بغداد 38°C
دمشق 26°C
الأحد 5 يوليو 2020
الصفحة الأولى لأحد اعداد جريدة "تكتك"

ضد سلاح المليشيات وثقافتها: جريدة “تكتك” العراقية تحمل حلم التغيير


لم تكن احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر العراقية مجرد حركة ضد الظلم والفساد وغياب الدولة، بل أفرزت كثيراً من الظواهر الاجتماعية والثقافية المبشّرة، لعل أبرزها جريدة “تكتك”، الناطقة باسم المنتفضين العراقيين، والوسيلة الإعلامية الوحيدة للتواصل بين المحتجين والجمهور، بعد قطع السلطة لخدمة الإنترنت في العراق، وإغلاق المليشيات الموالية لإيران القنوات الإعلامية التي ساندت المتظاهرين.

 

لحظة ولادة “تكتك”

يقول “أحمد الشيخ ماجد”، أحد المؤسسين لجريدة “تكتك”، ومن كتابها البارزين، إن «قرار تأسيس الجريدة جاء بعد تخوّفنا من انقطاع الإنترنت عن العراق، بقرار من السلطة، وهذا ما حدث بالفعل. فأطلقنا وسيلة إعلامية من داخل #ساحة_التحرير ببغداد، لتكون وسيلة للتواصل بين المحتجين والشارع العراقي، وخطوة فريدة من نوعها في التاريخ الاحتجاجي العراقي الحديث، وحتى على مستوى تظاهرات الربيع العربي».

ويضيف “الشيخ ماجد”، خلال حديثه لموقع «الحل نت»، أن «اسم “تكتك” اختير لرمزية عربة “التكتك”، التي لعبت دوراً كبيراً في الاحتجاجات العراقية الأخيرة، إلى جانب الدور البطولي لأصحابها».

وبيّن أن «ما يميز جريدة “تكتك” أن ظهورها كان دون موافقة أية نقابة أو وزارة، بل جاءت بقرار من المحتجين، وانبثقت من داخل ساحة الاحتجاج، دون رئيس تحرير أو هيئة تحرير محددة، من أجل أن تبقى على خطى التظاهرات، التي انطلقت بلا قيادة أو زعامة».

 

تجربة خالية من التأثير الحزبي

من جهته يرى الصحفي العراقي “أحمد السهيل” أن «جريدة “تكتك” كانت أول تجربة صحفية تمثل الصوت الإعلامي الخالي من التأثيرات الحزبية، وكانت بالفعل صوت الثورة، الذي يحظى بالحرية المطلقة في العراق»، حسب تعبيره.

ويضيف “السهيل”، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «”تكتك” كانت صوت العراقيين الصادق في مقابل صوت إعلام حكومة والإعلام الحزبي، الذي حاول تشويه صورة المحتجين والطعن بنواياهم. وظهرت الجريدة في وقت كانت السلطة فيه تحارب كل مؤسسة تميل بأي شكل من الأشكال للمحتجين».

ويتابع: «اسم الجريدة بالغ الدلالة، فقد ختارت عربة “التكتك” الشعبية رمزاً لها، في مقابل سيارات السلطة المصفّحة».

 

المشهد الثقافي بعيون كتّاب “تكتك”

«يتفق الكثير من الصحفيين، الذين كتبوا في صحيفة تكتك، إضافة إلى عدد من قرّائها، أن المثقفين العراقيين غابوا عن تظاهرات تشرين، وبقوا في أبراجهم العاجية، ملازمين لأفكارهم وقناعاتهم، التي لا تشتبك مع جذور الأزمات العراقية. فظلّ اهتمامهم بالشعر أكثر من عنايتهم بأزمة الدولة والمواطنة والطائفية، أو أية أزمة أخرى»، بحسب “الشيخ ماجد”، الذي يضيف: «تظاهرات تشرين لم تخرج نتيجة دعوة لمثقف أو كاتب كبير أو فنان مؤثر، وإنما خرجت من شرائح مجتمعية تمثل الطبقات الأدنى، التي حرمت ظروف الحياة كثيراً من أفرادها من حق التعلم».

