بغداد 39°C
دمشق 27°C
الأربعاء 8 يوليو 2020
صورة تعبيرية- إنترنت

حكاية تحرر الكنسية من السياسة وولادة الحركة النسوية 


رغم أن المسيح سمح للمرأة النازفة أن تلمسه.. لماذا استمرت الكنيسة في ظلم المرأة؟

تابع أغلبنا مسلسل (الهاربة من الماضي) الذي عرض مؤخراً على شبكة نيت فليكس، والذي يحكي قصة الفتاة “إستر” التي هربت من مجتمعها اليهودي الأرثوذكسي المتشدد، إلى برلين، بحثاً عن الحياة التي حُرمت منها بسبب العادات والتقاليد والنصوص الدينية التي تسير عليها عائلتها.

ولمن لم يتابع المسلسل، سأكتفي بإيراد إحدى آيات التوراة أو العهد القديم، حتى يتمكن القارئ من تخيل مأساة (إستر) وأقرانها:

(سفر الخروج 20: 17) لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ»

هل يوجد إهانة للمرأة أكثر مما ورد في الآية السابقة، التي ساوت المرأة بالحمار والبيت والثور والعبد، ووضعتها موضع الأشياء التي يملكها الرجل؟

المرأة في المسيحية ونصوص العهد القديم والحديث

إننا لسنا بصدد تحميل الأديان الإبراهيمية (اليهودية المسيحية والإسلام) عبء إنهاء العصر الأمومي، لأن عجلة التاريخ بدأت تسير نحو إنهاء عصر المرأة الذهبي منذ بداية اكتشاف الزراعة، ولكن ألم تمنح الأديان الإبراهيمية لسلطة الرجل على المرأة صفة القداسة؟

يوضح “نجيب عوض” الباحث الأكاديمي و بروفسور اللاهوت المسيحي ورئيس برنامج الدكتوراه في كلية هارتفورد للدراسات الدينية وحوار الأديان في أمريكا، لموقع «الحل نت»، بأنه «لكل دين من الأديان الإبراهيمية خطاب منفصل عن الآخر في كل القضايا بما في ذلك مكانة  الرجل والمرأة، مؤكداً أن تنوع الخطابات والتعاليم الدينية داخل الدين الواحد اختلفت حسب المسار والحدث التاريخي الذي رافق كل خطاب».

ويُقسم البروفيسور في جامعة هارتفورد، المسيحية إلى ثلاث مراحل أساسية اختلفت فيها النظرة إلى المرأة حسب السياق التاريخي المؤثر، المرحلة الأولى المسيحية المبكرة،  امتدت من القرن الأول حتى القرن الثالث ميلادي، موضحاً أن «معظم مسيحيي هذه المرحلة كانوا من خلفية اليهودية، لذلك حملوا معهم إلى المسيحية بذور النظرة اليهودية للمرأة»، مبيناً أن «اليهودية كانت تعيد النسب للأم، وكانت النظرة العامة للإنسان  تتجه نحو المؤنث، ولذلك فإن أول المسيحيين الذين كتبوا عن المسيح في أناجيل لوقا ومتى، أعادوا سلالة المسيح إلى شجرة النساء من أمه فجدته…إلخ».

وبحسب الدكتور “نجيب”، فإن «المسيحية الأولى كانت متأثرة بالثقافة الساميّة، ثقافة الشرق التي كانت تعطي قيمة للمرأة أو بمعنى أدق للأنوثة»، وهنا يميز الدكتور بين المرأة والأنوثة، فالأخيرة مرتبط بالخصوبة، والثقافة السامية كانت تنظر للأنوثة على أنها مصدر الحياة، ولذلك قدست المسيحية الأولى الأنوثة، وفي تلك المرحلة تواجدت النساء في العمل الكنسي وكن شماسات ومعلمات كان لهن دور كهنوتي.

