بغداد 18°C
دمشق 18°C
الجمعة 30 أكتوبر 2020
مبنى مديرية صحة السويداء - صورة أرشيفية

“كورونا” يغير العادات والتقاليد في السويداء، وسط هشاشة القطاع الصحي


غيرت جائحة #كورونا كثيراً من عادات وتقاليد أهالي المنطقة الجنوبية في سوريا، وخاصة طقوسهم في دفن الموتى وتلقي العزاء، وعاداتهم في الاحتفال بعيد الأضحى.

بعد وصول “كورونا” إلى سوريا راجع عدد كبير من المرضى في #السويداء عيادات الأطباء والمشافي، وهم يشتكون من الحرارة العالية، وضيق التنفس، وأعراض لم يستطع الأطباء تشخيصها. وسط تحذيرات أطلقها مسؤول طبي، لم يستجب لها أحد. فقد لاحظ الدكتور “خلدون أبو حمدان”، مدير مشفى “زيد الشريطي” العام في مدينة السويداء، ازدياد أعدد المرضى المصابين بآلام حادة في الرئتين والوهن عام، دون أن يجد الأطباء علاجاً لهذه الأعراض سوى المسكنات. وللوقاية من خطر وباء محتمل كانت إدارة المشفى تلفّ المتوفين نتيجة هذه الأعراض الغامضة بأكياس عازلة، وتطلب من أقاربهم دفنهم بسرعة.

 

إجبار المجتمع على التغّير

وودّعت السويداء عدداً غير مألوف من الوفيات، بصلوات أقيمت على نطاق ضيق، وضمن عزل كامل في التوابيت، وكانت ذلك يقابل بالرفض من كثيرين، على اعتبار أن الموت حق ومكتوب على الجميع، وعلى المجتمع ممارسة العادات كما هي، لأن المتوفى له الحق بالتكريم في مماته. وكانت التجمعات الهائلة تفرض وجودها عندما يتوفى شخص معروف.

بالمقابل فإن ذلك الرفض يختفي عندما يكون المتوفى امرأة، فيتم تطبيق الحظر، ويقلّ عدد المشيعين، ويُختصر العزاء ليوم واحد فقط. وهو تمييز رفضه كثيرون من المواطنين، في مجتمع صغير يعرف أفراده بعضهم.

يقول الشيخ “عبد الوهاب أبو فخر”، المستشار الديني في “الهيئة الروحية للطائفة الدرزية”: «بين شد وجذب، صدر بيان واضح من الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز، يطلب فيه جعل طقوس الوفاة مقتصرة على عدد محدد من المقرّبين، وليوم واحد فقط، مع مراعاة التباعد والوقاية. فيما كانت الأعراس القليلة نسبياً تتم كالعادة، وينشر أصحابها الفيديوهات عن الأغاني والتجمعات الكبيرة، دون أي شعور بالمسؤولية، وهو ما جعل الهيئة تصدر بياناً شاملاً عن الأفراح والأتراح، وتحاول أن تغّير نمط العادات المتبعة منذ مئات السنين، ومنها الطقوس الخاصة بعيد الأضحى (العيد الرئيسي للطائفة)، وخاصة ما يتعلق بـ”عشر العيد”، حين يجتمع المؤمنون في كل قرية ومنطقة ومدينة بمجلسهم الخاص، ويمارسون صلواتهم وشعائرهم وصيامهم القاسي طوال عشرة أيام. لكن الظرف الاستثنائي فرض علينا أن نجري هذه الطقوس في المنزل، والابتعاد عن التقبيل والمصافحة. وعلى الرغم من الألم الذي يشعر به كل مؤمن، بسبب تقصيره في هذه الأيام، ولكن الوضع يتطلّب التكيّف»، حسب تعبيره.

وأضاف “أبو فخر”، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «تغيير العادات واجب شرعي، طالما أن هناك خطراً على المجتمع، وهو ما ينسحب على طقوس العيد، التي يجب أن تقتصر على البيت الواحد فقط».