“علي رياض”، الشاعر والصحفي الشاب، يؤكد أن «غياب تأثير المثقف عن الشارع خلق ثقافة عفوية أو فطرية جوهرها الرفض، كان مصدرها تراكم النقمة على سلوكيات أحزاب السلطة ذات الطابع الديني. وكانت ثقافة الشارع هذه النقيض المثالي لثقافة السلطة، ما جعل أثرها في صناعة إرادة المواجهة والثبات بوجه القوة القامعة هائلاً».

ويتابع “رياض”، خلال حديث لموقع “الحل نت”، أن «المرحلة المقبلة خطيرة، فقد خرجت فئات شبابية واسعة من مظلة الزعامات الدينية والأنساق القديمة، دون أن تؤسس لوعي بديل».

الكاتب والصحفي “زياد وليد”، أحد كتاب جريدة “تكتك”، قال إن «الواقع الثقافي لا يختلف عن أي مجال آخر في العراق، ويعاني تردياً واضحاً على مختلف المستويات، بسبب انحطاط النظام السياسي. وعلى الرغم من وجود محاولات من بعض المثقفين والأدباء والفنانين للإنتاج الثقافي المُغاير للوضع العام، فإن الملاحظ هو وجود فجوة بين ما يصبو إليه جيل الشباب، المطلّع على ما يجري في الدول المتقدمة عبر الإنترنت، وبين أحزاب السلطة».

وبيّن  “وليد”، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «هناك فراغاً كبيراً في الوسط الثقافي والسياسي، فلا يوجد دور للمثقف الكلاسيكي في ترجمة تطلعات الشباب إلى قيم ثابتة، وآليات عملية، وخارطة طريق إصلاحية أو ثورية، معززة بالمفاهيم النظرية والتجارب العملية».

 

“تشرين” تعرّي المليشيات ثقافياً

إلى جانب الأهداف السياسية والاجتماعية التي حققتها انتفاضة تشرين، فإنها استطاعت ايضاً «تعرية ثقافة المليشات، التي أظهرت مدى هشاشتها الفكرية أمام عامة الشعب»، بحسب الشاعر “علي رياض”.

وأردف “الرياض” أن «المليشيات والسلطات الدينية لم يتبق لها رأس مال ثقافي حقيقي، وانحسر أثرها على أرض الواقع، وأصبح مقروناً بأفعالها المشينة، التي وضعتها في موقف الدفاع»، مشيراً إلى أن «مرحلة تشرين بيّنت هشاشة المنظومة الفكرية للمليشيات أمام عامة الشعب».

 

مشاريع مؤجلة

وعن المشاريع المستقبلية لفريق الجريدة، يقول “زياد وليد”: «في الوقت الحالي لا يوجد أي مشروع خارج النسق الاحتجاجي، جميعنا ننتظر ما ستؤول إليه الأوضاع السياسية، التي انتقلت إلى ملعب الأحزاب، وهي من ستقرر إن كان يُمكن إصلاح هذا النظام. سنساهم في هذه العملية عبر الكتابة والنشاطات الأخرى، وربما نكتشف أن محاولة الإصلاح عبر العمل الثقافي فكرة بائسة»، حسب تعبيره.

ويتابع أن «هناك رقابة سياسية على ما يُنشر، بدعم من شرائح مجتمعية لا تزال رافضة لمفهوم الديمقراطية، وبسلاح منفلت خارج إطار الدولة. لكنَّ هذه الرقابة تصطدم بتعدد وسائل النشر، والانفتاح التكنولوجي الهائل، وجيل جديد لا يُريد العيش بالطريقة القديمة».

“الشيخ ماجد” يتحدث عن مشاريعه الثقافية المستقبلية بالقول: «الحلم الأكبر، الذي نتطلع له، يبقى دولة المؤسسات، التي لا يسود فيها السلاح المنفلت. والتأسيس لهذا ثقافياً يُعد جزءاً كبيراً من مشاريعنا المستقبلية».


التعليقات