بغداد 22°C
دمشق 18°C
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020

صراع العروش


خلال الأعوام التسعة الاخيرة، عملت طهران على تعزيز اتصالاتها مع لاعبين إقليميين ودوليين أساسيين، من ضمنهم تركيا التي كانت ولا تزال تتشارك معها في دوائر منافع اقتصادية، سياسية وإيديولوجية كبيرة خصوصاً على المستوى الإقليمي.

لكلا الإدارتين الإيرانية والتركية مشاريع متناقضة في التصميم ومتطابقة في الهدف، فالأولى عملت وتعمل على تصدير ثورة شيعية ايديولوجية، والثانية عملت وتعمل على تصدير نموذج حكموي سياسي واقتصادي والهدف واحد وهو السيطرة السياسية والاقتصادية على منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. فإن كانت المصالح تجمع المتخاصمين فإن الخوف والعداء الأيديولوجي للقوى الدولية يقوي روابط التشارك.

هناك مجموعة معقدة من الأسباب التي تدعي إيران لتجنب المواجهة المباشرة مع تركيا، فالأخيرة كانت دائما داعمة للنظام الإيراني في الأوقات الصعبة، منذ الحرب الايرانية العراقية في الثمانينيات، حتى فتح الحدود أمام التجارة الايرانية للالتفاف على العقوبات الدولية منذ عام ٢٠١٢.  وان كان أهم ما يجمع الطرفين عدائها للعرب والكرد، فقد عملت كلتاهما على الوقوف بشراسة أمام استفتاء الاستقلال في اقليم كردستان،  كما عملت تركيا على الدفاع عن طهران بعد الهجمات على منشآت أرامكو النفطية في شرق المملكة في سبتمبر من العام الماضي.

استفادت إيران من العلاقة المميزة مع تركيا في عدة مناسبات في نشر مشروعها في المنطقة، ففي الوقت الذي كانت فيه انقرة تسعى الى الانعتاق من سطوة موسكو الاقتصادية عليها، وحلمت مع شقيقتها إيران في مشروع مد خط الغاز الإيراني التركي من بحر قزوين الى أوروبا، ظهرت القوة الروسية من تحت الرماد لتسقط هذا الحلم، ولتستطيع إفشال المشروع بإخراج ايران منه متحسرة متألمة.

وتزيد روسيا من استحكام قبضتها على الطاقة التركية، ولتتطور العلاقة إلى اضطراب مع رفيقي استانة اللذين باتا يلعبان على أوتار ثنائية افضت الى اتفاق ادلب الأخير، الذي أجبرت وريث قاسم سليماني الجنرال إسماعيل قاآني لزيارة حلب كدليل على تصميم إيران على تعزيز مكاسبها التي طالما ناضلت من أجلها في مواجه الإيقاع الروسي، وانها سوف تؤكد إبراز قوتها واهتمامها بمدينة بحجم حلب لتكون احدى المدن الدائرة في فلكها.

تجلى فصل المواجهة المقنعة بين إيران وتركيا عندما ضربت الغارة الجوية السورية القوات المدعومة من تركيا في محافظة إدلب في يناير الماضي، والذي أسفر عن مقتل ٣٣ مقاتلا تركيا، شددت إيران على تهدئة التوتر وكبحه في إدلب. كما دعت جميع الأطراف إلى اللجوء إلى القرارات التي اتخذها رؤساء عملية أستانا واتهمت الولايات المتحدة بإدخال أنقرة في الفخ السوري.

في غضون ذلك ، دعت أنقرة إلى عقد قمة جديدة لإيران وروسيا وتركيا في إطار قمة أستانا و لتفتح أنقرة الحدود لتدفق اللاجئين السوريين للتوجه إلى أوروبا. وبذلك ، حاولت إجبار حلفائها من دول حلف شمال الأطلسي على الضغط على روسيا من أجل تغيير سياستها في سوريا.

مرة أخرى وكالعادة ، أدانت روسيا الغارات التركية ، لكن التقاربات البراغماتية  في محور استانة  تفوق الاختلافات. لذلك ، لا عجب أن نرى التسامح الايراني التركي عن القتلى من الطرفين وكيف أن المساعدة الروسية لدمشق تقلصت بشكل ملحوظ. علاوة على ذلك ، تم التوصل إلى اتفاق للحد من التوتر في إدلب عندما التقى الرئيس التركي مع نظيره الروسي في موسكو في مارس 2020.

إن سوريا هي المعقل الأهم في العلاقات التركية الايرانية، فمن المحتمل أن ينتهي الأمر بموسكو بالسيطرة الوحيدة على سوريا، بعد أن تطرد كل من  تركيا وإيران – خصمها الإمبراطوريتان التاريخيتان – من بلاد الشام. الأمر الذي سوف يؤدي الى عدة سيناريوهات منها منع حرب سورية – اسرائيلية وربما اتفاق سلام، واحتمال يصل حد الحتمية في إعطاء المزيد من الحقوق للشعب الكردي في سوريا وهذا طبعا قلق جوهري بالنسبة لطهران كما لانقرة حتى لا يمتد الى مناطقها الكردية في حال لم تستطع تركيا من الإيفاء في ملء فراغ السلطة في شمال شرق سوريا.

وبالتالي لم يكن مفاجئاً بمجرد ان كشفت تركيا عن نيتها بالتدخل في الشمال الشرقي حتى اعلنت ايران مناورات عسكرية تحت شعار “هدف واحد …. رصاصة واحدة” في المنطقة على بعد ٢٠ كيلو من الحدود السورية التركية، وان كان بدى انه طمع  إيراني في السيطرة على منبج، لكن لمرة جديدة كان الدب الروسي صاحب الخطوة الاسرع والاقوى في الموقف

اليوم اذا كان خيار التهدئة والعودة الى حضن الناتو محتملاً لتركيا، فان إيران اليوم لا تملك الأموال لمواصلة شن الحرب في سوريا، حيث أن ميزان المدفوعات الخارجية الايراني في سوريا، لبنان، العراق واليمن يتجاوز ٦٠٪ من ميزانية دعم الاسعار الداخلية سنوياً.

ففي سوريا وحدها انفقت ما يقارب ٤٨ مليار دولار أي ما يعادل اربع اضعاف ميزانية الدفاع الايرانية، كما ينفق النظام الايراني حوالي ٧٠٠ مليون دولار سنوياً دعماً لحزب الله اللبناني،  بينما ينفق النظام الإيراني حوالي 700 مليون دولار سنويًا على ميليشيات حزب الله في لبنان.

اليوم ومع العقوبات الاقتصادية المشددة من الولايات المتحدة على إيران واذرعها في الشرق الأوسط، أفريقيا وأمريكا الجنوبية، واستحواذ روسيا على الموانئ وعقود الغاز والفوسفات والمعادن في بحر قزوين وسوريا، وحصر النفط بمناطق قوات سورية الديمقراطية، بات من المؤكد أن طهران لا تستطيع الاستمرار في ارفاد حلفائها بالمال كما كان قبل قطع الإمداد من شبكات تبييض الأموال في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، والقوات العسكرية الموالية تعيش تحت الاستهداف العسكري المباشر والمتكرر في سوريا وفي العراق.

فعليه و بالربط مع مادتي السابقة “رقصة الذئاب والدببة”  يسعني القول أن أحلام الإمبراطوريات العثمانية والفارسية وصلت الى نهايتها واننا نشهد المرحلة الاخيرة من تدهور مشاريعهم في المنطقة.


 


التعليقات