بغداد 16°C
دمشق 10°C
الجمعة 27 نوفمبر 2020
الرئيس السوري "بشار الأسد" والرئيس العراقي الأسبق "صدام حسين"

تشابهاتٌ في تراجُعِ ثرواتِ سوريا بشار وعِراق صدام.. هل سيكتمل السيناريو؟


ربما يكون #حافظ_الأسد وابنه “بشار” قد ازدروا #صدام_حسين ونظامه، ولكن هناك أوجه تشابه في مسارات أنظمتهم.

قبل عشر سنوات تقريباً وقبل اندلاع #الثورة_السورية ضد خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، استيقظ سكان #دمشق على مشهد لم يره معظم السوريين من قبل. فقد كان الناس يصطفون في مراكز الاقتراع في المدينة للتصويت في انتخابات حرة. لكن الناخبين لم يكونوا سوريين! فقد أنشأت #الأمم_المتحدة مراكز الاقتراع لـ 190.000 ناخب مؤهل بين اللاجئين العراقيين في البلاد.

اليوم، وبعد ما يقرب من عقد من الثورة السورية والحرب الأهلية التي تلتها، لا يزال #بشار_الأسد رئيساً. لكن الانهيار المتجدد لليرة السورية في الأسابيع القليلة الماضية يساهم في الدمار الاقتصادي في المناطق التي تسيطر عليها #الحكومة_السورية، يشبه إلى حد كبير وضع #العراق خلال الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في الفترة من 1991 إلى 2003.

حيث يؤثر التدهور على المؤيدين الأساسيين للنظام الذي يسيطر عليه العلويون، ويقوّض الموقف المنتصر لداعمي الرئيس السوري من الإيرانيين والروس.

المكافآت الموعودة

الانتخابات “الديمقراطية”، التي شارك فيها اللاجئون العراقيون، كانت ممكنة فقط بسبب تدخل الولايات المتحدة الذي أطاح نظام “صدام حسين”. وحتى المعارضة السورية لا تتوقع أن يسقط اقتصاد الأسد، ولا يوجد صانع قرار أميركي يفكر في القيام بعمل عسكري لقطع رأس النظام أو إزالته.

لكن قانون العقوبات الأميركي الجديد “قيصر” يحد من القنوات المالية التي ساعدت في حماية النظام من الانهيار الاقتصادي، وعلى وجه الخصوص الموالين العلويين.

وكان الأسد يلمح إلى مكافآت لأنصاره من الطائفة العلوية لمساعدته على ما يصفه بالانتصار في حربه ضد “الإرهاب”، منذ التدخل الروسي أواخر  2015. لكن العقوبات الجديدة التي فرضت الأسبوع الماضي، قلّلت من احتمالات مشاركة الغرب في جهود إعادة الإعمار الدولية التي دعت إليها #موسكو لدعم ما تصفه بـ “الحكومة السورية ذات السيادة”.

زوال مراكز الأعمال الرئيسة

في السنوات الثلاث الأخيرة من حكم صدام حسين، كانت سوريا مصدراً رئيسياً للقطع الأجنبي للعراق. وقد ساعدت #دمشق حكومة “صدام” على كسر الحصار بعد أن ورث “بشار الأسد” السلطة من والده حافظ في العام 2000، على الرغم من العداء المتبادل الذي يعود إلى انقسام #حزب_البعث إلى جناح سوري وآخر عراقي في ستينيات القرن الماضي.

من جهته، عمل #لبنان كواجهة تجارية للأسد وشبكاته لعقود، لكن الانهيار المالي في #بيروت حدّ من تدفق الدولار إلى مناطق الحكومة السورية، وساهم في خفض قيمة الليرة السورية.

وكان انخفاض العملة السورية مذهلاً، حيث بلغ متوسط الراتب، البالغ 20000 ليرة الآن، سبعة دولارات أميركية. ويصل سعر الصرف نحو 2700 ليرة سورية للدولار مقابل 650 قبل أن تضرب الأزمة لبنان في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني من العام الماضي، و 50 ليرة عند اندلاع الثورة السورية في شهر آذار  من العام 2011.

انفلات مطابع العملة من عقالها

ويقول مصرفيون إقليميون إن جزءاً من الانهيار، هو نتيجة قيام الحكومة السورية بطباعة العملة لدفع الرواتب الحكومية ونفقات الحرب.

وكانت العملة العراقية قد انخفضت من 10 دنانير مقابل الدولار الواحد قبل الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة عام 1991 إلى 3500 دينار للدولار عشية الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في شهر آذار من العام 2003. فقد وجه الحصار ضربة قاتلة للاقتصاد، وطبعت حكومة صدام حسين الدينار.

