بغداد 16°C
دمشق 9°C
السبت 28 نوفمبر 2020
قواتٌ تركية في بلدة تل أبيض شمالي سوريا. الصورة: شينخوا / Barcroft Media

«نبعُ السّلام».. هل استخدمت تركيا أسلحةً مُحرّمة دوليّاً ضد أهالي رأس العين؟


في غرفةٍ صغيرة داخل أحدِ مراكز الإيواء المخصّصة لنازحي (سري كانيه/رأس العين)، يجلس “محمد حامد” الطفل الذي تحوّل لأيقونةٍ دالة على الظلم الذي وقع به وبمدينته جراء العملية العسكرية التي شنتها تركيا تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يجلس وهو محظورٌ من مشاركة أقرانه في اللعب ضمن أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة الحسكة، فجسمه لا يجب أن يتعرّض لحرارةٍ تتجاوز  22 درجة.

أحدثت صرخات “محمد” الذي أمسى في لحظةٍ؛ نازحاً ومصاباً في آنٍّ معاً، بعد أن خَسر منزله وجسده، ليُجبَر على التعايش مع جروحٍ وإن شُفيَت؛ ستلاحقه ندوبها.

“محمد” وبحسب التقارير الطبية، تعرّض لمادة الفوسفور الحارق على يد القوات التركية، ما أدى لحروقٍ بليغة في جسده، عاد بعد رحلة علاجٍ في إقليم كردستان وفرنسا استمرت 3 أشهر، ليُلاقي واقعاً صعباً عليه مرتين، مرةً لأنه لم يَرجِع لمنزله؛ بل لمأوى للنازحين، والثانية عاد مُثقلاً بجروحٍ، لا تتوفّر في مكان عيشه الجديد أدنى الشروط الكفيلة بشفائها، بل لا تزال حالته مُهددةً بالتدهور مرةً أخرى.

قصة “محمد” ابن اثني عشر عاماً، واحدةٌ من مئات قصص الجرحى بنيران الجيش التركي، لكن “محمد” ومجموعةٌ أخرى من الضحايا، تضاعفت آلامهم كونهم لم يتعرّضوا لأسلحةٍ تقليدية، بل مصنفة كأسلحةٍ محرمةٌ دولياً، كما تقول تقاريرٌ طبيّة صادرة عن مستشفياتٍ محلّية وأطباءٍ غربيين.

بعد أقل من أسبوعين على انطلاق العملية، تسرّبت إلى الإعلام معلومات تفيد باستخدام تركيا أسلحةً محرّمة دولياً ومنها الفوسفور الأبيض، وهذا ما أعلنته بشكلٍ رسمي الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، إضافةً لمجموعة تقارير وتحقيقات نشرتها مؤسساتٌ إعلامية عربية وعالمية، في الوقت الذي نفت فيه تركيا امتلاكها للفوسفور الأبيض.

وقد حصل (الحل نت) على مجموعة من الشهادات والملفات من شهود وضحايا ومؤسسات طبية عملت على الأرض ورصدت إصابات غير طبيعية، دفعتها للشك باستخدام تركيا للأسلحة المحرمة دولياً.

شهاداتٌ حيّة على خطورة الإصابات

«بعد الهجوم على (سري كانيه- رأس العين)، توجّه غالبية المدنيين نحو (تل تمر) كونها أقرب نقطة آمنة بعد المدينة، وخرجتُ أنا في اليوم الثالث إلى تل تمر، وبسبب الوضع المأساوي للنازحين، تابعنا عملنا الإغاثي والطبي في المنطقة»، يقول “جمال خيرالدين” وهو اسمٌ مستعار  لناشطٍ إغاثي فضّل عدم الكشف عن اسمه بسبب خوفه على أفراد عائلته ممن رفضوا الخروج من مدينتهم.

ويُضيف لـ (الحل نت): «تحوّلت المستشفى لنقطة التقاء وتمركز للنازحين، لأن أغلبهم كانوا يُنقَلون إلى هناك، سواء للاطمئنان على الجرحى أو لمعرفة آخر المستجدات».

«كان الوضع كارثياً في المستشفى، بسبب أعداد الجرحى من المدنيين والمقاتلين، لكن الصدمة كانت حينما وصلت حالات لضحايا مصابين بجروحٍ لم نعهد أن نتعامل معها من قبل» يؤكد الناشط الإغاثي.

