بغداد 33°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

رسائلٌ مُخيفة من “سرت” إلى “عين عيسى”


بدأت التساؤلات تزداد، مع انكسارات القوات الموالية لحفتر شرقي ليبيا أمام مقاتلي الوفاق الوطني الموالين لحكومة السراج في طرابلس، والمدعومة من تركيا. كان الاستغراب بادٍ على الجميع. التقدمات السابقة لحفتر، وحصاره طرابلس، زادا من استغراب المشاهدين لانكماش قوات الرجل. كانت الاستفسارات تتمحور حول التفسيرات العسكرية البحتة لتلك الهزائم.

العوالم الأخرى في جبهة الرجل، لم تكن ذات قيمة، إذ بدأت التسريبات فيما بعد تتحدث عن خلافات الجنرال العسكري مع حلفائه من قادة البرلمان المنشقين عن الوفاق الوطني، شيء من الغرور العسكري من حفتر تجاه الحراك السياسي الموالي له، الغرور المُرافق برغبة السيطرة على كل شيء؛ هدد التشكيلة السياسية الرسمية المُتفق عليها ضمن محور حفتر.

هذا الغرور، سمح لبعض التوافقات الدولية، بتمرير انكسارات في جبهة الرجل لإعادته إلى جادة الصواب، بحسب المعيار الخاص بهم هم. التقبّل للآخر وقبول إبقاء الوضع والتشكيلة السياسية على حالها، كانت أحد عوامل تسهيل سقوط المدن بيد الوفاق الوطني.

هذه الزاوية من المعركة، كانت بعيدة كل البعد عن الرصد. شيءٌ من العقاب الجماعي من معظم الأطراف الداخلة في المعركة في ليبيا لدفع الطرف المُحتد إلى التراجع والليانة. الخوف من تلوث صورة المحور الذي يتلقى الدعم من دول كبرى كروسيا وفرنسا ودول إقليمية كمصر مع ظهور رغبة حفتر الجامحة للسلطة، دفع تلك الدول للصمت في بداية هزائم قوات حفتر، شيء من الرضا عن تلك الهزائم.

مع الوقت، وبعد تعادل القوة والنفوذ داخل محور حفتر ذاته، ضغطت تلك الدول على تركيا، وعلى الوفاق الوطني، للهدوء، والتوقف. مع التوقف ذاك، عاد السيد “عقيلة صالح”  رئيس برلمان شرقي ليبيا للمشهد السياسي الليبي، فيما يبدو أنه رضوخ جزئي لحفتر لمطالب الحلفاء بفسح المجال للشق السياسي للمشاركة في المفاوضات الباحثة عن حل للحرب الليبية المُتعددة الأطراف والتدخلات.

شيء من هذا الضغط، بدأ تمريره في شمال شرقي سوريا. تحاول روسيا من خلال مراقبة طائرات الدرون التركية، وهي تضرب مواقع (قسد) في شمال شرقي سوريا، تمرير رسائل غاضبة لقوات سوريا الديمقراطية، على الرغم من أنهم من المفترض في توافق معها لحماية شمال سوريا من الاحتلال الخارجي، رسائل فيها جزء من التهديد المباشر  من روسيا ضد قسد.

الغطاء الروسي للنظام في دمشق، يتمحور حول مفاهيم تكررها روسيا دوماً، منها السيادة المستقلة للبلاد والوحدة الوطنية والحكومة الشرعية. هذا النوع من السيادة في الميزان الروسي مختلف عما هو معتاد في الدساتير الرسمية للدول عندما يأتي وقت الصفقات والمقايضات.

كانت كعكة شرق حلب، أشهى بكثير من الحقوق السيادية السورية في شمال المحافظة، وكانت هدية ريف دمشق ذات قيمة أكبر من جغرافية عفرين القاسية. هذه الأيام تُرسل  غيوم جديدة على شرق الفرات حيث النفوذ الواضح المشترك بين قسد وواشنطن.

هزاتٌ داخلية تعزز القلق لدى قسد والإدارة المحلية في المنطقة، هدفها المُبطن ردع تلك الجهات الحاكمة من الانجرار النهائي لصالح أميركا، وخلط الأمور على الأميركيين نفسهم. وخاصةً، مع الحديث الكبير عن صفقة النفط في الحسكة وديرالزور.

