بغداد 12°C
دمشق 11°C
السبت 28 نوفمبر 2020

أعلنني رئيساً وأعلنكم شعباً


لا يكاد يمر يوم دون أن تتحفنا وسائل التواصل الاجتماعي بسوري ما وقد أعلن نفسه رئيساً قادماً لسوريا. وقد لا يكون السيد الرئيس مقيماً في سوريا بالضرورة، قد يكون لاجئاً في دولة ما، أو نازحاً تحت خيمة ما على الحدود، أو رازحاً تحت نير المعارضات بمختلف ألوانها. وبطبيعة الحال علينا أن نتوقع أن ثمة رؤساء آخرين في مناطق سيطرة نظام الأسد، يخشون من الإعلان عن أنفسهم بحكم وجود زميل آخر لهم هناك، قد لا يكون ودوداً معهم.

جميع هؤلاء لا يعلنون أنفسهم “مرشحين رئاسيين”، بل رؤساء فعليين، ولكن مع وقف التنفيذ حتى يقرر الزميل الحالي مغادرة الكرسي، رؤساء مكرّسين من قبل “المجتمع الدولي” الذي يدعمهم جميعاً في وقت واحد كما يبدو من تأكيداتهم، و”المجتمع الدولي” هنا ليس إلا 5000 صديق افتراضي على فيسبوك. بعضهم مدعوم أكثر من الآخرين، إذ يمتلك بعضهم فوق دعم المجتمع الدولي دعم إعلامي إسرائيلي هنا أو هناك، الأمر الذي يجعله يتعالى عن سفاسف زملائه الآخرين ويبتعد عن مهاتراتهم التي قد تتطور إلى معارك كلامية حامية وتبادل للشتائم عبر صفحات فيسبوك وفيديوهات البث المباشر.

أما ما تبقى من الشعب، فيا عيني عليه، ليس له إلا السمع والطاعة والصمت في أحسن الأحوال، وفي أسوئها عليه أن يخرس و”يدحش الحرية” في فمه بحسب البيان الانتخابي لأحدهم، وإلا فقد يتم قتل 97% منه بطرق لا تخلو من الإبداعية بحسب البرنامج الانتخابي لآخر.

القاسم المشترك بين هؤلاء كلهم هو الجنون، ويمكننا بكل طمأنينة أن نقول إنهم جميعاً يعانون من اعتلال عقلي لا يخفى على متابع، بعضهم مجنون بيّن لا يخفي جنونه بل يلتذّ بالتصريح به، وبعضهم جنونه أعمق وأصعب، وحالته أكثر تعقيداً فيحاول التحايل علينا بالعبارات المتذاكية المتحذلقة وملفات السير الذاتية المتخمة بالإنجازات والبطولات وسنوات النضال التي قضاها السيد الرئيس في سجون زملائه من الرؤساء الآخرين.

أمام هذا الإسهال الرئاسي الجنوني ينبثق سؤال: لماذا يجد المجنون في نفسه أهلاً للرئاسة السورية؟ لماذا يتجرأ المجنون على إعلان أنه الوحيد القادر على القيادة؟ ولم أجد جواباً أفضل من أن هؤلاء منذ طفولتهم كانوا يشاهدون مجانين مثلهم رؤساء وقادة عظام وآباء مؤسسين وتاريخيين وملهمين وخالدين، فقالوا لأنفسهم: حسناً، لماذا لا نفعلها نحن أيضاً؟ ففي هذا فليتسابق المجانين!

السخرية لا تقف هنا، فوجهها الأشد فجائعية ليس في السادة الرؤساء، بل في الشعب، فينا نحن، إذ ينبغي أن لا يثير فينا هؤلاء المجانين إلا رد فعل وحيد هو الضحك، ولكن ما يحصل هو شيء آخر، ومخيف، إننا نأخذهم على محمل الجد. ويمتلئ فيسبوك وتويتر بالمنشورات التي تهاجمهم وتتخوف على المستقبل السوري الذي سيحكمه هؤلاء المجرمون الطائفيون، إلى جانب قائمة طويلة من التهم والتخوّفات والغضب الذي يعبر عنه مواطنون سوريون يُفترض أنهم أفضل حالاً عقلياً من السادة الرؤساء، وليس لكم أن تستغربوا إذا قلت لكم إن لوائح الاتهام تخلو من كلمة “مجانين”!

