ما تبقى من مناطق حكم “الإدارة” متناسين أن خسارة عفرين هي أس الهزائم التي تلته، وأنه بدون استعادتها؛ فليس من الممكن الحفاظ على أي من المكتسبات، وسيضطر المراهنون على ترك عفرين لمصيرها، أن يسمعوا مراراً مقولة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

علق على الخبر

آلان حسن

آلان حسن

آلان حسن: كاتب سوري، ينشر مقالات رأي باللغتين العربيّة والإنكليزيّة في عدد من وسائل الإعلام الكرديّة والعربيّة والدوليّة.