وعندما سألنا البروفيسور، إذا كان يعتبر أن المسيحية الأولى تقدر المرأة رغم النصوص المعادية للمرأة الموجودة في العهد القديم والذي من المفترض أنه جزء من المسيحية الأولى، ومنها النص الذي أشرت إليه في مقدمة الحوار، وقصة الخلق التي ربطت حواء بالخطيئة والغواية وغيرها الكثير.

فأوضح الدكتور “عوض”، أن «قصة آدم وحواء كُتبت لاحقاً بشكل متأثر بالدور الذكوري الذي بدأ يفرض سيطرته»، وأشار إلى أنه «كل النصوص الدينية تغيرت عبر التاريخ وتطورت نصاً وتلقيحاً وتدويناً على يد مدونيها الذين هم أبناء عصرهم، وهي نصوص نقلت الوحي وليست الوحي نفسه».

الإمبراطورية الرومانية حولت المرأة إلى خادمة في الكنسية

وبحسب الدكتور “عوض” بروفسور اللاهوت المسيحي، «تمتد المرحلة الثانية في حياة الدين المسيحي من القرن الرابع حتى القرن الثامن عشر (عصر الأنوار)، وفي هذه الفترة حدث تغير بنيوي في المسيحية، بعدما صارت الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، فلم يعد الخطاب الكنسي دينياً بعدما دخلت إليه السياسة وصار يعكس وجه وخطاب الإمبراطورية، وبدأ الفكر الهيليني الروماني واليوناني يتسلل إلى المسيحية ويحل مكان ثقافة الشرق التي تقدس المرأة».

ويوضح الدكتور “عوض” أن «الفكر الهيليني اليوناني القديم وبحسب النصوص التاريخية، يؤمن بأن زيوس الإله الذكر هو الحاكم الأكبر والأوحد للعالم، وتحته تحكم آلهة من الذكور والإناث، ويمثله على الأرض الحاكم الذكر الإمبراطور، لذلك ارتبط الحكم في الفكر الهيليني بالذكورة».

«وكون المسيحية صارت تمثل الخطاب الروماني، تبنت فكرة الذكورة، ومثلما وجد حاكم زمني على الأرض هو الإمبراطور، وإله ذكر في السماء هو زيوس، ومخلص ذكر هو المسيح، فلا بد أن يكن الكهنة ذكوراً، لذلك بدأ تهميش المرأة وصار وجودها في الكنسية مقتصراً على الخدمة وانتهى دورها القيادي والتعليمي»، بحسب البروفيسور.

وهنا طرحنا على الدكتور “عوض”، تساؤلاً حول صحة اتهام الإله الروماني الذكر زيوس، بفرض سيطرته على النساء، في حين أن المسيحية التي تؤمن بنصوص التوراة أو العهد القديم، لابد أنها تأثرت بالإله اليهودي الذكر (يهوا) الذي أعلن نفسه الإله الأوحد والأكبر؟

فأجاب، بأن «المختصين في تطور نص الكتاب العبري، أكدوا أن (يهوا) الإله الذي كان يعبده اليهود الأوائل هو إله متزوج، ووجود زوجة (يهوا) واسمها (عسيرة) موثق على رُقم مكتشفة في فلسطين، لكن هذه الرُقم لم تجد طريقها إلى الكتاب المقدس».

وأوضح البروفيسور، أن «النصوص التي كانت تحكي عن دور الإله يهوا فقط جاءت لتطمس فكرة الدور الأنثوي في الحياة، وهي كُتبت لاحقاً بسبب تأثير الدولة الرومانية على الدولة اليهودية»، وأضاف، «لنفهم السبب الذي جعل (عسيرة) تسقط من الكتاب المقدس يجب أن نفهم الحدث التاريخي الذي عاش فيه كتبة الكتاب اليهودي في تلك الفترة».

الرهبنة أعلنت نجاسة جسد المرأة

ويشير الدكتور “عوض”، أن «العامل الثاني الذي أدى إلى تراجع دور المرأة بشكل كبير خلال الفترة الرومانية، هو ظهور الرهبنة أو التنسك في القرن الخامس ميلادي في صحراء مصر»، موضحاً، أن «الرهبنة تعني التخلي عن الشهوات والرغبات المادية والدنيوية والاعتكاف الكلي للتنسك وتعبد الله، والتخلص من عبئ الجسد والمادة من خلال التركيز على العزلة عن العالم المادي والعلاقات المادية مع البشر الآخرين».