وتعافى الدينار إلى 1400 مقابل الدولار الواحد في الأشهر التي تلت سقوط صدام حسين في شهر نيسان من العام 2003، ويتم تداوله عند مستويات مماثلة اليوم. وكشفت أرقام البنك المركزي العراقي، التي عرضت لصدام حسين فقط، أن الاقتصاد انكمش بنسبة 56% في عام 1991، قبل أن ينتعش قليلاً في عام 2001، حيث كانت التجارة غير المشروعة مع سوريا على قدم وساق.

وقد صنّف #البنك_الدولي سوريا في عام 2016 كواحدة من أفقر دول العالم، بسبب “الانخفاض الحاد” في دخل الفرد. وقال البنك حينها إن التصنيف «يؤكد الحجم الهائل للضرر الذي ألحقته الحرب بالاقتصاد السوري».

ويرى رجل أعمال سوري مؤيد لـ بشار الأسد أن اقتصاد الحرب يعوض الكثير من العلويين في الأجهزة العسكرية والأمنية عن انخفاض قيمة رواتبهم بسبب انهيار الليرة. لكن في الوقت ذاته فإن البعض في جبال العلويين والمناطق الساحلية يلجئون إلى “زراعة الكفاف”.

حيث يقول رجل الأعمال المذكور: «يتم اليوم زراعة المزيد من قطع الأراضي الصغيرة من قبل أولئك الذين ليس لديهم مكاسب غير متوقعة من الحرب، لأنهم لا يستطيعون تحمل احتياجاتهم من الغذاء».

كما أن التذمر في المجتمع العلوي، بشكل غير مباشر ضد الأسد، بدأ في الظهور إلى العلن وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، تراجعت مديرة شبكة إلكترونية موالية تسمى مجموعة أخبار اللاذقية عما قالته هذا الشهر بعد أن اشتكت من التدهور الاقتصادي في مدينتها جبلة، على الساحل السوري.

كما انطلقت مظاهرات في محافظة #السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، تطالب بإسقاط النظام، قبل أن تهاجمها قوات الأمن وتعتقل عدداً من المتظاهرين. ويعتبر النظام الدروز حليفاً طبيعياً، حيث قام بتسويق نفسه كحامي للأقليات في البلاد.

تفتيت الموالين

يتوقع المعارض السوري “فواز تلو” أن يؤدي التدهور الاقتصادي إلى حل التحالفات بين الأسد والأقليات الأخرى، وإشعال مزيد من الحروب بين الميليشيات العلوية التي توسعت خلال النزاع.

وأوضح “تلو”، أنه «بغض النظر عن الظروف الاقتصادية، فإنه لا يتوقع تحركًا كبيرًا بين العلويين للإطاحة بـ بشار الأسد، لأن النظام بأكمله قد ينهار». مضيفاً، «مشكلتهم الرئيسية هي أن الحرب قد بدأت تهمد والكثير يعيشون من الغنائم القديمة».

ويرى “تلو” أن النموذج الاقتصادي للنظام منذ تولي حافظ الأسد السلطة في انقلاب قبل 50 عاماً «تم بناؤه على ابتزاز السنّة الذين خلت البلاد منهم، وأن معظم 12 مليون لاجئ ونازح في سوريا هم من السنّة». ويتنبأ بأن «الأقليات سوف تتعرض لضغوط من أجل دفع الأموال للمسؤولين العلويين».

الميليشيات والأعمال

المنطقة الساحلية هي موطن “شبّيحة” العلويين، نواة القوات شبه العسكرية للنظام. وقد توسعت عمليات تهريبهم وأنشطتهم غير المشروعة الأخرى مع لبنان بعد العام 2011، إلى جانب دورهم كداعمين منفذين لحكم الأسد. ويأتي لقب “الشبّيحة” من الكلمة العربية شبح، كما يطلق هذا الاسم على سيارات الصالون مرسيدس السوداء من الفئة S التي تقودها الميليشيات.

وكانت قد ظهرت في العراق بعد عام 1991 طبقة جديدة من رجال السُنة الموالين والمرتبطين بـ “عدي” نجل “صدام حسين”. وكانت وسيلة النقل المفضلة لديهم هي (تويوتا لاند كروزر) البيضاء. كما كان أهالي مدينة #تكريت مشهورين بعمليات التهريب وعقدت صفقات في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة، والذي اتضح فيما بعد أنه فاسد بشكل كبير. وتم استبدال شبكة “عدي” بعد عام 2003 بمثيل شيعي مجزأ أكثر  يُعرف باسم “الحواسم”، ويعني من يحصلون على الخصم في الأسعار.

صعود وسقوط رجال المال

مع تنامي الشعور لدى بعض العلويين بأنهم كان يضحّى بهم كوقود حرب من أجل بقاء الأسد، أعطى النظام صدقات ومساعدات للعائلات التي فقدت أبنائها في القتال. وارتبطت الأموال الممنوحة بشبكة أعمال يديرها ابن خال الرئيس، #رامي_مخلوف.

