بغداد 23°C
دمشق 24°C
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020

(قيصر).. المسمار الأخير في نعشِ الاقتصاد السّوري 


بدأ تاريخ سوريا مع العقوبات الأميركية منذ عام ١٩٧٩حين تم إضافة سوريا كدولةٍ راعية للإرهاب، لكن التحولات السياسية والعسكرية الإقليمية المكثّفة خلال الثمانينيات والتسعينيات، كانت تعطي النظام السوري مجالات للتحرك والتفاوض وخلط  الأوراق، وإن كانت فترة الثمانينيات هي الأصعب على سوريا، لكن فعلياً لم تكن العقوبات هي المؤثر الأكبر على الاقتصاد؛ بل كان فراغ مخزون القطع الأجنبي بعد الخلاف الكبير بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت هو ما أفضى إلى شبه انهيار مالي واقتصادي للدولة السورية.

سوريا تحت حكم الأسد الأب لم تكن يوماً على علاقات اقتصادية جيدة مع الغرب؛ بل كان الاقتصاد دائماً هو أداة مناورة سياسية، لكن استطاع الأب الاستفادة في مناسبات عديدة من المنح والمساعدات المالية التي كانت تساعد الدولة على إبقاء النقد في الحد المناسب لإدارة الدولة بالحد الأدنى، المهارة السياسية للأسد الأب وفريقه عملت على استبدال الاتفاقيات السياسية الإقليمية بموارد اقتصادية تغطي العجز والفساد، ورغم أن الدولة كانت تعيش بالحد الأدنى؛ إلا أن الاقتصاد لم يصل حد الانهيار.

تغيرت المعطيات والسياسات مع دولة الأسد الثانية عندما تخلى الوريث عن فريق والده المخضرم الذي برع في التعامل مع القطبين الديمقراطي والجمهوري على مدى ثلاثين عاماً، ليكون من يقود سوريا فريق من المتحمسين الحالمين الذي لم يعرفوا طعم النضال للوصول للسلطة، الجيل الجديد الذي حاول منذ البداية العمل على تصدير صورة الفريق المطور والمحدث حتى في تعاملاته الدولية.

لكن الغرور وادعاء المعرفة كانا القائد الحقيقي لسوريا الأسد من رأسها حتى فريق الخبراء والأكاديميين الجديد الذي صدرهم القصر الجمهوري للدولة من خلال مؤسسات غير ربحية عديدة، أهمها المؤسسة السورية للتنمية، تلك الشخصيات والمؤسسات التي زادت من الاصطفاء المجتمعي والاقتصادي في الدولة والمجتمع السوري، والتي كان من المفترض نظرياً أن تكون أداة لرفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي السوري ما كانت إلا واجهات إعلامية تصدر صورة غير حقيقية عن تطور زائف في الحالة المعيشية في هذه الدولة.

وبينما كان الاقتصاد يترنح تحت اقتصاد زراعي مريض بسبب الجفاف ومؤسسات صناعات صغيرة فشلت في صد الهجمة من المنتجات التركية التي اكتسحت السوق السوري، كانت صورة التطوير والتحديث التي يقدمها مثقفو الأسد واقتصاديوه ما هي إلا كذبة كبيرة تخبأ التصدع في بدن الاقتصاد المحلي، وعملت على زيادة الملكية الخاصة وتطوير الثروة الشخصية للدائرة الرئاسية، وإعطاء فتات البرستيج والإعلام لبعض المتسلطين من أصحاب الشهادات وأسماء العائلات المعرفة.

صدور قانون محاسبة سوريا عام ٢٠٠٣، كان نقطة تحول أساسية في التعامل مع الاقتصاد الدولي، فلم تفلح منذ حينها أي من الأساليب الطفولية في التعامل مع المواقف السياسية؛ بل كان الغرور ما يجر المشروع الاقتصادي الحكومي إلى المنحدر، حين اضطرت الحكومة السورية إلى فتح السوق للبضائع التركية، وإعطاء الاقتصاديين الإيرانيين صلاحيات متناهية في السوق الصناعي السوري، والاعتماد على المنح الأخوية من الغني القطري، وإن كان الظاهر أن هذه السياسة ترفد الاقتصاد السوري؛ بل بالباطن كان تدمره حيث أن المستفيد الحقيقي كان الدائرة الاقتصادية للسلطة وليس الاقتصاد الوطني.

