بغداد 30°C
دمشق 23°C
السبت 19 سبتمبر 2020

صفقةُ النِّفط ومكائدُ روسيا تجاه «قسد»


أخذت قضيةُ عقد صفقةٍ نفطية بين قوات سوريا الديمقراطية وشركةٍ أميركية؛ الكثير من الضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإعلامية الموالية للسلطات المحلية في شرق الفرات. هذا الضجيج الزائد- كان فيما يعتقد الكثيرون- محاولة من تلك الجهات الرسمية إظهار مدى قدرة الإدارة الذاتية وقسد على تحقيق الانتصارات السياسية والدبلوماسية لصالح مناطق سيطرتها بعد العديد من الطعنات السابقة المؤسفة التي تعرضت لها خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي  شملت نكبات عفرين، ورأس العين، وتل أبيض، وغيرها.

هذا الضجيج المرافق والممنهج نسبياً، لكل حركة أو خطوة من الخطوات الجديدة على الساحة المحلية للإدارة في شرق الفرات، يُشير إلى أن سلطات شرق الفرات، ومنافذها الإعلامية، يمرون بشيء من تضخيم الذات، ويتهرّبون من حقيقة أن تلك الصفقة قد تضع نصف الأراضي التي تحت إدراتهم تحت التهديد الروسي المباشر. شيء من محاولة القفز والتناسي لاحتمال ظهور مكائد روسية جديدة ضد (قسد) في الخط الجغرافي الغربي لما يسمى بشرق الفرات في مقابل تحقيق مكاسب آنية في الشارع المحلي.

الوضع العام في عموم مناطق سيطرة (قسد) تحكمه توازناتٌ دقيقة لا تعرف حتى اللحظة سياسة “فصل الملفات”.

التوجه الحالي للقوات المحلية في شرق الفرات للبحث عن حبلٍ للقفز على هشاشة الوضع القائم في الداخل، وتفادي التلامس الحقيقي لمشاكل الناس في المنطقة الممتدة على عموم شمال شرق سوريا، وخاصة، مع قلة الخدمات، وارتفاع الأسعار، وسوء الإدارة،  هو المُفسّر لتحويل تلك الصفقة المتواضعة بالمقارنة مع مثيلاتها من الصفقات النفطية التي تجدها في دول الجوار، وبخاصة في جنوبي العراق، إلى عناوين فاقعة لجل المنافذ الإعلامية في شرق الفرات.

وعلى  الرغم أنه لا يمكن  دحض حقيقة أن الخطوة الأخيرة، والتي لا زالت غير واضحة التفاصيل لحداثة الشركة المُوقعة على العقد، هي خطوة جديدة على ساحة الصراع في سوريا. لكن، هذه الخطوة التي لا يبدو أنه هناك توافق أو تواصل أميركي روسي عليها على اعتبار أن القطاع الخاص الأميركي له آلياته الخاصة في الوصول إلى الصفقات، ستزيد من التوتر في الخط الممتد من تل رفعت إلى مضارب تل تمر حيث النفوذ الروسي الواضح. شيءٌ من المخاطرة تقوم بها الإدارة الذاتية للفوز الداخلي في الخط الشرقي لمناطق سيطرتها في مقابل المُراهنة الخطرة على القدرة على امتصاص غضب الروس والنظام السوري في الخط الغربي.

تستسهل روسيا تسليم المناطق للنظام السوري أو حتى تركيا المجاورة بحسب درجة المقايضات أو العروض المتوفرة لديها.

البيان الصادر من النظام السوري حول الصفقة، كان كبير الغضب، وكان ذلك متوقّعاً. الجهات الأخرى المُعادية للمنطقة كتركيا، كانت على الموعد في الهجوم على (قسد)، واستخدمت هذه المرة خطاباً مقارباً لخطاب النظام ضد (قسد) وواشنطن.

أما الرد الروسي المتأخر كان حاداً جداً. لم يكن الروس بأقل غضب من الجهتين السابقتين. كان الخطاب مؤشراً على أن الروس يعتقدون أن (قسد) تميل للأميركيين أكثر. وهذا يعني بحسب المفهوم السياسي في موسكو أن (قسد) والإدارة الذاتية أصبحتا تخسران علاقتهما مع موسكو.

الروس الذين يكافحون لإبقاء النظام على قدميه، يدركون أن الكثير من الحاجات الرئيسية للنظام كالنفط تصل إلى المركز من شرق الفرات. شرق الفرات بدوره لا يستطيع الاستغناء حالياً عن المركز  الذي يقدم المشتقات النفطية للإدارة الذاتية من خلال المصافي الرسمية الكبيرة في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

لا تقدّم روسيا أيّ عروضٍ حقيقية ودستورية لإيجاد حلولٍ للقضايا الشائكة بين (قسد) والنظام السوري.

الصفقة بين (قسد) وواشنطن؛ ستُعجّل من عملية التوقف الجزئي، وقد يكون الكلي، لتلك الآلية المُتبادلة بين (قسد) والنظام. أي بمعنى آخر، سيتوّلد عند تنفيذ تلك الصفقة على الأرض، ضغط إضافي على حليف موسكو في دمشق.