الدكتور المخبري “أكرم أبو عمر” شدّد طوال الأشهر الماضية على خطورة الوباء، وركز كثيراً على ما سماه «استهتار الناس بالإجراءات الوقائية»، وقال، في حديثه لموقع «الحل نت»، إنه «وصل لمرحلة من اليأس من التزام الناس، حتى بدأ الوباء يحصد المواطنين بكثرة»، وهو ما دعاه لـ«تكثيف رسائله اليومية، مطالباً بتغيير العادات غير الصحية، التي يعتقد البعض في المحافظة أنها مقدسة، مثل شرب القهوة المرة والمتة والتقبيل»، محذراً من «موجات كثيفة لانتشار الفايروس»، ومطالباً بـ«الوقاية والتباعد الاجتماعي».

 

قلق يجتاح الجميع وتخبّط بالتصريحات

الرسائل الصوتية، التي يبثها الأطباء السوريين كل يوم تقريباً، تؤكد أن سوريا كلها معرضة لانهيارات صحية متتالية، «ليس فقط بسبب الوباء الذي انتشر بقوة خلال الأيام السابقة، بل بسبب عدم وجود بنية تحتية للمعالجة أو الإسعاف، فقد تحولت غالبية المشافي العامة لأمكنة معزولة، لكن تنقصها أجهزة التنفس الصناعي»، بحسب آخر رسالة بثّها الطبيب “محمد الخاني”، الذي نصح المواطنين، الذين يشعرون بأعراض “كورونا”، بـ«حجر أنفسهم في منازلهم، لأن قدرة المشافي على الاستيعاب وصلت لحدها».

وعلى الرغم من منشورات مديرية صحة السويداء اليومية عن عدد الإصابات وحالات الشفاء ورسائل التوعية، إلا أن الثقة المعدومة مع أي جهة حكومية هي السمة السائدة في المحافظة.  يقول أحد الإعلاميين العاملين في الإعلام الرسمي، رفض ذكر اسمه، في خديثه لموقع «الحل نت»، إنه «يحاول مع كل صباح ربط منشورات وزارة الصحة السورية، مع منشورات مديرية صحة السويداء دون طائل، فالتناقض واضح، والأعداد مختلفة، ولا يوجد تنسيق، وهذا التخبط عائد إلى انتشار المرض وعدم القدرة على استيعابه» مؤكداً بذات الوقت عدم قدرته على «الدخول إلى مركز الحجر الصحي الرئيسي في مشفى “سالة”، لأن ذلك يتطلب موافقة وزير الصحة».

 

معاناة الكادر الطبي 

غير أن هناك مشكلة كبيرة لم تكن في الحسبان، تحدثت عنها الكاتبة “سلمى عبيد”، وهي امتناع الكادر الطبي عن العمل، فإحدى الممرضات في المشفى العام «ترفض الدوام، وتؤكد أنها ليست مجبرة أن تعرّض نفسها وأسرتها لمرض شرس، من أجل مجتمع لا يفعل أي شيء لتجنّب الكارثة»، بحسب رواية “عبيد”.

وهذا الامتناع عن العمل ذكره الطبيب “الخاني” في رسالته الصوتية، عندما قال إن «الكوادر التمريضية تخشى الموت، وتمتنع عن دخول غرف العزل الصحي، وهي مشكلة كبيرة يحاول الأطباء حلّها بدخولهم للغرف عوضاً عن فريق التمريض».

وأوضح طبيب، فضّل عدم ذكر اسمه، أن الكادر الطبي «يعمل ليل نهار، متحملاً التعب والخطر، والناس لا تتصور حجم المعاناة». ويضيف، في حديثه لموقع «الحل نت»: «أنا أعود إلى البيت كل يوم شاعراً بالرعب من أن أكون حاملاً لفيروس قاتل لأسرتي. أقاربي وجيراني وأصدقائي أصبحوا يتعاملون معي وكأنني أحمل حزاماً ناسفاً»، حسب تعبيره، مؤكداً بذات الوقت أن «وسائل الوقاية المتوفرة للكادر الطبي ليست كافية، وأفراده يعيشون كابوساً مرعباً، وكلما سمعوا بوفاة طبيب يتساءلون من سيكون التالي».

الجائحة، حسب المعطيات المتوفرة، تكشف عن كارثة كبيرة، خاصة أن البلاد كلها محاطة بالأوبئة والفقر والانهيار الاقتصادي، الذي يمنع البسطاء من التفكير حتى بشراء الكمامات، فكيف بتغيير نمط الحياة.


التعليقات