بغداد 12°C
دمشق 11°C
الخميس 3 ديسمبر 2020
الرئيس السوري "بشار الأسد"

الأسدُ البائِس: بعد عشرين عاماً في السّلطة.. أيْنَ المَفَر؟


الرقمُ المتداوَل بين السّوريين على شبكاتِ التّواصلِ الاجتماعي، يرتفعُ كما وأنهم في مزاد: 1800، 2400، 3000، 3500، 3800. هذا الرقم هو سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، وذلك حتى قبل دخولِ العقوبات الأميركية الجديدة على #دمشق حيز التنفيذ.

فقد صوّت #الكونغرس نهاية العام الماضي على #قانون_قيصر، وهو مستوحى من الاسم المستعار للشخص الذين التقط صوراً لعشرات الآلاف من ضحايا التعذيب في السجون السورية.

وقد شجبت وسائل الإعلام الرسمية السورية هذا القانون واصفةً إياه بأنه «إرهابٌ اقتصادي». وقد جاء “قانون قيصر” هذا، ليشدّ الحبل في محاولة لخنق الاقتصاد السوري الذي يعاني أصلاً.

إنه كارثة، لكنها ليست الوحيدة التي يواجهها #بشار_الأسد اليوم، والذي تتراكم عليه خيبات الأمل. فبعيداً عن عدم القدرة على تذوق طعم ما حققه من نصر عسكري أو حتى سياسي، يرى الأسد اليوم المصائب وهي تتراكم عليه وتمنعه ​​من الحصول على السلام المنشود.

وبينما يصادف هذا الأسبوع الذكرى السنوية العشرون لوصوله إلى رئاسة الجمهورية، فإن بشار الأسد، خليفة أبيه، لا يمكنه الاحتفال بسجله خلال هذه الأعوام، وبعد تسع سنوات من الحرب المدمرة في بلاده، يواجه الأسد اليوم تصدعاً غير مسبوق داخل عائلته التي حكمت #سوريا منذ عام 1970.

كما كشفت الضجة التي أثارها ابن خاله #رامي_مخلوف، حوت الأعمال في سوريا لمدة عشرين سنة، انقسام العائلة وكذلك الطائفة العلوية، الذي ضحت بعشرات الآلاف من أبنائها في القتال من أجل بقاء الأسد في الحكم. وأكدت للسوريين الفساد ونهب موارد البلاد من قبل حاشية الأسد.

إيران وروسيا تنأيان بنفسيهما

مصدر قلقٍ آخر للأسد، وهو ليس أقل من غيره، هو عدم الرضا الذي أبداه الحلفاء الذين يدين لهم ببقائه: إيران وروسيا. حيث قال نائب إيراني، عضو لجنة مجلس النواب حول الأمن القومي والشؤون الخارجية، في مقابلة نشرت يوم 20 أيار الماضي على موقع “اعتماد” أونلاين الرسمي: «لقد أعطينا سوريا ما بين 20 مليار دولار إلى 30 مليار دولار، وعلينا استعادتها».

وهو تصريحٌ غير مسبوق، في الوقت الذي تنأى فيه #إيران بنفسها، مركزةً على مشاكلها الصحية والاقتصادية المحلية. في الوقت ذاته، نددت سلسلة من المقالات المنشورة في الصحافة القريبة من #الكرملين في #روسيا بالفساد وعدم كفاءة السلطة في دمشق.

بعد تسعة أعوام من الحرب، لم يسيطر بشار الأسد على كامل الأراضي السورية. فقد أفلتت منطقتان رئيسيتان منه: الشمال الشرقي، الذي تديره إدارة ذاتية كردية، ومحافظة #إدلب في الشمال الغربي.

وإن كان لا يزال موجوداً في المنطقة الأولى، ولا سيما في الحسكة والقامشلي، حيث يقع المطار تحت رعايته، فإن الإدارة الكردية تستمر في المطالبة باستقلالها وتسعى إلى اتفاق مع دمشق. كما أن الجنود الأميركيون لا يزالون منتشرين في مناطق النفط.