واندلع خلافٌ بين “مخلوف” وابن عمته، ليكشف أجزاء من الثروة الضخمة التي تراكمت على مدى عقود من قبل الدائرة الضيقة للأسد. وأدلى “مخلوف”، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه “خازن دار” النظام، بسلسلة من البيانات المسجلة بمقاطع فيديو في شهر أيار الماضي، انتقد فيها “الأسد” ومن حوله بسبب ما اعتبره خيانة. ويرى رجال الأعمال الذين يعرفون “رامي مخلوف” معرفة جيدة أن معرفة هذا الأخير وحده بمكان الأموال في الخارج، ساهم في تجنيبه التصفية الجسدية.

لكن “صدام حسين” لم يكن ذلك الصبور مع أقاربه، حيث قُتل اثنين من أصهرته في شهر شباط من العام 1996، على الرغم من أن أحدهما عُهد إليه بأموال لم يستردها صدام. فقد انشق “حسين كامل” وشقيقه، المعروف بصدام ماجد، وهربا إلى #الأردن آخذين معهما زوجاتهما، اللتان كانتا ابنتا صدام حسين.

وكان كامل مسؤولاً عن إعادة بناء المجمع العسكري الصناعي للنظام العراقي، وكان لديه أموال كبيرة تحت تصرفه. ونيابةً عن الأربعة الفارين، قرر قبول عرض صدام “بالعودة الآمنة”. ووصفت #مادلين_أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، قراره بأنه أحد أكثر القرارات الحمقى التي شاهدتها.

وقاد “عدي” وشقيقه “قصي” قوة استخدمت أسلحة مضادة للدبابات لقتل “كامل” و”ماجد” في فيلا ببغداد، بعد يومين من عودتهما إلى العراق، بالطريقة نفسها التي قتل بها ابنا صدام بعد تسع سنوات في غارة أميركية على فيلا مسورة ومرتفعة  بالموصل، حيث كانوا يختبئون.

الأكراد البراغماتيين

كان الدخل الرئيسي لصدام حسين في ذلك الوقت هو الوقود المهرب إلى #تركيا عبر زعماء البيشمركة الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة في شمال العراق، عدوه اللدود، في انتهاكٍ واضح لعقوبات الأمم المتحدة.

فـ تحت الحماية الجوية الأميركية والبريطانية، قامت النخبة الحاكمة بحكم الأمر الواقع في كردستان العراق بإثراء نفسها ولعبت دوراً رئيسياً في بقاء صدام، على الرغم من حملته لتدمير شمال العراق في الثمانينيات.

دورٌ عكسي تلعبه القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا، والتي تبيع النفط الخام لنظام الأسد لاستخدامه في مصافيه.

تكلفة تجنب المخاطر

ساهمت نظرية أن “الديكتاتورية أقل شراً” في قرار “جورج دبليو بوش” بالامتناع عن دخول في بغداد في عام 1991. ولعل السبب نفسه يعود جزئياً إلى قرار #باراك_أوباما في اللحظة الأخيرة بعدم قصف مواقع النظام السوري، بعد مقتل حوالي 1400 مدني بالغاز في ضواحي مدينة #دمشق عام 2013.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيارون الفرنسيون في قمرة القيادة ينتظرون الأوامر بقصف المواقع السورية، تراجع “أوباما” وذهب إلى اتفاق بوساطة روسية مع النظام لتسليم أسلحته الكيميائية.

ويقول مسؤول أوروبي اطلع على الهجوم الذي تم إحباطه لصحيفة “ذا ناشيونال”، إن الهجوم المخطط له من قبل الولايات المتحدة وفرنسا كان محدوداً، لكن كان له عواقب محتملة وغير مقصودة لإسقاط النظام.

ومع انتشار ثورات الربيع العربية في شهر كانون الثاني من العام 2011، أوضح “بشار الأسد” إلى أنه استبق تأثير العدوى عن طريق بدء ما وصفه بـ “الحوار” مع الناس، مشيراً إلى رفع جزئي للحظر الإعلامي ومشروع قانون للانتخابات المحلية. ورأى في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال أن الإصلاحات السياسية الجوهرية يجب أن تنتظر جيلًا آخر.

ومن بين الأسباب التي أعطاها لتأجيل الإصلاح الديمقراطي كانت «الفوضى والتطرف» التي سبّبها التدخل الأميركي في العراق، وإعطاء الأولوية لتحسين الاقتصاد السوري. لكنه لم يصلح شيء، ومثل صدام، لو لم تتدخل الولايات المتحدة في العراق، يبدو أن نظامه جاهز للبقاء على المدى الطويل، لكنه يزداد هشاشةً.

 

المصدر: (The National)


 


التعليقات