بغداد 12°C
دمشق 11°C
السبت 28 نوفمبر 2020
"أبو محمد الجولاني" في لقاء مع المدنيين في إدلب. المصدر: ناشطون على موقع "فيس بوك"

إطلالات “الجولاني” في إدلب: رسائل سياسية عبر السلوك والملابس


منذ تشكيل #جبهة_النصرة، في أواخر عام 2011، بقيت شخصية “أبي محمد الجولاني”، زعيم هذا التنظيم، مجهولةً للعالم، فكانت وسائل الإعلام والمراكز البحثية لا تعرف إلّا معلومات شحيحة عنه.

بقيت شخصية “الجولاني” غامضة حتّى إعلان انفصال “النصرة” عن #تنظيم_القاعدة، وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، في تموز/يوليو 2016، حينها ظهر “الجولاني” بوجهه الحقيقي للمرّة الأولى، بعد خمس سنوات من التخفي.

مؤخّرًا صار “الجولاني” يظهر بشكلٍ مكثّف ومتعاقب، وحاول الانخراط في المجتمع المحلّي في #إدلب، فما أسباب هذا التحول؟

 

عن إطلالات الجولاني

خلال الأسابيع الفائتة، ظهر “الجولاني” أربع مرات متتالية، دون فارق زمني كبير بين ظهور وآخر:

الظهور الأول كان في الثاني من شهر أيار/مايو الحالي، عندما قام بزيارة مصابين مدنيين، كانوا قد تعرضوا لإصابات، بعد إطلاق عناصر #هيئة_تحرير_الشام النار عليهم، خلال تظاهرهم ضد قرار “الهيئة” بفتح معابر مع #الحكومة_السورية.

أما الظهور الثاني فكان بعد أيام قليلة، حين زار “الجولاني” مخيّمات النازحين، على الشريط الحدودي مع #تركيا.

وكان الظهور الثالث، في السادس عشر من الشهر ذاته، عندما برز “الجولاني” مرتدياً الملابس العربية التقليدية، خلال جلسة مع شيوخ العشائر، للحديث حول شؤون الشمال السوري.

 

امتصاص غضب الشارع

سأل موقع «الحل نت» عدداً من سكّان الشمال السوري عن رأيهم بالظهور المتكرّر لـ”أبي محمد الجولاني”، فأجمعوا على أنّه محاولة لاستمالة أهالي المنطقة.

“غيث”، البالغ من العمر أربعين عاماً، قال: «”الجولاني” يعرف أن سكّان إدلب لا يريدونه، كما يعرف ماذا يفعل عناصره كل يوم بحق المدنيين، لذلك خرج بحماية مشدّدة، خوفًا من أية احتجاجات أو عمليات انتقامية ينفذها المدنيون، قد تضعه في موقفٍ محرج».

بدوره أشار “أبو جهاد” (اسم مستعار)، من سكان إدلب، إلى أنه «بالتزامن مع زيادة الصعوبات الاقتصادية، وعدم توفّر القوت اليومي لنسبة كبيرة من المدنيين في إدلب، سعى “الجولاني” إلى فتح معبر مع الحكومة السورية، التي تعاني مناطق سيطرتها من تفشي فيروس #كورونا، من أجل تحقيق كسب مادي، وعندما حاول شبّان بعض القرى الاحتجاج على فتح المعبر، تعرضوا لإطلاق نار من قبل عناصر “الهيئة”». موضحًا أن كل ذلك أدّى إلى «زيادة الاحتقان الشعبي ضد “الجولاني”، الذي خرج في محاولة لامتصاص غضب المدنيين، والحيلولة دون اندلاع انتفاضة ضدّ سيطرة تنظيمه».

أما “أم أحمد”، العائدة لتوّها إلى مدينة #أريحا، بعد نزوح طويل، فقالت: «عندما كنت في المخيّمات، لم تكن تتوفّر لنا أية ظروف للحياة الآدمية، ولم يسأل عنّا لا “الجولاني” ولا غيره». وأضافت أنّ «”الجولاني” لو كان جادًّا في مساعدة المخيّمات، عند زيارته لها، لما ترك الأطفال يموتون بردًا في الشتاء الماضي، دون أن يحرّك ساكنًا». ووصفت ظهوره مع المدنيين في المخيّمات بـ «حالة استعراضية».

 

دلالات الملابس

“عباس شريفة”، الباحث في الجماعات الجهادية، اعتبر أن إطلالات “الجولاني” المتكرّرة تحمل رسائل موجّهة للمدنيين في شمال البلاد.

وقال شريفة لموقع «الحل نت»: «لم يتوقف “الجولاني”، ومنذ ظهوره الأول، في مقابلته مع قناة “الجزيرة”، مرتدياً الشروال الحلبي، عن بعث الرسائل السياسية عن طريق الزي واللباس».

