بغداد 31°C
دمشق 24°C
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
مدرعة أميركية تحمي أحد حقول النفط في منطقة الجزيرة السورية. المصدر: "إندبيندينت عربية"

اتفاق النفط بين أميركا والإدارة الذاتية: هل سيؤدي لازدهار اقتصادي أم اندلاع حرب جديدة؟


يُعدُّ الإعلان الأميركي العلني عن الاستثمار في قطاع النفط في شمال وشرق سوريا تطوراً ملحوظاً في العلاقات بين الإدارة الأميركية والإدارة الذاتية في المنطفة، والتي تخطت حدود العسكرة، إلى علاقة اقتصادية لها أبعاد سياسية، وربما تضع اللمسات الأخيرة على نوعية العلاقات المعقدة في سوريا بين القوى المتصارعة، وتوزيع الأدوار في عملية إعادة الإعمار مستقبلاً.

الإعلان جاء على لسان السيناتور الجمهوري “لينزي غراهام”، وتبعه تأكيد وزير الخارجية الأمريكي أن «الاتفاق في مرحلة التنفيذ»، ولم تذكر #الإدارة_الذاتية أو #قوات_سوريا_الديمقراطية أي تفاصيل عن آلية الاستثمار أو مكانه بشكلٍ رسمي، ولم تنف الخبر في الوقت نفسه.

 

ماذا تستفيد الإدارة الذاتية من الاستثمار الأجنبي؟

هذه الصفقة الاقتصادية أرادها الأميريكيون بدايةً في حقول محافظة #دير_الزور، وكانت الإشارة إلى المحافظة واضحة في تصريحات الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، بعد الانسحاب الجزئي لقواته من سوريا العام المنصرم، لكن بعد مفاوضات مع “قسد” قبلت الإدارة الأميركية بشروط “الإدارة الذاتية”، ومن خلفها “قسد”، بالاستثمار في حقول نفط “الشدادة” و”رميلان”، واستبعاد حقول دير الزور حالياً.

ويرى “خورشيد عليكا”، الباحث والخبير الاقتصادي، أن «هناك ترابطاً وثيقاً بين السياسة والاقتصاد، وأن استثمار شركة “دلتا كريسنت إنيرجي” الأمريكية في مناطق “الإدارة الذاتية”، وبموافقة من الكونغرس الأميركي، يعني الاهتمام بهذه المنطقة، وتحقيق استقرار سياسي وأمني واقتصادي فيها، ودعم “الإدارة الذاتية” من جميع النواحي، لتلعب دوراً رئيسياً في سوريا المستقبل، وتحظى بتمثيل مكونات المنطقة في المحافل الدولية، وخاصة اجتماعات جنيف».

ويتوقع “عليكا” أن «تكون هذه المنطقة قوة ضاغطة اقتصادياً وسياسياً على #الحكومة_السورية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وفقاً لقانون جنيف 2254، وقد تتحول إلى إقليم فيدرالي مستقبلاً».

من الناحية الاقتصادية لن يوفر العقد المحدود المبرم بين الطرفين تطوراً كبيراً في مستويات الاستثمار النفطي في الوقت الراهن. يُستخرج اليوم قرابة مئة ألف برميل يومياً في مجمل مناطق “الإدارة”، والمخططات لبناء مصفاتي نفط في المنطقة ستركز على نوعية المنتجات لا كميتها، بطاقة إنتاجية تصل لعشرين ألف برميل في اليوم.

لكن الباحث الاقتصادي “عليكا” يُشير لـ«انعكاسات إيجابية على اقتصاد المنطقة، وتوفير المشتقات النفطية بأسعار معقولة للسكان، وزيادة فرص العمل، فضلاً عن تأثير الاتفاق الإيجابي على الزراعة، وتوفير القطع الأجنبي لدعم الاستيراد. كما أن شركة “دلتا” الأمريكية ستحاول أن تدعم التنمية والبنية التحتية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، في محاولة لكسب رضا السكان».

 

البعد العسكري: سلاح ذو حدين

الاستثمار الأميركي عبر شركة “دلتا” سيجبر القوات الأميركية على توفير الحماية للشركة، إذ أنه تطلّب موافقة وزارتي الخارجية والخزانة الأميركيتين ومكتب “OFAC”، لتجاوز العقوبات المفروضة على النفط السوري، وهي رسالة قوية لتركيا، التي هدد رئيسها #أردوغان، قبل أسابيع، باستكمال تحقيق أهدافه العسكرية في سوريا، فيما اكتفت وزارة الخارجية التركية بإصدار بيان تنديد بالاتفاق، وصفه المراقبون بالخجول، وينتظر الرئيس التركي تفاصيل الاتفاق من الإدارة الأميركية، بحسب تصريح أدلى به في الأيام الماضية.

