عندما خصّصت المدينةُ ساعتينِ لمسنّيها

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

سرقتُ ساعتين من يوم الخميس ١٩ آذار ٢٠٢٠، كي ألتقي في الطريق بصديقتي التي ستمدني ببضع كمامات تكفيني عدداً محدداً من الرحلات القريبة التي سأجتازها سيراً  على الأقدام بعيداً عن الحافلات العامة وترامات الطريق الحمراء.

خرجتُ من المنزل متوترة كمن يخرج تحت وطئة الحرب متوجساً من قذيفة أو رصاصة طائشة تخطفك قبل أن تختبئ. تخالجني المشاعر نفسها هذه الأيام، القصف والكورونا، يشكلان لدي نفس الشعور عندما أمشي في الشوارع الخالية، ولا بد أن موروثي السوري الحديث لايزال يثقل كاهلي.

لم تكن إلا بضعة خطوات قبل أن أعي أنني لستُ وحيدة، وأنني محاطة بـ #كبار_السن في الطريق، تنبهتُ إلى أنني خرجت في الوقت المخصص لهم، فقد تم إعلان قانون جديد في #تشيكيا، بعد فرض الحجر الصحي على المدينة بأكملها، يقضي بتحديد الأوقات التي يقوم فيها كبار السن بشراء حاجاتهم اليومية.

ولا يسمح لمن هم تحت الخامسة والستين، بالتسوق في هذا الوقت، يهدف هذا الإجراء إلى تسهيل حياة المسنين الذين يتوجب عزلهم هذه الأيام عنا، حرصاً على صحتهم ولحمايتهم من فيروس (#كورونا) قد لاتقوى أجسادهم على مقاومته_ هذا ما تشير إليه الدراسات الأولية_.

أخذَت خطواتي تتباطأ، وبدأتُ أشعر بسكينة لم ألمسها من قبل في شوارع براغ، العاصمة الجميلة التي تعج بالسياح والأطفال والأمهات، والضاجّة بالحياة الصاخبة على مدار الساعة، في الليل وفي النهار.

توقف الزمن برهة، وأصبحت مدينة للمسنين. يتحركون ببطء، يتفقدون أكياسهم، ينتظرون حافلاتهم، يسيرون على مهل.

حرصت على إبقاء مسافة الأمان بيني وبينهم، لكنني وددت أيضاً لو ننزع أقنعة وجوهنا، وددت لو أنني أقترب أكثر كي أحمل أكياسهم الثقيلة، وأوصلهم إلى منازلهم الفارغة، كي نتحدث قليلاً في الطريق، لكننا اليوم وقد شارفنا على بلوغ الـ ٧٠٠ إصابة في تشيكيا، ومع زدياد الإصابات، لا بد أن نترك مسافة واضحة مفتعلة بيننا.

لم أعش يوماً يشبه هذا اليوم بعد، لا تزال الحياة قادرة على ترتيب المفاجآت ورميها في وجوهنا، مرة على هيئة قذيفة وأخرى بقوام #فيروس.

نجتاز كل المحن بالنظر ملياً إلى ما فقدناه عندما كنا نجري بحثاً عن الحياة. لن تكون الحياة عادلة معنا، ولا يمكننا أن ننظر إليها بهذا الشكل أو أن نتوقع منها الإنصاف عند أي عتبة نجتازها، ولا يمكننا أن نعلق آمالنا على ما لايمكن أن يعول عليه.

لكننا يمكن أن نلمسها بأوجه مختلفة، تشبه يوماً تحولت فيه المدينة الصاخبة، إلى مدينة مسالمة، يجتازها أهلها على مهل، بربطات وأغطية وجوه مختلفة تحميهم_ولو نفسياً_من التقاط العدوى التي يمكن أن تكون الأخيرة في حياتهم، هم سكانها الأضعف الذين عبروها اليوم بصمت خفيف. فأسدلوا فوقها طمأنينة، في وقت يعمه القلق.

 تمكن مسنو براغ من اجتياز عتبة الخوف غير عابئين ببقية العابرين، فلديهم ساعتان يعيشونهما على مهل في ظل الكارثة.

علي حبيب شريم- براغ ١٩ آذار ٢٠٢٠



علق على الخبر

زينة قنواتي

زينة قنواتي

صحفية سورية، كاتبة قصة قصيرة وقصص الأطفال، ناشطة نسوية.