بغداد 33°C
دمشق 23°C
الأحد 27 سبتمبر 2020
العلم الليبي

«حتى النحاس سرقناه من المنازل»… مرتزقة سوريون يتحدثون عن قتالهم في ليبيا


عندما اقترب الجيش الوطني الليبي من طرابلس في شهر نيسان من العام الماضي، دعت حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، تركيا لتقديم الدعم العسكري. فبدأت القوات التركية في تجنيد مقاتلين من فصائل الجيش الوطني السوري للقتال نيابة عنها، وأرسلت المئات منهم إلى ليبيا بشكل أسبوعي. 

العدد الدقيق للمسلحين السوريين الذين أرسلتهم تركيا غير معروف، لكن التقديرات تتراوح بين خمسة إلى سبعة عشر ألف مرتزق. ولا تزال الرحلات الجوية التي تحمل سوريين إلى ليبيا مستمرة على الرغم من جائحة فيروس “كورونا”.

 

اعتراف

«لقد عدت لتوي من ليبيا. لكنني كنت أحاول فعل ذلك منذ أكثر من شهر المغادرة دون جدوى»، يقول زين أحمد (تم تغيير الاسم لأسباب أمنية)، أحد عناصر الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في عفرين.

أحمد عضو في أحرار الشرقية، وهو أحد فصائل الجيش الوطني السوري سيء السمعة بسبب معاملته السيئة للمدنيين وميله إلى محاربة الفصائل الأخرى في المناطق التي يغزوها. 

وكان أحمد يقيم في عفرين مع الفصيل منذ عملية تركيا “غصن الزيتون” في العام 2018، حيث أدى الغزو التركي للمدينة إلى مقتل مئات المدنيين وتشريد مئات الآلاف. وفصيل أحرار الشرقية متهم بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق في المدينة، بما في ذلك النهب والقتل والخطف والاغتصاب المتواتر.

وعندما سئل عما إذا كان يؤمن بمهمة تركيا في عفرين، ضحك أحمد قائلاً: «كنت مرتزقاً ذاهب إلى عفرين، وكنت كذلك عندما ذهبت إلى ليبيا. لا يوجد جهاد! انتهى الجهاد عندما خسرت المعارضة السورية حلب لصالح الأسد في عام 2016. ومن بعد حلب، بات الأمر مجرد أموال بالنسبة لنا. نحن لا نهتم بمن نقاتل».

وكانت قد انتشرت فظائع أحرار الشرقية إلى ما بعد عفرين عندما أطلقت تركيا، في شهر تشرين الأول الماضي، عملية “نبع السلام” في شمال وشرق سوريا. حيث أوقف مسلحو أحرار الشرقية سيارة زعيمة حزب المستقبل السوري “هفرين خلف” عند نقطة تفتيش قاموا ببنائها على طول الطريق السريع M4 في سوريا. وأخرج المسلحون خلف من سيارتها، وضربوها بشدة وسحبوها من شعرها، وأطلقوا عليها النار خمس مرات. وقاموا بعد ذلك بنشر مقاطع الفيديو لعملهم الشنيع هذا على حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي.

رفض أحمد التعليق على اغتيال هفرين خلف أو أي من جرائم الحرب الأخرى التي ارتكبت في الآونة الأخيرة واتهمت بها الفصائل  التي تدعمها تركيا. ويقول أحمد: «أعرف أن الفصائل ارتكبت أعمال سيئة في عفرين عندما دخلنا المدينة، لكنني لم أفعل ذلك بشكل شخصي مطلقاً. لم أنهب أبداً عندما كنت في عفرين، لكنني نهبت عندما كنت في ليبيا. كلنا فعلنا ذلك، عندما توقفوا عن الدفع لنا».

 

السرقة بدل الراتب

وكان المتشددون السوريون قد وعدو في ليبيا برواتب تتراوح بين 2000 و3000 دولار شهرياً، لكن التقارير والشهادات من المسلحين في عدة فصائل تشير إلى أن حكومة الوفاق الوطني لم تدفع لهم كما وعدت. 

ويقول أحد أعضاء فرقة الحمزة أنه يتلقى 2000 دولار كل شهر ونصف بدلاً من كل شهر. وأكد بعض أعضاء فيلق المجد الذين كانوا في ليبيا منذ أكثر من ثلاثة أشهر أنهم تلقوا رواتبهم لمرة واحدة ولم يدفع لهم بعدها.

«قالوا لنا أنه سيدفع لنا 3000 دولار في الشهر، لكن لم يحدث ذلك قط. ففي الشهر الأول، حصلنا على 2000 دولار. وفي الشهر الثاني، أعطونا 1400 دولار. وفي الشهر الثالث لم نتقاضى أجورنا على الإطلاق. لذا نهبنا وأخذنا أي شيء يمكن أن نجده من الذهب أو أي شيء قيِّم يمكننا العثور عليه، حتى النحاس سرقناه من المنازل. وأخذ الليبيون الذين كانوا معنا المواد وباعوها لنا»، يقول أحمد مسترسلاً.

ويبين عنصر من فرقة الحمزة أن مسلحاً ليبياً ينتمي إلى حكومة الوفاق الوطني كان يأخذ المقاتلين السوريين إلى المتاجر في طرابلس حتى يتمكنوا من بيع بضاعتهم المسروقة. ويضيف قائلاً: «كان بعض المقاتلين ينهبون بدلاً من القتال. في الواقع، قُتل العديد من مقاتلينا لأنهم كانوا يسرقون من المنازل بالقرب من الخطوط الأمامية، وكانت قوات حفتر تكمن لهم وتقتلهم».