من جهةٍ أخرى، فإن نصف محافظة إدلب خارج السيطرة، وإن كان استرجاعها يعتبر أولوية بالنسبة لدمشق. فقد شنت هذه الأخيرة هجوماً في شهر كانون الأول الماضي، بدعم من روسيا، ولكن ليس بدعم إيران، التي لا تعتبر المنطقة أولوية بالنسبة لها.

وردت #السلطات_التركية بإرسال تعزيزات من الجنود والعربات المدرعة إلى سوريا. وفي شهر آذار الماضي، انتهت #موسكو وأنقرة إلى التوقيع على اتفاقية لوقف إطلاق النار. وتم تسيير دوريات عسكرية مشتركة بين جيشيهما على طول الطريق السريع M4 الذي يربط العاصمة بحلب شمالاً.

وتوقف القتال والضربات الجوية إلى حد كبير منذ ذلك الحين، على الرغم من أن روسيا شنت غارات في أوائل حزيران الجاري، للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر. وكان القصد منها منع الجماعات المسلحة من الاقتراب من الطريق السريع.

فأعاد الوضع الراهن إحياء الاحتجاجات العامة، حيث تجمع يوم الأحد الماضي آلاف الأشخاص في مدينة إدلب بشعارات معادية لحكومة بشار الأسد، وكذلك ضد #أبو_محمد_الجولاني، زعيم التنظيم الجهادي #هيئة_تحرير_الشام، الذي يسيطر على المحافظة.

وامتدت الاحتجاجات كذلك إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية. كما حصل في محافظة #السويداء “الدرزية”، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع رداً على الانهيار الاقتصادي.

وكذلك كان الحال في محافظة #درعا، التي انطلقت شرارة الاحتجاجات الشعبية منها ربيع عام 2011. ووصفت المنطقة بأنها “هادئة” من خلال “اتفاق مصالحة” نفذته روسيا عام 2018، لكن الجماعات المسلحة عادت للظهور وبدأت هجمات صغيرة ضد القوات الموالية للحكومة.

وبالتالي فإن عدم الاستقرار الدائم هذا يمثل تحدياً لروسيا، حيث يشهد جنوبي سوريا بالفعل علامات التمرد المشتعل، بحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في شهر أيار الماضي. ومن المرجح أن تواجه القوات الموالية للأسد هذا النوع من عدم الاستقرار في الشمال الشرقي إذا ما عادت إلى هناك.

العقوبات لا تلعب سوى دور ثانوي في الأزمة

بالنسبة للصحفي الاقتصادي “جهاد يازجي”، فإن الوضع الاقتصادي السوري المتدهور «يعود في المقام الأول إلى عواقب سنوات الحرب الطويلة. فالوضع لم يكن أكثر خطورة في سوريا مما هو عليه اليوم، بين الأزمة الاقتصادية والحرب الأهلية والدمار. ومع دخول العقوبات الأميركية الجديدة على دمشق حيز التنفيذ، فإن وضع الاقتصاد سيكون صعباً جداً،  بعد تسع سنوات من الحرب التي دمرت البنية التحتية، فضلا عن ثلث المساكن».

لقد غادر معظم المستثمرين ورؤوس الأموال البلاد، وكذلك الحال بالنسبة للكفاءات واليد العاملة الماهرة. واليوم، 85٪ من الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر. وانخفضت القوة الشرائية أكثر مع انهيار الليرة مقابل الدولار الأميركي، الأمر الذي تسارع بدخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ. فمتوسط ​​راتب المعلم، على سبيل المثال ، يتراوح بين 50 ألف و 60 ألف ليرة سورية، أي أقل من 25 يورو.