ويتابع: «كنتُ شاهداً على حادثة إصابة “محمد” الطفل الذي انتشرت صوره على وسائل الإعلام وكانت هناك شكوكٌ حول إصابته، نتيجة تعرّضه لهجومٍ بالفوسفور الأبيض من الجيش التركي، لكن قبله أيضاً شاهدتُ حالتين لشابين نُقِلا إلى المستشفى، وما زاد الشكوك حول وضعهم وأسباب إصابتهم، هي نسبة الحروق في جسدهم التي بلغت الـ70%، وفي ذات الوقت لم تكن هناك أية شظايا في أجسادهم، وحالة الحروق كانت سبباً للشك باستخدام مادة الفوسفور».

ويؤكّد “خيرالدين” في حديثه لـ (الحل نت) قائلاً: «كان معنا في المستشفى طبيبٌ سويدي،  هو الآخر كانت لديه شكوك حول وضع الجرحى واحتمال استخدام أسلحة محرمة دولياً بحقهم، وذكر لنا أسماء أكثر من مادة ومنها الفوسفور، وأخذ خزعات وعينات من أجسادهم لتحليلها، لكن لم أستطع متابعة الموضوع، كوني اضطررت للخروج من سوريا، أما الشابان المصابان، كانت تصلني أخبارهما حتى في وقتٍ قريب، بأنهما ما زالا يرقدان في المستشفى ولم تلتئم جروحهما».

“محمد خير أحمد” من أبناء مدينة (سري كانيه- رأس العين) ويعمل مترجماً لصحفيين أجانب، تحدّث لـ (الحل نت) عن مشاهداته أثناء مرافقته لمراسل صحيفة (التايمز) “أنتوني لويد” خلال الفترة ما بين 16أكتوبر 2019 وحتى 25 أكتوبر 2019.

يقول: «شاهدتُ طفلاً يدعى “محمد” كان قد تعرّض لحروقٍ بطريقةٍ غريبةٍ جداً، حيث كانت يداه من الكتف وحتى كف اليد ومنطقة الجذع؛ محروقةً عليها آثار صفراء، والملفت للنظر أن جسده لم يكن يحوي آثار شظايا، وما يدعو للدهشة والشك حول نوعية السلاح الذي تعرّض له الطفل، هو وجود حالاتٍ مشابهة في مستشفى الحسكة الوطني لبعض مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، حيث قابلنا نحو خمس حالات أخرى».

«في مستشفى الحسكة، قابلنا “عباس منصوران” وهو طبيبٌ إيراني المختص بالأمراض المعدية، والذي استرسل في وصف الحالات التي يواجهها ونوعية الجراثيم الناتجة عن تلك الحروق وغرابة ردة فعلها تجاه الأدوية الاعتيادية للحروق، وأيضاً رأينا بعض الحالات في مستشفيات القامشلي، إضافةً لبعض الحالات التي نُقِلت إلى إقليم كردستان» يؤكّد المُترجم.

تقاريرٌ طبيّة تُثبت خطورة السّلاح المُستخدم في الهجوم

الملفات الثمانية  التي حصل عليها (الحل نت) من مصادر في الهلال الأحمر الكردي، تُظهر وجود حروقٍ غير اعتيادية على أجساد المصابين، إذ يكشف تقريرٌ لمقاتلٍ من قوات سوريا الديمقراطية تعرضت قافلتهم لغارةٍ جوية، «أنه كان على بُعدِ 15-20 متراً من مكان الانفجار، وأنه شاهد لهباً أزرقاً وأبيضاً واشتمّ رائحة الكبريت»، ويُظهر التقرير الطبي الخاص به، «أنه يعاني من صعوبة في التنفس، وسعال مع حرقةٍ في الصدر  والحلق».

أما المصاب “خليل مراد” /اسم مستعار/ الذي كان في نفس الموقع الذي أُصيب فيه مقاتل (قسد)، فيكشف التقرير الطبي الخاص به، بأنه «يعاني من حروقٍ في الوجه والذراعين واليدين، وهو يؤكد أنه «اشتمّ رائحة الكبريت ولا يتذكر شيئاً آخر».

مقاتلٌ آخر من قوات سوريا الديمقراطية، يُدعى “كوران يوسف” /اسم مستعار/ كان مع نفس المجموعة، ويُظهِر التقرير الطبي الخاص به أنه أيضاً «يعاني من جروح في الوجه والذراعين والمعدة والساق، ويعاني صعوبة في التنفس وحرقةً في الصدر والحلق أثناء السعال».