هذا القلق الروسي؛ سيفتح الطريق للأتراك والنظام، وحتى الإيرانيين للتكاتف، والدفع بالروس للعمل على معاقبة القوات الديمقراطية بطريقةٍ من الطرق المُمكنة. كان الرفض الروسي لما طرحته (قسد|الإدارة الذاتية) في إحدى بياناتها عن أن شركات روسية تتقدم لمناقصات للاستثمار في المنطقة، دليلٌ على أن الترويج لتشاركية اقتصادية روسية مع (قسد) موازية لتشاركية الأخيرة مع أميركا، لم تنجح حتى اللحظة.

الروس يعتقدون أن التشارك مع (قسد) قد تُفيد بعض الجهات الاقتصادية في موسكو، ولكنهم يدركون أن حمولة دمشق كبيرة، وهم المسؤولون عن مساعدة نظام دمشق على حملها. لذا، فانتقاد الصفقة كان الأوضح. ببساطة أكثر، ترى روسيا أن مساعدة النظام أهم حالياً من حصولها على بعض الصفقات الثانوية في شرق الفرات.

لا تتجابه موسكو مباشرة مع (قسد)، ولكنها، ولتذكير الأخيرة بقوة الأوراق بين يديها، تقوم  بتسيير دوريات مع تركيا في شمال شرقي سوريا.

الغضب في عواصم موسكو، دمشق وأنقرة، ضد خطوة (قسد) يجعل مناطق الشهباء، منبج، كوباني وحتى الرقة، تحت الضغط، وهي لروسيا وزنٌ فعلي فيها. تغضب روسيا التي بدورها لا تقدم أي عروض حقيقية ودستورية لإيجاد حلول للقضايا الشائكة بين (قسد) والنظام السوري، من كل خطوة لقوات سوريا الديمقراطية فيها تقارب مع واشنطن. غضبٌ متولّد من الغيرة السياسية الروسية تجاه واشنطن في تلك الزاوية من الجغرافية السورية.

كان من المتوقع أن يكون هناك تجاهلٌ روسي للصفقة، لولا أن حلفاء (قسد) قاموا بضجة كبيرة مُصاحبة للصفقة، ولولا قيام الأتراك بمغازلة النظام السوري في العدائية المشتركة ضد (قسد)، ولولا أن الصفقة بحد ذاتها إنهاكٌ لحليف موسكو الرسمي في سوريا. هذه الجزئيات كانت لها دور في تعقّد الأمور، وتزايد المخاطر على المنطقة الغربية من مناطق الإدارة الذاتية.

يتوقّف مصير القسم الغربي لشرق الفرات، على مسار الحراك السياسي، الاقتصادي، الدبلوماسي والإداري، لدى شقيقتها في القسم الشرقي لشرق الفرات.

السياسة الروسية في سنوات مشاركتها بالحرب في سوريا، تشير إلى أنها تستسهل الانفكاك من الوعود التي بينهم وبين (قسد)، وتستسهل تسليم مناطق من تلك الجغرافية للنظام السوري أو حتى تركيا المجاورة بحسب درجة المقايضات أو الغضب أو العروض المتوفرة للروس.

هذه الجغرافية التي للروس فيها نفوذٌ واضح، ولـ (قسد) سيطرة فعلية عليها، هي الورقة الضاربة لموسكو  في وجه طموحات الإدارة الذاتية، في حال شعرت روسيا أن (قسد) صارت في تحالفٍ تام مع واشنطن ضد مصالحها ومصالح النظام في سوريا.

في تلك الجغرافية المعنية، لا تتجابه موسكو مباشرة مع (قسد)، ولكنها، ولتذكير الأخيرة بقوة الأوراق بين يديها، تقوم  بتسيير دوريات مع تركيا في شمال شرقي سوريا، وتسمح للنظام باستعراض مقاومته الشكلية ضد “المحتل التركي” في عين عيسى حيث عاصمة الإدارة الذاتية. أي أنها تُذكّر (قسد) دوماً بأن موسكو هي الضابط الرئيسي لعدوانية تركيا والنظام ضد شرق الفرات.

يتوقف مصير المنطقة الممتدة من منبج غرباً إلى مضارب تل تمر شرقاً ومن كوباني شمالاً إلى الطبقة جنوباً  أو ما يمكن تسميتها القسم الغربي لشرق الفرات، على مسار الحراك السياسي، الاقتصادي، الدبلوماسي والإداري، لدى شقيقتها في القسم الشرقي لشرق الفرات، وهذا ما تتناساه الجهات الرسمية في الإدارة الذاتية والمنظومة الحاكمة لتلك المنطقة.

قلاقل التهرب من الواقع الخدمي والأمني في شرق الفرات، يغطي على حقيقةٍ لا بدّ للقائمين على الوضع في شرق الفرات من تذكّرها دوماً، وهي أن الوضع العام في عموم مناطق سيطرة (قسد) تحكمه توازنات دقيقة لا تعرف حتى اللحظة سياسة “فصل الملفات”، بل أن جميع الملفات مترابطة ومتداخلة لدرجة مُخيفة بين كل تلك الأطراف الحاكمة والموجودة في البلاد.


 


التعليقات