بغداد 29°C
دمشق 25°C
الإثنين 21 سبتمبر 2020
"حسن نصرالله" أمين عام حزب الله اللبناني- إنترنت

بعد تفجير بيروت: مصيرُ حزب الله على المِحك ونصر الله يُغامر بكل أوراقه


يواجه حزب الله اللبناني التحدّي الأكبر لنفوذها إثر تسليط الضوء على دورها المتنامي في البلاد ووضعه تحت المراقبة جراء الانفجار الهائل في #ميناء_بيروت في الرابع أغسطس آب 2020.

ليست هناك أية أدلة دامغة حتى الآن على صلة #حزب_الله سواء بنترات الأمونيوم شديدة الانفجار المخزنة في الميناء؛ أو بالنيران التي تسببت بالحادثة التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 177 شخصاً وإصابة ما يزيد عن 6 آلاف وتدمير مساحة كبيرة من بيروت.

إلا أن حزب الله اليوم في قلب موجة الغضب الموجهة ضد الطبقة الحاكمة في البلاد، نظراً لصفته أقوى قوة سياسية وعسكرية في لبنان. وتتضمن موجة الغضب هذه عدد متزايد من المسلمين الشيعة الموالين لحزب الله.

وفي حادثة هي الأولى من نوعها تحدث في العلن، قام المحتجون الغاضبون نتيجة الفساد والإهمال بشنق دمية لزعيم حزب الله #حسن_نصرالله في #ساحة_الشهداء ببيروت. وتم وضع اسمه إلى جانب اسم حزب الله على اللافتات، وتم إدراجه إلى جانب أسماء شخصيات بارزة أخرى ضمن الشعارات، حيث يلقى عليهم باللوم فيما يتعلق بالفساد والمتفشي وسوء الإدارة اللذان تسببا بتدمير الاقتصاد ودفع مئات الآلاف، نحو خط الفقر حتى قبل وقوع الانفجار.

«حزب الله في ورطة وحبل المشنقة يضيق حول خناقه»، يقول “هلال خشان”، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت. ويضيف متابعاً: «إنها معضلة حقيقية. إنهم لا يعرفون ما يفعلون، إلا أنهم مدركين تماماً أن المزاج السائد في لبنان اليوم لا يدعمهم حقاً».

تحذيرات حزب الله

في خطابه يوم الجمعة الماضية، تطرق “حسن نصر الله” إلى ما أطلق عليه اسم «الكلمات الجارحة والممارسات المؤذية»، موجهاً بذلك تهديدات مبطنة لمنتقديه. وسأل مؤيديه فيما لو كانوا غاضبين، ثم قال لهم: «تمسكوا بهذا الغضب. سوف نحتاج هذا الغضب يوماً ما لوضع حد نهائي لكل المحاولات لجر البلاد نحو حرب أهلية».

ولم يتوقف الأمر عند المسيحيين والمسلمين السُّنة الذين لطالما كانوا غاضبين من دور حزب الله ويوجهون الانتقادات له علانية. إنما بحسب سكان بعض المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الله، فإن الإيمان بعصمة حزب الله أخذ بالتلاشي بين بعض الشيعة الذين لطالما اعتبروا حزب الله حاميهم من #إسرائيل والدولة اللبنانية التي عاملتهم بتمييز عبر التاريخ.

«أنا أم معذبة بسببهم»، تقول “نينا” السيدة الشيعية التي تعيش في بلدة #النبطية في الجنوب، واصفةً الصعوبات التي تواجهها من أجل إطعام عائلتها والاهتمام بأفرادها وسط الظروف الاقتصادية المريعة.

وقد تحدثت “نينا” إلى الواشنطن بوست، مثلها مثل معظم الذين قابلتهم الصحيفة، شريطة عدم الكشف عن اسمها الكامل خوفاً من العواقب. وتضيف قائلةً: «غسل أدمغتنا بالحديث عن مقاومة إسرائيل لن يطعمنا خبزاً ولن يضمن مستقبل أطفالنا. إنهم السبب في كل ما يجري في بلدنا».

وبحسب أحد الداعمين الأقوياء السابقين لحزب الله، الذي يعيش في الضاحية الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحزب في بيروت والذي لا يزال تربطه بالحزب علاقات وثيقة، فإن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد «أدى إلى تحريك مستوى لم يسبق له مثيل، وإن كان لا يزال في مرحلة صمت، من السخط بين الشيعة اللبنانيين».