لماذا لا يضحك الشعب ببساطة على هؤلاء؟ لماذا لا يجد الناس في شخصياتهم الكاريكاتورية وتعابيرهم الجوفاء وخطاباتهم الفارغة وفورات غضبهم على البث المباشر الذي يقومون به مادة للضحك فقط؟ بل مادة للاستغراق في الضحك حتى يقلب الشعب على ظهره وتنزل دموعه من شدة الضحك، ربما للمرة الأولى في تاريخه؟

سأقول لكم لماذا..

لأن هؤلاء أيضاً يرون أنه من الممكن جداً أن يصل مجنون ما بالفعل إلى كرسي الرئاسة! بل إن تجربتهم مع الرؤساء السابقين والحاليين تنفي عن هذه الفرضية حالة “الممكن” لتصبح تأكيداً واقعاً.

لم يخطر ببال أحد من هؤلاء الغاضبين أن يقول لهم كيف تعلنون أنفسكم رؤساء ونحن لم ننتخبكم، لأننا ببساطة نعلم وأهلنا قبلنا يعلمون وربما أجدادنا أن الشعب لا يختار الرئيس، بل إن التجربة تؤكد أن العكس هو ما يحدث، فالرئيس هو من يختار الشعبَ، نعم هكذا يتم الأمر عربياً، وإذا لم يرضَ الرئيس عن الشعب فإنه يغيره ببساطة كما يغير جراباته، ولنا فيما يفعله بشار الأسد بالشعب السوري منذ 9 سنوات أسوة قبيحة.

من يغضبون من الرؤساء المجانين والمجانين يشتركون في تصورات واحدة، منها أن وصول مجنون إلى كرسي الحكم أمر ممكن جداً، وأن الرئيس هو الآمر الناهي سيد السادة والقائد المطاع المتألّه، لا الموظف الذي يختاره الشعب فيقوم بوظيفته كما يحددها له الشعب عبر الدستور والقوانين، وعندما ينتهي من دوره يعود إلى بيته مواطناً عادياً مفسحاً المجال لرئيس/موظف آخر.

المشكلة ليست في الرؤساء المجانين بل في مفهوم الرئيس ذاته، وهي مشكلتنا جميعاً، فكلنا داعبت مخيلتنا يوماً ما فكرة أن نكون رؤساء خالدين عظماء ملهمين ننتشل “الأمة” ونصنع شعباً جميلاً نصل به إلى مصافي الدول المتقدمة، ورؤساؤنا أيضاً حلموا بالأمر ذاته، ولكنهم فشلوا ووصلوا بنا إلى مصافي الصرف الصحي، واكتشفوا أخيراً أن الخلل كان في الشعب!

المصيبة تكمن في مفهوم الرئيس، في الصورة المرسومة في لاوعينا الجمعي عن هذا المقام المتأله اللابشري اللاأرضي، هذا المقام هو ما يجب تهديمه وسحقه؛ لا حفنة المجانين المتسابقين إليه، يجب أن يصل هذا المقام إلى مستوى الإنسانية الطبيعية، بحيث يصبح الرئيس بشراً أولاً وموظفاً ثانياً، وليس أفضل من الضحك أداة لتحقيق هذا الغرض، لذلك دعونا نضحك ونسخر من كل المجانين الذين وصلوا فعلاً إلى كرسي الرئاسة، وهم لا يختلفون كثيراً بمستوى قدراتهم العقلية عن أولئك التعساء الحالمين بالرئاسة وسطوتها.


 


التعليقات