احتياجاتُهم خاصّة وقدراتهم ومواهبهم أكثر خصوصيّة


كل شخص منا، مهما كانت إمكانياته ومتطلباته، يحتاج في وقت ما من حياته لبعض الدعم، مادياً كان أو معنوياً. وفي ظل الأزمات والحروب تزداد الحاجة للدعم والتأهيل على نطاق أوسع، نسبة لتضرر فئات أكبر من المجتمع. يسلط هذا التقرير الضوء على بعض النماذج المشرقة من ذوات وذوي الاحتياجات الخاصة السوريين، الذين استطاعوا بفضل قدراتهم ومواهبهم أولاً، ودعم عائلاتهم وبعض المنظمات المعنية ثانياً، من الانخراط بسوق العمل ودخول محترفات الفنون وتشجيع غيرهم على المضي قدماً رغم العثرات التي تعترض طرقهم.

“نوهات رضوان”
اتسع أفق الشابة العشرينية، بعد مشاركتها في العديد من معارض الفن التشكيلي التي أقيمت في مدينتها “#القامشلي” شمالي شرقي سوريا،  فتفوقت بموهبتها في الفنون اليدوية كتصميم العرائس والحُلي، والحياكة، والمنسوجات الصوفية، والأشغال اليدوية. أما #الرسم فيبقى الأقرب إلى قلبها، ورغم أنها بكماء، تعبر الفنانة من خلال الرسم عن أحاسيسها وتحولها إلى صور نابضة بالحياة والصوت والجمال.

لم تدخل “نوهات” يوماً مدرسة لتعلم الرسم، لكن لوحاتها وشت بموهبتها الفنية، فجسدت بريشتها مواضيع عدة، منها من الواقع المعاش ومنها من مخزون الذاكرة ونسج الخيال، كما أولت “نوهات” للحرب السورية ومآلاتها، كقصص الهجرة والنزوح، و #ضحايا_الحرب من #النساء والأطفال، مساحة من لوحاتها، وبين الحين والآخر تأخذها ريشتها في رحلات إلى عالم قصص الحب المليئة بالحياة.

تقول والدة “نوهات” لـ “الحل نت” إن ابنتها أحبت الرسم منذ نعومة أظفارها، ولم تترك مساحة فارغة أو جداراً أو ورقة، في منزلهم، إلا ورسمت عليها مشاهد في حياتها اليومية، كما تفننت برسم الشخصيات الكرتونية المحببة لها على الفلّين.

لم تتردد “نوهات” بالمشاركة في #المعارض الفنية والمهرجانات السنوية التي تقام في القامشلي، تضيف والدتها: “تحلم ابنتي بعرض لوحاتها مستقبلاً في معارض عالمية”.

نوهات

“مها محمد”
«التحدي بات الخبز اليومي للواقع»، تقول “مها”، خياطة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد ترجمته في تصاميم الثياب الشعبية التي تفردت في حياكتها بمهارة.

كانت الشابة في الـ 11 من عمرها، عندما فقدت القدرة على المشي إثر تعرضها لالتهاب حاد في الأعصاب، لكن هذا لم يقف عائقاً في وجه إنتاجيتها وإبداعها.

تفوقت “مها” على والدتها التي علمتها خياطة الثياب في مدينة “تربسبية ” شرقي القامشلي، واتخذت منها مهنة بعد تعديل ماكينة الخياطة إلى يدوية لتلائم وضعها الصحي.

في حديثها لـ “الحل” لم تخف “مها” ذات الـ33 عاماً حقيقة أن الكثيرات من النساء ذوات الاحتياجات الخاصة، يعانين من قلة الثقة بأنفسهن، فالثقة تنبع من مساندة الأهل والمحيط الاجتماعي، موصية العائلات بمساندة بناتهن خاصة إن كن بحاجة لدعم خاص تبعاً لوضع صحي، «كما ساندتني عائلتي».

«أنا أستطيع أن أصنع المستحيل»، شعار “مها” لمواجهة التحديات الكبيرة والعقبات والتي جعلتها «أشد  صلابة وأكثر عزيمة وإصراراً على النجاح، ومواصلة مسيرتي لأثبت للجميع أنني لا أختلف عن الآخرين بشيء». وفق وصفها.

تتزود “مها” بعبارة أمها “أمونة”، يا جبل ما يهزك ريح، كوقود يزيدها همة ونشاطاً وتؤكد أن «ما زرعته أمي في حياتها العملية من ثمار، أقطفها أنا اليوم، فهي علمتني الدروس الأساسية في الخياطة وأنا تفننت في تصميم الأزياء بما يناسب كل الأذواق».

تعمل “مها” بجد الآن لتتمكن من افتتاح متجر ثياب يحمل اسمها، وترغب بتعليم الخياطة للفتيات الراغبات. وتختتم حديثها لـ “الحل نت” بالقول: «أسعى متأملة أن أؤسس، يوماً ما، ماركة عالمية تحمل أسمي في عالم الأزياء».