ويقول موضحاً: «حتى قبل الانفجار، ثلث الناس كانوا غاضبين. إنهم جائعون وليس لديهم المال لشراء الطعام أو الدواء». ويُضيف، «لا أحد يتجرأ على الشكوى. إنهم محكومون بالحديد والنار» مُشيراً إلى حالة القمع التي يعيشها الناس.

دولةٌ داخل دولة

يرى محللون ودبلوماسيون أن حزب الله قد يضطرّ الآن للكفاح من أجل الحفاظ على النفوذ الذي حققه منذ تأسيسه في الثمانينيات كحركة عصابات كرّست نفسها لطرد القوات الإسرائيلية والنفوذ الأميركي من لبنان.

وقد بنت الجماعة المسلحة، المدعومة من إيران، منذ ذلك الحين ما يعادل دولةً قوية موازية داخل الدولة اللبنانية لها جيشها الخاص وترسانتها المستقلة. وكثيراً ما يتفاخر نصر الله بأن حزب الله وسّع نفوذه ليشمل كل من #اليمن و#العراق و#سوريا، حيث كان لمقاتليه دوراً رئيسياً في بقاء الرئيس #بشار_الأسد في السلطة.

وفي الوقت نفسه، حشر حزب الله نفسه في السياسة اللبنانية السائدة لدرجة أن الرئاسة والبرلمان والحكومة الانتقالية، الذين أُجبِروا على الاستقالة الأسبوع الماضي نتيجة الغضب العام، تخضع  لسيطرة حلفاء هذا الحزب.

ولا يزال حزب الله يتمتع بولاء عددٍ كبيرٍ من الشيعة، مستنداً بشكلٍ جزئي إلى شبكات الرعاية الشاملة التي يحظى بها والخدمات الاجتماعية التي يقدمها حيث يتفوّق بها على تلك التي تقدمها الحكومة.

«ويستمر حزب الله في تمويل هذه الشبكات ويدفع لمقاتليه بالدولار، وهي سلعة نادرة في أيامنا هذه في لبنان»، بحسب وصف “ربيع طليس”، وهو ناشط وصحفي شيعي من #سهل_البقاع، والذي قال بأنه «تلقى تهديدات بالقتل جراء انتقاداته العلنية لحزب الله».

ويشير “طليس” إلى أن «الشقاق الطبقي» ينشأ بشكل متزايد بين من يتقاضون أجورهم بالدولار من أعضاء حزب الله وبين الشيعية العاديين الذين انهارت مكاسبهم بالليرة اللبنانية بسبب انهيار قيمة العملة المحلية.

ويضيف قائلاً: «هناك تزايد هام وملحوظ في الانتقادات الموجهة لحزب الله. الناس يقولون إن حزب الله شريكٌ في عملية الفساد وأنه في الوقت نفسه حامي الفاسدين».

من جانبه، يقول “علي ضاهر”، طالب يعيش في الضواحي الجنوبية وموالي سابق للحزب: «معظم الشيعة مستمرون في دعمهم لحزب الله ليس لأنهم خائفون، إنما لأنهم لا يزالون يثقون به لحل هذه الأزمة».

وبالرغم من ذلك، يرى الطالب اللبناني، أن أكثر الموالين المتشددين «يجدون صعوبة في قبول إصرار حسن نصر الله في خطابٍ سابق له على أن لا وجود لحزب الله في الميناء، حيث يخفي حزب الله والفصائل الأخرى حقيقة استخدام شبكاتهم التجارية الخاصة المنشأة في الموانئ».

ويضيف قائلاً: «حقيقةً، أنا لا أعرف إلى أي حد يعتقدون بأننا أغبياء. لقد تغير بالفعل موقف الأشخاص الذين يدعمون حزب الله لاسيما بعد الانفجار».

«ظروفٌ صعبة جداً»

ويقول “خشان”: إن «المأساة أعادت تركيز انتباه المجتمع الدولي على لبنان مجدداً بعد فترة طويلة من الإهمال، مما أدى إلى إدراك العديد من اللبنانيين حقيقة أن حزب الله أصبح عائقاً أمام تلقي البلاد للمساعدات الدولية اللازمة لتفادي المزيد من الانهيار الاقتصادي».

ويضيف قائلاً: «هذا يضع حزب الله في موقفٍ صعبٍ للغاية، لأن الجميع يعلم أن لبنان معلّق إلى حين التعامل مع قضية حزب الله بشكلٍ نهائي».

