في العراق، مهمات مستحيلة لرئيس الوزراء الجديد


نشرت جريدة “ليبراسيون” الفرنسية تقريراً عن رئيس الوزراء العراقي المكلف “عدنان الظرفي”، والتحديات التي تواجهه في ظل الاضطراب السياسي في البلاد، وانتشار فيروس “كورونا”، والتبعات الاقتصادية لذلك.

مع ازدياد انتشار فيروس كورونا في العراق، سيواجه رئيس الوزراء المكلّف صباح الثلاثاء الماضي أكثر من كارثة، في بلد مزقته الانقسامات الداخلية والدولية.

تُظهر الصور الرسمية، التي تم نشرها صباح الثلاثاء، الوجه الجدّي لـ”عدنان الظرفي” البالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، والذي يبدو أنه يقدّر العبء الثقيل لتشكيل حكومة جديدة، في بلد تتراكم فيه الأزمات.

بات العراق مسرحاً للمواجهة المسلحة بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى موجة الاحتجاجات الشعبية الكبيرة ضد النظام السياسي، الذي تسوده الانقسامات والفساد. كما يتأثر العراق مباشرة بانخفاض أسعار النفط، مصدر دخله الرئيسي، في الوقت الذي بدأ فيه وباء فيروس كورونا ينتشر بشكل خطير على أراضيه.

الاختبار الأول الذي ينتظر  “الظرفي”، المحافظ السابق لمدينة “النجف”، والنائب في البرلمان الذي لم يشغل منصباً وزارياً من قبل، هو تشكيل حكومته في الأيام الثلاثين القادمة.

منذ استقالة الحكومة في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، تحت ضغط الشارع، لم يتمكن أي مرشح لمنصب رئيس الوزراء من الحصول على الموافقة اللازمة، لا من المتظاهرين الذين سيطروا على شوارع المدن الرئيسية، منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ولا من الأحزاب السياسية العراقية.

محمد علاوي، المرشح الأول للمنصب، في أوائل شهر شباط/فبراير الماضي، أعلن انسحابه بعد شهر من تكليفه. وعلى الرغم من جهوده الحثيثة لإقناع الشارع المحتج بنواياه الحسنة، فقد فشل في اكتساب ثقة البرلمان، الأكثر انقساماً في تاريخ العراق الحديث، أو حتى في تحقيق النصاب القانوني اللازم للتصويت.

الكتلة المؤيدة لإيران تدين التعيين

بمجرد الإعلان عن اسم المرشح انقسمت الأحزاب السياسية مرة أخرى. وقد حصل رئيس الوزراء الجديد على دعم كبير من الزعيم الشيعي المؤثر مقتدى الصدر، زعيم المجموعة الأولى في البرلمان، وكذلك على دعم رئيس البرلمان السني. وفي حين لم يكن ممثلو إقليم كردستان قد أعلنوا موقفهم بعد، عبّرت ميليشيات «الحشد الشعبي» الموالية لإيران، والتي تشكّل المجموعة البرلمانية الثانية، عن معارضة شديدة لتعيين ظرفي.  فقد ندّد التكتل المؤيد لإيران بهذا التعيين معتبراً إياه «غير دستوري»، ووعد «بفعل كل شيء لمنع هذا العمل غير القانوني».

وقد بدت بشكل جلي، في الأسابيع الأخيرة، قدرة الأحزاب والميليشيات العراقية المدعومة من إيران، عسكرياً وسياسياً. فازدادت الهجمات الصاروخية على قواعد تمركز «قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب»، ما دفع الجيش الأمريكي لشن عمليات انتقامية جوية ضد مواقع هذه الجماعات شبه العسكرية. وصباح الثلاثاء الماضي، سقطت عدة صواريخ أخرى على قاعدة “بسماية”، جنوب بغداد، حيث تتمركز قوات التحالف الدولي وقوات الناتو، دون وقوع إصابات.

ويبقى ملف وجود القوات الأمريكية في العراق أحد الأولويات التي يجب على رئيس الوزراء الجديد إدارتها، إذا تمكن من التغلّب على عقبة التصويت في البرلمان. فبعد اغتيال الجنرال الإيراني القوي “قاسم سليماني”، مبعوث طهران إلى العراق، بضربة أمريكية في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي، دعت غالبية أعضاء البرلمان السلطة التنفيذية إلى طرد القوات الأجنبية بقيادة واشنطن، وهي القوات التي جاءت في عام 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”.


 وتستمر المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية، عبر الحلفاء المحليين لكلّ منهما.

صدمة نفطية جديدة

في هذا السياق من التوتر الشديد فإن وباء كورونا، الذي بدأ في الانتشار في العراق، يفرض تحديات صحيّة هائلة، ولكن كذلك تحديات سياسية واقتصادية على حكومة جديدة محتملة. ففي يوم الثلاثاء الماضي، تم تسجيل 154 إصابة، وحالة وفاة واحدة فقط، وفقا لوزارة الصحة العراقية. وتم فرض حظر تجول بالفعل، لمدة أسبوع، في بغداد والمدن الأخرى.

وإضافةً للمشاكل التي تواجهها جميع الدول الأخرى المتضررة من هذا الوباء، فإن العراق يعاني من فشل النظام الصحي، الذي يعاني، مثله مثل الخدمات العامة الأخرى، من الفساد وعدم كفاءة الإدارة.


إضافةً لذلك، فإن صدمة النفط الجديدة، التي تسببت بها أزمة هذا الفيروس، لها عواقب اقتصادية وخيمة بالنسبة للعراق، مصدر أوبك الثاني للنفط، والذي تأتي موارده بنسبة أكثر من 90٪ من مبيعات النفط الخام. وبالتالي، فإن انخفاض الطلب الصيني على الهيدروكربونات، إضافةً لحرب الأسعار بين السعودية وروسيا، سوف يأتي على الميزانية العراقية، في وقتٍ الدولة فيه بأمس الحاجة إلى تلبية احتياجات الأزمة الصحية، وتحقيق السلام الاجتماعي.

في مواجهة هذا الكم من التحديات هل سيدخل رئيس الوزراء “ظرفي” التاريخ باعتباره الشخص الذي سيُخرج العراق من الاضطراب؟ أم سيتم نسيانه في غضون أيام أو أسابيع قليلة، بعد الفشل مرة أخرى؟ تبدو الرهانات الأكثر تشاؤماً هي الأكثر واقعية للعراقيين.


التعليقات