مها

“حسن” و”أورها”
إرادة كل من “حسن” و”أورها” انتصرت لهما وللإبداع الكامن في داخليهما، بعد انضمامهما لبرنامج #الأمم_المتحدة الإنمائي، لـ #ذوي_الاحتياجات_الخاصة في سوريا.

يقول “حسن” ذو الـ 36 عاماً لـ “الحل نت”، والذي أصيب بشلل الأطفال وفقد القدرة على المشي: «كنت مستاءاً لعدم قدرتي على إيجاد عمل يعيلني وعائلتي في هذه الظروف بسبب حالتي الصحية، فانضممت لبرنامج الأمم المتحدة للتدريب المهني لذوي الاحيتاجات الخاصة، في مجال إصلاح وصيانة الهواتف النقالة، وأصبحت لدي اليوم مهنة، أعتاش منها وعائلتي، وجعلتني شخصاً سعيداً ومنتجاً في مجتمعي».

                                          حسن

 

تشارك”أورها” بدورها، “حسن” في قطاف ثمار النجاح، بعد تلقيها التدريب في الورشة الإنمائية للحرف اليدوية، لذوي\ذوات الاحتياجات الخاصة في مدينة الحسكة، حيث أبدعت في صناعة الحليّ والشموع.

تقول “أورها” ذات الـ 30عاماً والتي تعاني مشاكل سمعية لـ “الحل” والتي إنها كانت في السابق، تتجنب الاختلاط مع الناس وتفضل البقاء في البيت، لكنها أدركت بعد عملها في الورشة، وتعرفها على العديد من الأصدقاء، أنها قادة على الإنتاج، لاسيما بعد أن عرضت منتجاتها للبيع في متجر “نورسين”، للشموع والأكسسوار، التابع لمشروع الأمم المتحدة.

                             أورها

رأي أهل الاختصاص
تقول أخصائية الصحة النفسية والتنمية الاجتماعية “بثينة علو” إن دعم ذوي الاحتياجات يبدأ من المنزل ويحتاج بعض الصبر والعزيمة وتشير في حديثها لـ “الحل نت” إلى أن «العالم يتغير وتتغير معه المفاهيم، فلم يعد من الممكن استبعاد ذوي\ذوات الاحتياجات الخاصة عن مواكبة الحياة العملية بحجة أوضاعهم الخاصة، وهو ما ترتب عليه احتياج هؤلاء إلى توجيه ومساعدة في صقل مواهبهم للمشاركة الفعالة، واستغلال طاقاتهم لخدمة أنفسهم ومجتمعاتهم».

بحسب تجربة “علو” فإن الكثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة، يمتلكون قدرات مميزة ومواهب واعدة، غير أن هذه الإمكانات تحتاج إلى من يرعاها ويضعها على الطريق الصحيح، وهنا يأتي دور الأسرة والمؤسسات المجتمعية والحكومية لتولي هذه المهمة.

بدوره، يرى أخصائي الصحة النفسية، “آرام حسن”، أن الرعاية الأولية في المؤسسات، تطورت خلال السنوات التي سبقت الأزمة السورية، من حيث تعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعادة تأهيل من تعرض لإصابة في سن متقدمة وتسببت له بمشكلة صحية منعته من مزاولة عمل ما.

ويضيف الأخصائي: «بفضل التعليم وإعادة التأهيل، ازداد إصرار ذوي الاحتياجات الخاصة على دخول سوق العمل، لتطوير أنفسهم أولاً، ولتشجيع باقي أفراد هذه الشريحة على العمل والإنتاج.»

وأشار “حسن” إلى اهتمام الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى، بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة قائلاً: «أهم ما اسفرت عنه السنة الدولية لذوي الاحتياجات الخاصة 1981، هو برنامج العمل العالمي المتعلق بهم، والذي اعتمدته الجمعية العامة بموجب قرارها 37/52 المؤرخ 3 كانون الأول/ديسمبر 1982، مشدداً على حق ذوي الاحتياجات الخاصة في التمتع بفرص متكافئة مع تلك التي يتمتع بها سائر المواطنين».

وأسفرت الحرب السورية على مدى السنوات التسع الفائتة عن مئات آلاف المصابين، منهم من أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدرت منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية لذوي الاحتياجات الخاصة، قبل ثلاثة أعوام، وقوع ثلاثين ألف مصاب كل شهر، بسبب الحرب في سوريا، وأن الحرب خلّفت مليوناً ونصف المليون مصاباً بـ “إعاقات” دائمة من أصل ثلاثة ملايين شخص، أصيبوا منذ اندلاع الحرب.

من أعمال أورها

 

من أعمال نوهات


التعليقات