ويقول هلال هشام (تم تغيير الاسم)، وهو رجل أعمال في طرابلس ولديه صديقان يمتلكان متاجر يرتادها المسلحون السوريون، بهذا الخصوص: «حاول أحد أصحاب المتاجر الاتصال بالشرطة عندما جاء المرتزقة السوريون في المرة الأولى. كان من الواضح أن موادهم مسروقة، لكن بالطبع لم تفعل الشرطة شيئاً. إنه حكم الميليشيات في طرابلس. أصحاب المتاجر ليسوا سعداء بوجودهم، لكنهم مطالبون بالتعامل معهم». ويشير هشام إلى إنه لم يسمع أن المسلحين السوريين يتعرضون جسدياً للمدنيين. ربما لأنهم أدركوا أن الجميع في طرابلس مسلح.

 

وعود لم تتحقق

يوضح أحمد أن معظم الوعود الأخرى التي تعهدت بها القوات التركية لعناصر الجيش الوطني السوري لم تتحقق، ويقول: «أخبرونا أولاً أنه إذا بقينا وحاربنا لمدة ستة أشهر، فسوف نحصل على الجنسية التركية، لكن كل ذلك كان أكاذيب. كما قالوا لنا إذا مات أحدنا في القتال في ليبيا، فستحصل عائلاته على الجنسية التركية. الآن وقد مات الكثير من السوريين في ليبيا، نعلم أن هذه كذبة أخرى. فعندما قُتل أحد أعضاء أحرار الشرقية في المعركة في شهر شباط الماضي، مُنحت أرملته في عفرين حوالي 8000 دولار. وبالطبع، لم تحصل على الجنسية التركية. وهي تعيش اليوم في مخيم في سوريا بدون معيل».

ومن جهة أخرى، يبين أحمد أن القادة الأتراك الذين أطلعوهم على مهمة ليبيا لم يصفوا المخاطر التي سيواجهونها، ويتابع موضحاً: «قالوا لنا إن القتال سيكون طفيفا وأن ذلك سيكون أكثر أماناً وأسهل من القتال في سوريا. الشهر الأول فقط كان كذلك، كان عظيماُ». فبعد وصوله إلى ليبيا، بقي أحمد في منزل في طرابلس مع عشرة مقاتلين سوريين آخرين ومتشدد ليبي رافقهم كلما غادروا المنزل. وكان المنزل عبارة عن فيلا مجهزة تجهيزاً جيداً. ومن شبه المؤكد أن أصحابها الشرعيين تركوها عندما اشتدت الاشتباكات واقتربت أكثر.

لكن وبعد عدة أسابيع، بدأت معارك عنيفة، واضطروا إلى الانتقال إلى صلاح الدين. ويقول أحمد: «إن الوضع كان أسوأ مما كان عليه في سوريا. سقطت الجثث في الشوارع ولم يلتقطها أحد. لقد مات الكثير من السوريين هناك». أحمد غير متأكد من عدد السوريين الذين لقوا حتفهم في ليبيا، لكنه يقول إنه رأى شخصياً أكثر من اثني عشر قتيلاً في المعركة. 

ويتابع «لم يكن الأمر كما اعتدنا عليه في سوريا. إنه قتال الشوارع في المناطق الحضرية، وليس لدينا الأسلحة المناسبة ولا المهارات اللازمة. كنا نذبح بكل بساطة. وهكذا، بدأ الكثير منا يرفض القتال أو ينتقل إلى الخطوط الأمامية ويختبئ هناك».

ويكشف أحمد أنه عندما بدأ المسلحون السوريون في تحدي الأوامر، جاء جنود ليبيون متحالفون مع حكومة الوفاق الوطني وضربوهم. وذات مرة، عندما رفض مقاتل سوري القتال ثلاث مرات متتالية، أطلق مسلح ليبي النار عليه في ساقه.

ويتزايد عدد المرتزقة السوريين اليائسين من مغادرة ليبيا يوماً بعد يوم. حيث يقول أحمد:  «الكذبة الأخيرة التي أخبرنا بها القادة الأتراك هي أننا سنبقى فقط شهرين أو ثلاثة أشهر. لكن مرت أكثر من ثلاثة أشهر على مجموعتي، ولم يسمحوا لنا بالعودة».

وفي النهاية، أُجبر أحمد على دفع مبلغ 700 دولار أمريكي لقائده السوري للعودة إلى سوريا. ويكمل حديثه مبيناً أن «كان هناك حوالي 100 منا يريدون العودة. دفع البعض 500 دولار، وبعضهم دفع 1000 دولار. وبعد ذلك وضعونا على متن طائرة مع القتلى والجرحى وسمحوا لنا بالعودة إلى سوريا».

ويصف جندي تركي في طرابلس تجربة ليبيا بشكل مختلف تماماً بالقول «انظر، الجميع سعداء، وكل الجنود الأتراك هنا لديهم معنويات جيدة. ونحن نحصل على أموال جيدة». وعندما سئل عن الوضع الذي يواجهه المقاتلون السوريون في ليبيا، قال الجندي التركي إنه لا يعرف شيئاً عنهم، لكنه سمع أنه إذا كانوا يريدون العودة إلى سوريا، فيمكنهم ذلك.

المصدر: تقرير لصحيفة The Investigative

 


التعليقات