ويرى عديد من سكان المنطقة أن «الاستثمار في حقول “الرميلان”، التي تبعد حوالي اثني عشر كيلومتراً عن الحدود، يُشكل نقطة مفصلية لإفشال المخطط التركي، الهادف للتوغل العسكري في المنطقة لمسافة اثنين وثلاثين كيلومتراً، بحجة إقامة منطقة آمنة».

وفي الوقت ذاته يتخوّف آخرون من أن «تتخذ تركيا هذا الإعلان ذريعة لبدء جولة جديدة من الهجمات على “الإدارة الذاتية” و”وحدات حماية الشعب”، التي تعتبرها #تركيا امتداداً لـ”حزب العمال الكردستاني”».

وتستند مخاوفهم إلى استغلال تركيا للتصريحات الأمريكية نهاية 2018، عن السعي لتدريب مئة وخمسين ألف مقاتل من “قسد”، وهو ما اعتبرته تركيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي، دفعها للتوغل في مدينتي #تل_أبيض ورأس العين في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لذا يُطالب بعض الأهالي بـ«ضرورة سعي “الإدارة الذاتية” للضغط على القوى الغربية، بغية تطبيق حظر للطيران في شمال وشرق سوريا، بما يضمن حفظ الأمن والاستقرار».

 

الاتفاق يزيد من الأعباء الاقتصادية للحكومة السورية

الرسالة السياسية الأكثر وقعاً تلقتها الحكومة السورية، التي يوشك اقتصادها على الانهيار، فتطوير حقول النفط واستثمارها وبناء مصافي التكرير، يسمح لـ”الإدارة الذاتية” بإيقاف توريد النفط الخام لمصافي بانياس وحمص، عبر رجلُ الأعمال السوري المرتبط بروسيا “حسام القاطرجي”، المتحكم بتجارة النفط في الداخل السوري، وبهذا ستزداد التبعات الاقتصادية على الحكومة السورية، وربما ترتفع أسعار المحروقات لأضعاف مضاعفة في مناطقها، ما سيدفعها لتقديم تنازلات سياسية. وقد بدى انزعاج حكومة #دمشق واضحاً عبر بيان الخارجية السورية، الذي وصف الاتفاق بـ«غير القانوني، وسرقة علنية للثروات السورية».

ويرى الباحث “عليكا” أن «الحكومة السورية ستفقد توازنها قريباً، ففقدانها للسلة الغذائية والنفطية في الجزيرة السورية يعني عدم وجود موارد كافية للقيام بمهامها، بوصفها سلطة تقود دولة، وستزداد مديونيتها».

ويشير “عليكا” إلى «عجز حلفاء الحكومة السورية عن تقديم الدعم اللازم، مع انتشار جائحة #كورونا، ووجود ركود اقتصادي عالمي، وبالتالي ستزداد الضغوط على حكومة دمشق لتغيير سلوكها وهيكل هيئاتها ومؤسساتها، لتعود إلى طاولة التفاوض».

 

روسيا تستعد لمرحلة إعادة الإعمار

وكانت شبكة “CNN” الأميركية نقلت في وقت سابق عن “جيمس كين”، أحد مؤسسي شركة “دلتا”، وسفير أميركا الأسبق بالدنيمارك: «أُذنَ لنا بالمشاركة في جميع جوانب تطوير الطاقة والنقل والتسويق والتكرير والاستكشاف، ومساعدة الناس في المنطقة على إدخال منتجاتهم إلى السوق الدولية».

تصريحات “كين” تدّل على وجود خطة أميركية غربية لتسويق النفط أيضاً، وليس استخراجه فقط. ويوجد حالياً طريقان لنقل النفط إلى الموانئ: الأول عبر #الأردن، مروراً بـ”التنف”، وتمرير النفط عبر هذا الطريق قد يتطلّب مواجهة عسكرية بين “قسد” وقوات التحالف الدولي من جهة، وإيران والحكومة السورية ومن ورائهما #روسيا من جهة أخرى.

والاحتمال الثاني أن يتم التصدير من خلال الموانئ التركية، عبر أراضي #إقليم_كردستان العراق، وهذا سيتطلب تنسيقاً أمريكياً تركياً.

هذه الخطوة ستفتح الباب أمام توافد عديد من الاستثمارات الأجنبية إلى شرق الفرات، ومن ضمنها شركات روسية لتنافس النفوذ الأميركي اقتصادياً، وهناك معلومات عن تقديم بعض الشركات الروسية طلبات لاستثمار حقل “كونكو” للغاز، وحقول نفطية أخرى في دير الزور. وكانت “الإدارة الذاتية” قد أفصحت، في تعقيب مقتضب، عن وجود عروض من شركات مختلفة للاستثمار بالقطاع النفطي في شمال وشرق سوريا، ويبدو أن عقود الاستثمار لمرحلة إعادة إعمار سوريا باتت موضع نقاش وتفاوض جدّي.


التعليقات