المصاب “جمال حمو” /اسمٌ مستعار/ يعاني من حروقٍ في الساق واليدين وشظايا في المعدة، ويعاني أيضاً من صعوبة في التنفس وحرقة في الحلق والصدر» بحسب التقرير الطبي، ويتذكر فقط «رائحة الكبريت حين سقوط الصاروخ».

المصاب “هاوار علي” /اسمٌ مستعار/ يُظهِر التقرير الطبي الخاص به، أنه «كان لوحده حين شنّت الطائرة التركية غارةً جوية على مدينة (سري كانيه- رأس العين)، ويعاني من حروق في الرأس والوجه والصدر والمعدة واليدين، وحرقة في الصدر والحلق, ولا يتذكر سوى منظر اللهب ورائحة الكبريت».

المصاب “خبات توفيق” /اسمٌ مستعار/ يعاني من حرقٍ «بنسبة 18% من جسمه، بدرجات تتفاوت بين حرق من الدرجة الثانية والثالثة، ويعاني من صعوبة في التنفس والحرقة في الصدر والحلق والسعال، ورغوة بيضاء في الفم، وعيون دامعة، وأصيب نتيجة غارة جوية على طريق M4 غرب مدينة تل تمر» بحسب التقرير الطبي.

المصاب “آياز حواس” /اسمٌ مستعار/ لمقاتلٍ في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، يعاني من «حروقٍ في الوجه وأخرى في جسده بنسبةٍ تتجاوز 25%، ويعاني أيضاً من صعوبة في التنفس وحرقة في الصدر والحلق أثناء السعال، وعيونه دامعة ورغوة بيضاء في الفم، أصيب في غارة جوية على طريق M4 غرب مدينة تل تمر» يقول التقرير الطبي.

أما المصاب “أحمد إقبال” /اسمٌ مستعار/ فأكّد التقرير الطبي أنه «يعاني من حروق في الوجه والظهر والذراعين بنسبة 25% من جسده، حروقٌ من الدرجة الثانية والثالثة، ويعاني من ذات الأعراض، حرقة في الصدر والحلق أثناء السعال، صعوبة في التنفس، وعيون دامعة، ورغوة بيضاء في الفم، أصيب في ذات الموقع على طريق M4  غرب تل تمر، بغارة جوية تركية».

الحاجة لتحقيقٍ أممي ومعوّقات قانونية

مسؤولٌ في منظمة الهلال الأحمر الكردي، مكلّفٌ بمتابعة ملف ضحايا استخدام الأسلحة المحرمة دولياً في العملية العسكرية التركية، أكّد لـ (الحل نت): «لا نستطيع في منظمة الهلال الأحمر الكردي تأكيد استخدام تركيا أسلحة محرّمة دولياً، فالأمر يتطلّب تحقيقاً موسعاً ودقيقاً».

المسؤول الكردي الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسبابٍ أمنية، قال لـ (الحل نت): «أبلغنا (هيومن رايتس ووتش) وبعض الدول حول هذا الأمر، بتعاونٍ مع الفوج الخاص بالأسلحة البايولوجية في الجيش البريطاني، إضافةً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، وهناك أطرافٌ أخرى تعمل حول القضية ذاتها».

وأضاف: «جهّزنا ملفات لتسعة مصابين، وأخذنا عيّنات منهم للتحليل حسب توجيهات من الجيش البريطاني، ونقلنا أغلب الجرحى لإقليم كردستان، وبعضهم في (روجافا) تحت إشراف الطبيب السويدي الإيراني “عباس منصوران”».

وبحسب مسؤول الهلال الأحمر الكردي، فإن «شكوك الطبيب “منصوران” تتجه نحو استخدام مادة (الكروم كوبالت) وهي مادة أخطر وأكثر فتكاً من الفوسفور الأبيض، ويتعاون ضابطٌ بريطاني هو القائد السابق للفوج الخاص  بالسلاح النووي والكيماوي والإشعاعي  في الجيش البريطاني يُدعى (هاميش ديبرايتون) وهو خبيرٌ في قضايا الأسلحة البيولوجية، أرسلنا له الصور، ورأى أن هناك احتمالية كبيرة لاستخدام هذا النوع من الأسلحة».