وقد أوضحت العديد من دول العالم التي سارعت إلى تقديم المساعدات الإنسانية إلى لبنان، أن المبالغ المالية الضخمة من المساعدات المطلوبة لإنقاذ اقتصاد لبنان المفلس؛ لن تلوح في الأفق ما لم يباشر البلد في عملية إصلاح سياسي جادة تضمن عدم تحويل مسار المساعدات من قبل السياسيين الفاسدين.

ومن بين الشخصيات الأجنبية الهامة التي تجولت في المناطق المنكوبة ووعدت بالمساعدة، كان “ديفيد هيل”، وكيل وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية.

وركز هذا الأخير في اجتماعه على أن #الولايات_المتحدة «مستعدة لإرسال مساعدات إنسانية، إلا أنه لن يكون هناك المزيد من الدعم بدون إصلاحات سياسية أساسية، بما في ذلك سيطرة الدولة على حدود البلاد وموانئها، الأمر الذي يشكل تهديد واضح لحزب الله».

وخلال زيارته للميناء المدمر يوم السبت الماضي، قال “هيل” للصحفيين: «أبداً لا يمكننا العودة إلى زمن يتم فيه تمرير أي شيء في الميناء أو عبر الحدود اللبنانية. كان ذلك سبباً لهذا الوضع».

دورٌ مزدوج تحت الضغط

من جانبه، يرى “فواز جرجس”، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد في لندن، أنه «من غير المقبول إلقاء اللوم بالفساد وسوء الإدارة اللذان أديا إلى إفلاس لبنان على حزب الله».

حيث يشير “جرجس” إلى أن «العائلات الغنية، التي شاركت في السلطة منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام 1990، مسؤولة بشكل رئيسي عن مليارات الدولارات التي فُقدت من النظام المصرفي، حارمةً بذلك اللبنانيين العاديين من مدخراتهم. إلا أن حزب الله أصبح مشبوكاً مع الدولة ومع مصير السياسيين الفاسدين الذين جندّهم الحزب كحلفاء لتعزيز طموحاته السياسية».

مؤكّداً أن «حزب الله، أصبح جزءاً من المعادلة السياسية اللبنانية. إنه يحاول الحفاظ على الوضع الراهن وليس استبداله».

لربما لا ينجو حزب الله من الامتحان الجديد والضوء الذي تم تسليطه عليه جراء الدور المزدوج الذي يؤديه باعتباره جزءاً قيادياً من الحكومة اللبنانية المتحالفة مع الغرب وقوة شبه عسكرية مدعومة من إيران التي تنافس الدولة.

من جانبها، ترى “كيم غطاس” من مركز (كارينغي) للشرق الأوسط، أنه على ما يبدو فإن «منافسي حزب الله الدوليين والمحليين قد اشتموا رائحة الدم ووجدوا أنها اللحظة التي يمكنهم الاستفادة منها من خلال الضغط على الحزب وحصره في الزاوية أو المساومة معه للوصول إلى تسوية».

إلا أن “غطاس” تؤكّد في الوقت ذاته، أن «تنظيماً مثل حزب الله؛ لديه قدرة فائقة ومدهشة للنهوض والازدهار خلال الفوضى».

أحد الأسئلة الأساسية التي تواجه لبنان الآن، هو كيفية تعامل حزب الله مع هذا التحدي. فكلمات نصر الله التهديدية في خطابه الأخير أنعشت ذكريات استيلاء حزب الله العسكري على بيروت الغربية عام 2008 كردٍّ على محاولة الحكومة تقليص قوته.

لكن وبحسب “عماد سلامة” أستاذ في الجامعة الأميركية اللبنانية، فإن الديناميكية اليوم «مختلفة وحزب الله في موقف أضعف بشكل كبير».

وقال “سلامة”: «لا أحد يشك في قدرة حزب الله على السيطرة على البلاد عسكرياً، إلا أن الأمر يختلف في أن يكون قادراً على حكم البلاد والحفاظ على السيطرة العسكرية. لبنان بلد متنوع جداً واقتصاده مرتبط بشكل كبير بالغرب والدول العربية».

وأضاف “سلامة” أن استقالة رئيس الوزراء #حسان_دياب إلى جانب حكومته الأسبوع الماضي، وهي أول حكومة مؤلفة بشكل كامل من حلفاء حزب الله، أوضحت انه لا يمكن لإيران وحدها إنقاذ لبنان. يجب أن تعود إلى التوازن الذي تحقق مع مشاركة مختلف اللاعبين الإقليميين».

 

المصدر: (Washington Post)


 


التعليقات