بغداد 31°C
دمشق 32°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

المعارضة السوريّة والنفخُ في قِرْبةٍ مثقوبة


بعد ما يناهز التسعة أعوام من عمر الحرب السورية، ودخولها في دوامات معقدة، تأتي محاولات التقارب بين القوى المحلية على الأرض أشبه بالتمسك ببصيص أملٍ  أمام واقع، باتَ فيه الحلّ أصعب من أيّ وقت مضى، نتيجة تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية المهيمنة على القرار السوري، وتشكيل حكومات أمر واقع خدمة لمصالحها، تصبح فيها إمكانية تعايش مجتمعاتها داخل البلد الواحد مهمة أشبه بالمستحيلة.

تعيش مناطق النفوذ الثلاث في سوريا في ظروف قلما تستطيع التمتع بقدر من الاستقرار الأمني، فمناطق الحكومة السورية مثلاً تتعرض لغارات مستمرة من الطيران الإسرائيلي بحجة مناهضة الوجود الإيراني المتعاظم في سوريا، وتغلغلها داخل مفاصل الحكم السورية، وكذلك فهي تعيش حالة اقتصادية غاية في السوء نتيجة الفساد الحكومي وتأثير الحرب، وكذلك العقوبات المفروضة على سوريا منذ عام 2011 وآخرها قانون قيصر.

التفاهمات المحلية الحاصلة في الداخل السوري -وإن كانت محدودة- فهي أفضل من التقوقع المذهبي والعرقي الذي لن ينتج سوى مزيداً من الأزمات الداخلية.

أما مناطق سيطرة “المعارضة السورية” وهي تسمية كانت تصحّ قبل أن تسلّم كامل زِمام أمرها لتركيا، حيث باتت التسمية الأقرب للصحة هي “الجماعات التابعة لتركيا” منها لمعارضة نظام حكم الرئيس بشار الأسد، سكان هذه المناطق يعيشون بشكل يومي في رعب الفصائل المسلحة المسيطرة عليها، وهي جماعات غير منضبطة إلا في حال صدور الأوامر التركية، وتقوم بفرض إتاوات على المواطنين، بالإضافة إلى الحروب البينية بينها، سعياً لكسب ضرائب أكثر.

الأمر الذي يؤثر على استقرار الأوضاع فيها، ناهيك عن التهديد اليومي بقصف الطيران السوري، وكذلك اجتياح الجيش السوري وحلفاؤه لتلك المناطق سعياً للسيطرة على الطريق الدولي السريع M4 الذي يربط بين حلب واللاذقية، حيث يعتبر منفذاً لتعزيز التجارة الداخلية، في طريق الالتفاف على العقوبات الأميركية الأخيرة.

بالإضافة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الكثير من الأهالي الذين سكنوا في هذه المناطق يعلمون علم اليقين أن لهذه الأراضي سكاناً أصليين سيعودون يوماً ما إلى ديارهم، وبالتالي فلا يستطيعون التصرف بها كمُلّاك للأرض.

أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فالخوف من الاجتياح التركي بات يلازم جميع السكان، وأصبح الجميع يتخوف من خطر اللجوء إلى خارج البلاد، خصوصاً أن فرصة النزوح الداخلي بات صعباً للغاية بعد سيطرة الجيش التركي وموالوه السوريون على كل من عفرين وتل أبيض ورأس العين.

عَمَدَت بعض المدن إلى اعتماد التداول بالليرة التركية بدلاً من العملة الوطنية السورية، وكذلك فإن تتريك المؤسسات الرسمية جارٍ على قدم وساق.

حالة عدم الاستقرار الأمني تلك لم تمنع بعض القوى من نسج تحالفات داخلية بغرض تنسيق المواقف في مواجهة الاستحقاقات المستقبلية، وكانت مناطق شمال وشرق الفرات هي الأكثر فاعلية في إقامة هذه التحالفات، ويمكن إرجاع ذلك إلى حالة التعددية السياسية “النسبية” وكذلك الإثنية والدينية في هذه المناطق.