ويرى “شريفة” أن «”الجولاني”، في مقابلته الأولى، ظهر بالشروال السوري لإيصال رسالة مفادها أنه ينتمي إلى سوريا وشعبها، فلم يختر اللباس الأفغاني ولا العسكري، ليعبّر عن المزيد من الالتصاق بالمجتمع المحلي. بعد ذلك، خرج “الجولاني”، يوم فك ارتباط “النصرة” عن “القاعدة”، معتمراً عمامة بيضاء، شبيهة بعمامتي “أسامة بن لادن” و”أيمن الظواهري”، وعلى يمينه رجل من المقاتلين الأجانب “المهاجرين”، وآخر من المقاتلين المحليين “الأنصار”، للدلالة على أنه، بالرغم من فكّ البيعة لتنظيم “القاعدة”، ما يزال وفياً لنهج شيوخ “القاعدة”، ويتشرّف بالتشبه بلباسهم، وأن فكّ الارتباط ما هو إلا إجراء شكلي، وخطوة تكتيكية، لن تغيّر من حقيقة إخلاصه لنهج “القاعدة” ومسيرته».

ويواصل شريفه تحليله بالقول: «ثم ظهر “الجولاني” مرتدياً الثوب الأبيض الخليجي، مع الحطة الحمراء على رأسه، في اجتماعه مع شرعيين من منطقة الجزيرة، كانوا قد انشقوا عن “هيئة تحرير الشام”، ورفضوا الانخراط معها في قتال بقية الفصائل، ليحاكي “الجولاني” بذلك الزي الرسمي لـ”المطوعين” في المملكة العربية السعودية، وليبعث برسالة مفادها أنه ينتمي للثقافة الوهابية، ويتّبع نهج مشايخ الجزيرة العربية، وفق مذهب الشيخ “محمد بن عبد الوهاب”، والمدرسة السلفية النجدية».

 

الانخراط في المجتمع لاستعادة الشرعية

ويتابع الباحث ذاته: «اليوم يطلّ “الجولاني” بصورته مع مشايخ العشائر، وهو يرتدي العباءة العربية والحطة الحمراء، لإيصال رسالة أنه ابن العشائر العربية، محاولاً الاستثمار السياسي بالورقة العشائرية، بعد أن خاب ظنه بالورقة العسكرية، وانشقاق كل من دخل معه بالاندماج من الفصائل، ثم خسارته للورقة المدنية، فـ”حكومة الإنقاذ” لم تحظ باعتراف الأهالي، ولا المجتمع الدولي».

وأكد “شريفة” أن “الجولاني” «قام في الوقت ذاته بزيارة لتفقّد مخيمات النازحين في الشمال السوري، وأشرف على تسجيل احتياجات المدنيين. ثم أتبعها بزيارة إلى بلدات #جبل_الزاوية، مصطحباً معه ورقةً وقلماً، ليسجّل احتياجات الناس. ويحاول بذلك استعادة شرعيته المتآكلة من بوابة الخدمات الاجتماعية، بعد أن فقدها من بوابة الشرعية العسكرية، عقب أن صارت “المناطق المحررة” تحت وصاية وحماية الجيش التركي».

كما أشار “شريفه” إلى أنّه «بعد التدخّل التركي في المنطقة، بات “الجولاني” يدرك أن انزياحاً في موازين القوة والسيطرة قد حدث، وأنه أمام الوضع الجديد، من عودة #الجيش_الوطني ووجود #الجيش_التركي، بات في خطر يهدد شرعيته، وإمساكه بمقاليد الحكم في إدلب، لذلك اضطر لتكثيف ظهوره الإعلامي ولقاءاته الشعبية، فنراه تارةً مع أبناء الشهداء في يوم العيد، وتارةً أخرى مع النازحين، ثم مع الوجهاء وشيوخ العشائر».

ووفقًا لـ”شريفة” فإن “الجولاني” «يستهدف بناء عصبة جديدة حاملة لسلطته، وتحقيق الالتصاق بالمجتمع، وانقاذ سمعة فصيله، التي هبطت لأدنى مستوياتها، بعد فشله الذريع في حماية المناطق التي يسيطر عليها، ويفرض فيها الضرائب على المدنيين».

 

رسائل سياسية

الباحث “شريفة” أكد أن هناك أهدافاً إعلامية، ورسائل سياسية، أراد “الجولاني” إيصالها، ومنها «التأكيد أن “الهيئة” ما زالت في أوج قوتها، ولا يمكن إزاحتها. إضافةً لتوجيه رسالة لتركيا، مفادها أنها لا تستطيع حكم الشمال السوري، إلا من خلال قوة محلية منظّمة، وقادرة على ضبط المنطقة. ورسالة أخرى للمجتمع الدولي، مفادها أن “تحرير الشام” باتت اليوم قوة مدنية، وهي في حالة قطيعة تامة مع “القاعدة” نهجاً وتنظيماً».

كما ذهب المحلل نفسه إلى أن “الجولاني” «أراد تركيز الاهتمام على شخصه، في وقتٍ ضعف فيه نفوذ “الهيئة”، وذرعها المدني #حكومة_الإنقاذ، لقطع الطريق أمام استبداله من داخل تنظيمه وجماعته، وخلق انطباع أن مناطق الشمال لا يمكن أن تنضبط إلّا بوجود “حكومة الإنقاذ”، والأخيرة لا يمكن أن تدير المنطقة إلا بقوة عسكرية مساندة هي “تحرير الشام”، التي بدورها لا يمكن أن تبقى متماسكة إلا بوجود “الجولاني” على رأسها».


التعليقات