ويوضح البروفيسور، أن «اقتران القداسة والروحانية بالتنسك، يعني أنه يجب على الروحاني الابتعاد عن شهوة الجمال والعواطف البشرية بالتالي عن الجنس، ولأن المجتمع الذكوري كان قد فرض سيطرته في تلك الفترة فإن الإغراء والغواية والشهوة أصبحت مرتبطة بالمرأة، ولأن هذه المشاعر والغرائز باتت تدل على الخطيئة، تم ربط جسد المرأة بالخطيئة، ولأن العمل الكهنوت صار مرتبط بالعفة تمت تنحية المرأة من العمل الكنسي».

«وبسبب استحالة إقصاء المرأة من المشهد تماماً، صار المجال الوحيد الذي تقدّر فيه المرأة هو الطاهرة والعفة، ولذلك بداية من القرن الخامس بدأت الكنيسة تقدس الحديث عن العذراء مريم، لكي يكون وجود المرأة آمناً بنظرهم يجب عليها أن تكون عذراء وتم تحديد دور المرأة في المجتمع، بحدود ضيقة جداً يمنع فيها على المرأة الاقتراب من الأواسط التي احتلها الرجل، وعندما دخلت المرأة في الرهبنة سُمح للنساء بالتواجد في حلقات الكنسية التي يوجد فيها الرجال»، بحسب البروفيسور.

 لماذا تربط الأديان السماوية دم الطمث بالنجاسة؟

عن هذا السؤال يجيب الدكتور “عوض”، أن «جسد المرأة بيولوجياً مرتبط بالدم، وفكرة الدم في الأديان ترمز إما إلى الفداء والشهادة أو إلى النجاسة، ولأن الأديان ربطت الحيض بالجنس، تم اعتباره دلالة على النجاسة، فالنظرة الدينية تربط الحيض بعدم الانجاب (المرأة المحيض ليست حاملاً) وبالتالي قابلة للقيام بالفعل الجنسي رغم أن العلم يؤكد على عدم علاقة دم الطمث بالجنس!».

ويوضح الدكتور، أنه «الأديان الوثنية اعتبرت الجنس دليلاً على الخصوبة والتكاثر، لكن الأديان ربطت الجنس بالخطيئة وربطت الطمث بالجنس».

المسيح الثائر على الظلم يسمح للمرأة النازفة أن تلمسه

وعندما سألنا الدكتور، ألم يكن السيد المسيح كان ثائراً على تعاليم اليهودية الجائرة على المرأة فقد سمح للمرأة النازفة بأن تلمسه، كما رفض رجم المرأة الزانية، فلماذا تناسى أتباعه تعاليمه من بعده؟

أجاب، «رسالة المسيح لم تكن جندرية، ففي القرن الأول الميلادي لم يكن الفكر الجندري موجد اصلاً، والمسيح لم يكن بصدد الدفاع عن الأنثى ضد الذكر، بل رسالته كانت تدعو إلى المساواة بين الجميع وهذه الرسالة انطبقت على العبيد والأطفال والرومان وكانت رسالة المسيح ضد التهميش والقمع ولذلك دافع عن المرأة الزانية والنازفة».

ويتابع الدكتور “عوض”، «ولكن المسيح صلب ولم يعد موجوداً بين اتباعه، الذين شأنهم شأن أتباع بقية الأنبياء لم يتبعوا خطاه بشكل حرفي بل اختاروا من خطابه ما يناسب حاجاتهم التاريخية، وهذا ما يفسر طغيان أفكار الدولة الرومانية على اليهودية والمسيحية».

ويضيف، «وأنا لهذا السبب ضد تورط الدين بالسياسة لأن ذلك يجعل منه أداة بيد الدولة، فصل الدين عن الدولة هو حرية للدين».