ويبدو أن إجراء تحقيقٍ مُحايد وشفّاف حول هذه القضية، ملقاةٌ على عاتق المنظمات التابعة للأمم المتحدة؛ تحديداً منظمة حظر الأسلحة الكيميائي (opcw)، وعن ذلك يقول المسؤول الكردي: «لا نستطيع تقديم طلب لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإجراء تحقيقٍ في القضية، لأن الجهة الوحيدة القادرة، هي الدول التي وقّعت على الاتفاقية، لذلك نطالب تلك الدول بتقديم الطلب والبدء بالتحقيق من جانب المنظمة».

(هاميش دي بريتون غوردون) القائد السابق للفوج الكيمياوي والبيولوجي والإشعاعي والنووي في المملكة المتحدة، كان قد قال في وقتٍ سابق لوسائل إعلامية، إنه «شبه متأكّد، أن منتجات الفوسفور التي باعتها بريطانيا إلى تركيا في السنوات الأخيرة هي من أنواع الفوسفور الأبيض».

وفي الوقت التي نفت فيه تركيا امتلاكها للفوسفور الأبيض، نشرت صحيفة (التايمز) ضمن سلسلة تقارير حول استخدام تركيا للأسلحة المحرمة دولياً، أن بريطانيا «باعت منتجات عسكرية إلى تركيا تحتوي على الفوسفور الأبيض».

طبيبٌ سويدي يؤكد استخدام أسلحة محرّمة دولياً

بالعودة إلى الطبيب السويدي الإيراني “عباس منصوران” الذي سافر إلى سوريا كمتطوع وهو مدير أبحاث في معهد PEAS السويدي للأمراض المعدية، وبناءً على تشخيص الحالات التي وصلت إلى مستشفى الحسكة، يقول تقريرٌ مُطوّل له: «من الواضح أن شكل وظهور إصابات الحروق التي عالجتُها هنا في (روجافا) يختلف تماماً عن الحروق المعتادة. كان واضحًا لي على الفور أنها كانت من مظاهر استخدام الأسلحة الكيميائية على وجه التحديد، لقد أظهروا أن القوات المسلحة التركية تستخدم الذخيرة الكيماوية، يمكنني التأكيد على أن الفوسفور الأبيض غيره من المواد الكيميائية الأخرى غير المعروفة مثل ذخائر المتفجرات المعدنية الكثيفة (DIME) استخدمت في أكتوبر بـ (روجافا)».

ويتابع “منصوران” في تقريره: «تبدو عليهم أعراض تؤكد الشكوك باستخدام مواد كيميائية مثل الكروب كوبالت والتنغستن والفوسفور الأبيض، وهذه الأعراض من قبيل التهيجات العصبية والحروق العميقة في ذات الوقت الذي لم يحترق فيه شعر حواجبهم أو شعر رأسهم، و أن جميع الضحايا يعانون من نوع من السمية العصبية ويعانون من آلام شديدة وردة فعل قوية حين يلمس الجلد غير المحترق».

ويفسر البروفيسور “منصوران” بأن «عدم احتراق الشعر، يعود لوجود كميات أقل من الماء في الشعر مقارنةً بالجلد ولذلك لم يتفاعل الفوسفور الأبيض مع الشعر».

من جهتها، أعلنت  الإدارة الذاتية  في السابع والعشرين من يناير الماضي، بناءً على نتائج تحليلات مخبرية في سويسرا، أن «الجيش التركي استخدم الفوسفور أثناء هجومه على سري كانيه/رأس العين  وتل أبيض».

إلى جانب ذلك، كان مختبر «ويسلينغ» السويسري أكّد «وجود غير طبيعي لمادة الفوسفور الأبيض على عينة من جلد مقاتلٍ كردي أُصيب في الهجوم على قوات سوريا الديمقراطية» وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

—————————————

مجموعة تقارير طبيّة بالصّور توضّح حجم الإصابات، حصل عليها (الحل نت) من منظمة الهلال الأحمر الكردي، وتم إخفاء الأسماء حفاظاً على سلامة أصحابها.

Patient Report #1-converted-converted                              Patient Report #2-converted-converted

Patient Report #3-converted-converted                              Patient Report #4-converted-converted

Patient Report #5-converted-converted                              Patient Report #6_Khaled-converted-converted

Patient Report #7_Aldal-converted-converted                    Patient Report #8_Ahmed-converted-converted


 


التعليقات