وقد تسارع التدهور مؤخراً بسبب الأزمة المالية في لبنان، الرئة السورية للعالم الخارجي. ويجب أن يضاف إلى ذلك عواقب فيروس #كورونا. وأخيراً النزاع بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف، الذي كان حتى ذلك الحين يسيطر على جزء أساسي من الاقتصاد السوري. و”قانون قيصر” هذا يأتي مكملاً للعقوبات الأميركية والأوروبية، لأنه يستهدف دولاً أو شركات ثالثة تميل إلى الاستثمار في سوريا.

وهكذا فإن #الصين أو الإمارات العربية المتحدة أو اللبنانيين سيتوقفون أو يفكرون مرتين قبل الالتزام. حيث تشمل المجالات المذكورة في القانون المذكور إعادة الإعمار، ولكن على نطاق أوسع كل شيء يمكن للدولة السورية الاستفادة منه. وهذا يفتح الطريق أمام التفسيرات التي ستدفع الشركات الأجنبية إلى الإحجام. وبالتالي يتم حظر أي احتمال لإعادة الإعمار.

ويأتي كل هذا، في الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى إعادة تشغيل عشرات المليارات من الدولارات، بحسب “يازجي”. فهناك حاجة إلى استثمارات أساسية في البنية التحتية والكهرباء والهياكل السياحية. وفي هذا السياق، لن تعود البلاد مركز اهتمام كبار المستثمرين الأجانب.

من جهة أخرى، يرى “يازجي” بأنه من المرجح أن يكون تراكم عوامل الأزمة الاقتصادية وتقليص حجم الكعكة التي سيتم تقاسمها قد ساهم في هذا الخلاف غير المسبوق داخل عائلة الأسد، حتى لو لم يحدث شيء هناك.

فقد أدى ظهور جهات فاعلة جديدة لعبت دوراً في اقتصاد الحرب، إلى زعزعة مكانة رامي مخلوف باعتباره المستفيد الرئيسي من عقود الدولة. في الوقت نفسه، فَقَدَ رامي مخلوف نفوذه القوي بعد وفاة والدة بشار الأسد ومرض خاله محمد مخلوف، والد رامي.

وأسماء، زوجة الرئيس ، تغتنم الفرصة لدفع بيادقها وتقديم أقاربها للأعمال التجارية. ويقال في دمشق أنها قالت لبشار: «إنك مدين بثروتك لأخوالك، والآن حان دور أطفالك ليتمكنوا من الاعتماد على أخوالهم!».

فهل يمكن لتخفيف العقوبات، وخاصة من الاتحاد الأوروبي، أن يفيد الشعب السوري؟ يؤكد “يازجي” بأن العقوبات لها دور ثانوي فقط في الوضع الاقتصادي الحالي في سوريا. فالأسباب الرئيسية لتدهور الاقتصاد تتمثل بالدمار الذي خلفته الحرب والفساد واختلاس المال العام وهروب رأس المال.

واليوم، العقوبات هي آخر بطاقة ضغط متبقية لحل سياسي، وعودة اللاجئين، وإطلاق سراح المعتقلين. وبالتالي، من الضروري التفكير في شروط رفع بعض العقوبات على مراحل. وبالنظر إلى وضع الناس على الأرض، سيكون ذلك مشروعاً، لكن لا يزال بإمكان الأسد الاستفادة من الأمر سياسياً.

إن السوريين اليوم هم أكثر فقراً وجوعاً من اليمنيين. لقد كانوا يتأقلمون مع الأسوأ منذ سنوات دون أن يرتفع لهم صوت. لكننا لم نشهد مثل هذا الوضع في سوريا مع الانهيار الاقتصادي والحرب الأهلية والدمار. ولم يعد هناك أي احتمال غير الانتفاضة، فمن المستحيل على من تبقى من الشعب الذهاب إلى المنفى واللجوء إلى مكان آخر.

 

المصدر: (Libération.fr)


 


التعليقات