 تحرر الكنسية من السياسة ولّد الحركة النسوية الأولى

ويتابع البروفيسور في اللاهوت المسيحي، أن «المرحلة الثالثة في حياة المسيحية بدأت في أوربا ومنها انتقلت إلى أميركا وبسبب العولمة بدأت تنتقل إلى العالم، وتمتد هذه المرحلة من عصر الأنوار القرن ١٨ إلى يومنا هذا، و في هذه المرحلة لم تعد المسيحية دين دولة بل عادت لتكون خطاب أخلاقي ديني يتعلق بكل فرد على حدى وليس بالمجتمع، ولم يعد لها دور في تحديد الهوية الثقافية والفكرية للمجتمع الأوربي، ففي هذه المرحلة فقدت الكنسية سلطتها في التأثير على المنظومة المجتمعية».

ويكمل، «وبسبب تحرر الكنسية من مسؤوليتها في السلطة، حدث انقطاع بين أفكار الكنيسة وتطور المجتمع، ونشأت في الكنيسة هوامش حرية و أصوات نسائية متحررة،  لفتت الأنظار إلى الظلم الذي تعرضت له المرأة، وفي تلك الفترة ظهرت الحركة النسوية الأولى التي انقسمت إلى تيار لاهوتي ينقد تهميش المرأة من وجهة نظر لاهوتية بحته، وتيار  فلسفي تبلور بشكل واضح في بداية القرن العشرين».

ويشير الدكتور “عوض”، «أننا في هذه الفترة بدأنا نشهد تغير المؤسسة الكنسية، التي صارت تواجه أخطاءها وتعيد النظر بالخطاب المجتمعي المتعلق بالمرأة وبالمجتمع».

الجيل الثاني من الحركة النسوية غيَر الفكر الغربي المسيحي 

ويبيّن البروفيسور “عوض”، أنه «في النصف الثاني من القرن العشرين، تشكل الجيل الثاني من الحركة النسوية الني تأسست في اميركا وانتقلت إلى أوروبا»، موضحاً، أن «الجيل الثاني من الحركة النسوية غيّر المجتمع الغربي والفكر المسيحي وأن الحركة النسوية في هذه المرحلة دخلت السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم وكافة مجالات الحياة».

كما يشير الدكتور “عوض”، أنه «منذ آواخر القرن العشرين ولد الجيل الثالث من الحركة النسوية التي تجاوزت الأصوات المسيحية، ولكن رغم أن المسيحية العالمية تقر اليوم بمساواة المرأة مع الرجل، إلا أنها لم تحل مشكلة دور المرأة في المؤسسة الكهنوتية!».

وعندما سألنا، عن المرحلة التي تعيشها المسيحية في الشرق اليوم، أشار الدكتور، أن «كل الأديان في الشرق لم تخرج بعد من مرحلة العصور الوسطى، وهي لم تصل حتى إلى عصر الأنوار»، موضحاً «أننا لم نختبر بعد في المشرق ما اختبرته الكنسية في الغرب، رغم كل الخطابات الجميلة عن المرأة، إلا أن منهجنا التطبيقي مبني عن ربط الأنوثة بالضعف والغريزة والجنس».

حاخامات … قسيسات … وإمامات

ولكن رغم كل التحرر الذي تتمتع فيه المرأة في الغرب، إلا أنها قادرة على ترأس جمهورية ولكنها لا تستطيع أن تصبح قسيسة في الكنيسة؟

وعند ذلك أوضح الدكتور “عوض”، «يوجد في الكلية التي أعمل فيها حاخامات يهوديات، وبرنامج لتعيلم الإمامة يدرسه الرجال والنساء، وفي ألمانيا والدنمارك تم تعيين إمامات نساء، كما أنه لدي صديقتين في سوريا ولبنان يعملن قيسيسات في الكنسية البروتستانتية، الأمر ليس شائعاً لكن هذه النماذج في تزايد رغم الأصوات الذكورية المعادية».


 

 


التعليقات