الضربات المُتفرقة لطائرات الدرون التركية ضد نقاط قسد في المناطق ذات الكثافة الروسية، وبصمت روسي، شيء من هذه الرسائل والعقاب. الترويج لغزوات تركية قادمة شيء من هذه السياسة التخويفية. الخضات العشائرية والفوضى العارمة في أرياف ديرالزور التي تديرها قسد، شيء مشابه لما يحاول حلفاء حفتر فعله لدفعه للتراجع عن تصرفاته، وإن كان الفارق واضح في التفاصيل، والهياكل، بين الطرفين الليبي والسوري المحلي.

القلاقل العشائرية، والتي يتهم قسد النظام السوري بافتعالها، والهجمات المتكررة التركية على نقاط عسكرية لقسد في شمال البلاد، والتي يطالب قسد موسكو بردعها، جزء من تلك اللعبة.

فالروس مصرون على إظهار إن النفوذ الأميركي في شرق الفرات؛ لم يعد كما كان. لذا يمررون المخاطر على الجزء الذي لهم نفوذ رسمي به، ويحاولون في نفس الوقت تصدير بعض المشاكل بشكل غير مباشر للقسم الذي يديره قسد وواشنطن في شرق الفرات.

هذا النمط من اللعب، أصبح الحديث لدى بعض المتابعين المُشككين عن أن تريث الروس الطويل للتدخل ضد أنقرة في قضية انقطاع الماء عن الحسكة، رغم اتهامات البعض لقسد بدفع تركيا لتلك الجريمة من خلال قطعها الكهرباء عن المناطق التي تحتلها تركيا في رأس العين وتل أبيض، كان له أهدافه المُشابهة تلك.

وهذا ما يتم الترويج له أيضاً في ريف دير الزور الشرقي. أي العمل على تذكير تلك الإدارة بمدى عجزها، وقلة قدرتها على مواجهة الأمور وحدها. طبعاً، كل ما سبق لا يبرر الأخطاء الكارثية من القائمين على إدارة المنطقة، والتي فتحت الأبواب لتلك الأمواج، وخاصة في الجزء الذي لا نفوذ للروس، والنظام، والأتراك فيه.

الجانب المضيء في كل ما سبق، هو أنه من الممكن أن تكون هذه الهزات طريقة لدفع الجهات المحلية للبحث عن حلول لقضاياها العالقة، والتي إن بقت على حالها؛ ستهدد بحدوث كوراث كبيرة من حجم كارثة عفرين.

الهيكل الإداري الحاكم للمنطقة، يعاني من غرورٍ مشابه لغرور الجنرال في ليبيا، ويترفع كثيراً عن رؤية المشهد المتداع في عموم مناطق سيطرتها. هذا الغرور الذي يتلقى الضربات والهزات الروسية، سواء بإياد محلية أو بإياد تركية، وبصمت من التحالف الدولي، بهدف ردها إلى الرضوخ الروسي، هي بحد ذاتها، وخزات لا بد أن تكون الوسيلة لتذكيرها بأن تلك الثغرات التي يتم تمرير العقاب منها، هي بالتحديد النقاط التي لا بد من الجلوس، والتفكير بهدوء عن تقديم حلول لها، دون مواربة أو ترفّع أو غرور.

عقاب روسي غير مباشر لحفتر بإياد تركية في مضارب سرت، وعقاب روسي جديد، وغير مباشر، وبإياد تركيا مجدداً، وهذه المرة لقسد في مضارب بلدة عين عيسى.

هذا العقاب، لابد أن يؤسس للبحث عن حلول لكل تلك المشاكل الداخلية، والفوضى العارمة في بعض المناطق، بعيدة عن الذهنية السلطوية الحالية، والتي تعاني من شرخ كبير يتوسع بينها وبين الناس.

هذه الحلول، التي تظهر فيما يبدو على طاولة الحوار الرسمية عند حدوث النكبات وانتشار المخاطر، هي بالرغم من قساوتها، قد تكون المعبر الوحيد لدفع السلطات في شرق الفرات للبحث عن مراجعة للذات، والنجاة بأقل الخسائر المُمكنة، في خضم كل هذا العداوات والشراك المُحيطة.


 


التعليقات