استناد الأسد الأبن على محور إيران-تركيا ومحاولة استجرار منح بسيطة وصورية من بعض المانحين كالاتحاد الأوروبي، لم تقدم للدولة السورية أو المواطن السوري إلا إحساس واهي بزيادة الألوان والبهرجة في بعض الخدمات والإعلام والدراما، لكن مناطق الريف السوري التي عانت من الجفاف هجرت من أبنائها الفلاحين، وأصحاب الورشات والمؤسسات الصغيرة تحولوا من منتجين مهمين للاقتصاد السوري الهش إلى مجرد موظفين أو تجار صغار يسوقون منتجات تركية وإيرانية، ولتموت الطبقة الوسطى السورية ويكون التضخم هو العنوان الحقيقي للاقتصاد السوري منذ عام ٢٠٠٥ حتى اندلاع الانتفاضة السورية عام ٢٠١١.

منذ أن بدأت التظاهرات في مارس/آذار 2011 ، واصلت الحكومة الأميركية والاتحاد الأوروبي بشكل مكثف فرض عقوبات لحرمان النظام من الموارد التي يحتاجها لمواصلة العنف ضد المدنيين والضغط على النظام السوري للسماح بانتقال ديمقراطي كما يطالب الشعب السوري.

لكن عدم قدرة الغرب على فرض عقوبات أممية بسبب الفيتو الروسي الصيني المتكرر، والدعم الإيراني الكبير في مجالي الطاقة والصناعات والتكنولوجيا، استطاع الأسد الصمود اقتصادياً لفترة طويلة، ولتكون الحرب ذات جدوى اقتصادية شخصية أولاً للدوائر الداعمة وفقدان الدولة السيطرة على مناطق شاسعة وانخفاض عدد السكان كانا بمثابة طوق نجاة اقتصادي حيث المحدودية في المصاريف والخدمات الحكومية إلى عدد أقل ومحدود جغرافياً.

قدوم عام ٢٠١٨ مع تغييرات كبيرة في واقع الحرب واستعادة الدولة السورية السيطرة على مساحات كبيرة وانخفاض كبير في العمليات الحربية، غيّر ترتيبات اللعبة بشكلٍ كبير، لكن الأثر الأكبر كان العقوبات الجديدة على الحلفاء وعلى رأسهم إيران وفنزويلا اللذين كانا هما طاقة الأوكسجين الأساسية لحركة التمويل وغسيل الأموال.

إيقاف إدارة ترمب الاتفاق النووي الإيراني وإصدار عقوبات متتالية هي الأقسى، سبّب تراجعاً كبيراً في الدعم الاقتصادي الذي كانت تعتمد عليه الدولة السورية في الإبقاء على دورة المال، وليكون عام ٢٠١٩ عام الانهيارات المالية والاقتصادية في سوريا في تأثّرٍ واضح وصريح من العقوبات الغربية على إيران وحزب الله.

إنهاء عام ٢٠١٩ بإصدار قانون (سيزر- قيصر) سيكون المسمار الأخير في نعش الاقتصاد السوري، وإن كان لا يعني انهيار نظام الأسد ومنظومته الحاكمة، إلا أن حزمة العقوبات على الدولة السورية هي الأقوى والأكثر فرادى، فإن كانت العقوبات الصادرة عام ٢٠١١ تقتصر على منع الأفراد الأميركيين والمؤسسات الأميركية فقط من أي تعاملٍ اقتصادي مع حكومة الأسد، لكن في قانون (سيزر) اليوم يمنع أي من الدول أو المؤسسات أو الأفراد من التعامل مع الدولة السورية، وما إدراج أسماء كبار الصناعيين والاقتصاديين السوريين في ملحق (سيزر)؛ إلا استهدافٌ أشد لأية محاولاتٍ لإدخال أي دعمٍ للاقتصاد السوري.

سيُلحِق قانون (سيزر) الضرر هذه المرة بكل ما يتصل بالدولة السورية، حتى المناطق الخارجة عن سلطتها في شرق الفرات وإدلب؛ بل سيتعدى ذلك ليكون له أثر مضاعف على لبنان والعراق أيضاً، ليكون للشعب خيارٌ وحيد وهو الرضا بالفقر والمحدودية المالية والتأخّر الاقتصادي، طالما بقي الأسد ومحور المقاومة متحكِّمين في سوريا ولبنان.


 


التعليقات