التحالفات بين مكونات المنطقة كان قد بدأها حزب الاتحاد الديمقراطي حين أعلن عن الإدارة الذاتية الديمقراطية مطلع العام 2014 بمشاركة حلفاء له من بعض العشائر العربية وكذلك أحزاب سريانية وآشورية وغيرها، وأكمل مشروعه التحالفي بتأسيس مجلس سوريا الديمقراطية عام 2015 حيث تحالف مع عدد من أقطاب المعارضة في الداخل السوري، ورغم الإخفاق في تحقيق الأهداف المرجوة منه، فقد كانت محاولة واعدة لتشكيل جبهة وطنية سورية عابرة للأديان والقوميات والطوائف، ودون أي تبعية لجهات إقليمية ودولية.

المجلس الوطني الكُردي بدوره، وبعد أن كان محصوراً في فلك الائتلاف المرهون قراره لتركيا، فقد بات يحاول أن يعمل في حيّز خاص به، وأن يستفيد من التطورات في المشهد الراهن، فتفاعل إيجاباً مع الجهود الرامية لترتيب البيت الداخلي الكُردي، والالتقاء مع حزب الاتحاد الديمقراطي في منتصف الطريق، للاستفادة من إمكانية رعاية أميركية لأي اتفاق مستقبلي تنال فيه الإدارة الذاتية اعترافاً سياسياً من واشنطن، وهو ما لم يحصل حتى الآن رغم التعاون العسكري بين البنتاغون وقوات سوريا الديمقراطية منذ قيام التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” عام 2014.

يحاول “الوطني الكُردي” بمباركة من الحزب الديمقراطي الكُردستاني في إقليم كردستان العراق أن يستفيد من التناقضات الحاصلة في المشهد السوري، فبقاؤه ضمن الائتلاف يشكل أولوية بالنسبة له، باعتباره الجسر الذي من خلاله يخرج إلى الفضاء الدولي، لكنه بنفس الوقت غير مستعد للبقاء بالدور الضعيف الذي هو فيه منذ سنوات، لذا فقد عَمَدَ إلى التحالف مع المنظمة الآثورية الديمقراطية (شريكه في الائتلاف وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية) وتيار الغد السوري (العضو في منصة القاهرة والتي هي جزء من هيئة التفاوض) بالإضافة للمجلس العربي في الجزيرة والفرات، وأطلقوا  “جبهة الحرية والسلام” خلال سلسلة اجتماعات في مدينة القامشلي.

وعلى الرغم من تركيز تلك التحالفات على وحدة سوريا، فإن أول من يرفض تلك التحالفات هم الجماعات الموالية لتركيا، والتي لا تألو جهداً في سبيل إحداث قطيعة مع الوطن السوري عبر إلحاق المدن الواقعة تحت سيطرتها بالولايات التركية في الجوانب الإدارية والاقتصادية والتعليمية، حيث عَمَدَت بعض المدن إلى اعتماد التداول بالليرة التركية بدلاً من العملة الوطنية السورية، وكذلك فإن تتريك المؤسسات الرسمية جارٍ على قدم وساق، وأصبحت اللغة التركية أساسية في مناهج تلك المناطق.

بل وجنّدت المئات من المرتزقة السوريين للقتال في ليبيا دعماً للحكومة الليبية الموالية لجماعة الإخوان المسلمين، في الوقت الذي لا يمكن التنبؤ بمصير مناطق سيطرتهم في الداخل السوري.

التفاهمات المحلية الحاصلة في الداخل السوري -وإن كانت محدودة- فهي أفضل من التقوقع المذهبي والعرقي الذي لن ينتج سوى مزيداً من الأزمات الداخلية، والتي بدورها تؤثر سلباً على إمكانية إيجاد حل إقليمي ودولي للكارثة السورية، ووحدها الحلول السلمية هي الطريق لوصول السوريين إلى تفاهمات توصلهم إلى إعادة بناء دولتهم على أسس تختلف عن تلك التي سادت لعقود، وكانت سبباً رئيسياً للمأساة الحاصلة خلال ما يقارب عشر سنوات، أما دعاة الفرقة، والتوجه ذات اللون الواحد فهم  ينفخون في قِرْبة مثقوبة.


 


التعليقات