بغداد 25°C
دمشق 22°C
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020
صورة تعبيرية- إنترنت

تنميط الجمال لدى المرأة


منذ القدم والبشر يهتمون بأجسادهم، كتجلٍ مادي وفريد لجمال الخلق وقوته، فهو منظم ومتناسق ويمتلك الكثير من الخصائص البيولوجية والجمالية الفريدة، وقد نال جسد المرأة اهتماماً خاصاً لجمال شكله، ومع مرور الوقت أصبح الموضوعة الجمالية الأكثر خصوصية، فالإنسان بطبعه يرغب ويشعر باللذة تجاه كل ما هو جميل، والمرأة بصفتها موضوع رغبة وافتتان من قبل الرجل، أصبح جسدها شكلاً من أشكال الجمال، يصوره الفنانون والشعراء والنحاتون في أعمالهم الفنية.

اختلفت مقاييس جمال المرأة بين عصرٍ وآخر، كانت المرأة السمينة هي الأجمل في العصر الحجري القديم، حلّت محلها المرأة النحيلة في عصر الفراعنة، أما لدى الإغريق اختلفت المقاييس الجمالية للمرأة كلياً، فالمرأة الجميلة هي التي تمتلك جسداً لا تناسق فيه مع أوراك سمينة وأثداء ضخمة، وفي ذلك العهد كان لجمال جسد الرجل أهمية تفوق أهمية جمال المرأة.

ثم عادت المرأة النحيلة ذات القوام الممشوق إلى الواجهة في العصر الفيكتوري، فكل عصر من العصور تميّز بتبنيه لصفات محددة تميز بها المرأة الجميلة عن غيرها، المرأة ذاتها التي لم تنجو من القولبة في شكل حياة محدد متمثل بالمنزل وتربية الأطفال، وممارسات الرجل الأبوية تجاهها، أصبحت موضوعاً يحكم عليه من قبل الرجل، إما بأهميته كمثير للرغبة والافتتان، أو بعدم أهميته نظراً لأنه لا يحمل المقومات المرجوة لاكتساب صفة “جميل”.

جمال المرأة كمحرك للرغبة

فطرياً، يتميز الإنسان بانجذابه نحو الجمال، بدايةً بالطبيعة وألوانها وطقوسها المختلفة والتي تبعث في النفس البشرية مجموعة من المشاعر يتلقاها الإنسان عبر حواسه لتنعكس على داخله بشعور عميق بالراحة والسكينة. يتحول هذا الانجذاب إلى حالة خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الجنسين، فالجمال باعتباره محركاً للمشاعر يترافق معه هنا شهوة ورغبة بامتلاك الآخر جسدياً، وتبدأ مرحلة جديدة من العلاقة متمثلة بالإغواء من قبل موضوع الجمال “المرأة” والرغبة بالامتلاك من قبل “الرجل”.

تداخلت المعطيات المحددة لجمال الجسد الأنثوي واختلفت بين حقبة وأخرى، وجميع هذه المعطيات تنبع من المجتمع، والذي غالباً ما يطلق أحكاماً لا موضوعية على المرأة، سواء كانت جسديةً أم نفسيةً في سبيل إبقاءها تحت السيطرة، عن طريق جعلها موضوعاً تقع عليه الأحكام.

إحدى الأشكال لتنميط المرأة، والذي يعد من أكثرها تأثيراً على ذات المرأة، هو تكريس فكرة الجمال كقيمة عليا تميزها وتجاهل جميع الصفات الأخرى في شخصيتها، يحدث هذا عن طريق الاستحواذ النفسي على المرأة بتكريس صورة ومقاييس محددة للمرأة الجميلة، تصبح موضع اهتمام النساء للوصول لهذه الصفات الخاصة، وارتباط تحقيق ذواتهن بامتلاكهن لهذه الصفات.

مؤخراً، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الكبير على العوالم المختلفة، بدأت أنماط جديدة من الجمال تُكرّس، فالجسد الجميل هو الذي يمتلك خصائص معينة متمثلة بامتلاء الصدر والأوراك والجسد الممشوق، بالإضافة إلى ملامح محددة للوجه، وأصبحت كل فتاة تستطيع الحصول على هذا الجسد والوجه الجميل بسبب التطور الطبي، وانتشار عمليات التجميل بشكل واسع، المشكلة بأن هذا النمط الذي روجت له وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، فرض نفسه لدرجة أن من لم يكن يراه جميلاً أصبح يراه كذلك، متجاهلاً أنواع الجمال المختلفة الموجودة أساساً وبشكل طبيعي بين البشر، وأصبح حكمنا على فتاة ما بأنها جميلة بمقاربتها لهذا النمط.

الجمال كوسيلة لإثبات الذات

ترغب معظم الفتيات في مجتمعنا بأن يكن جميلات، تبدأ الفتاة منذ الصغر بإظهار جمالها، وغالباً ما يكون هذا النوع من الجمال بسيطاً مرسوماً من قبل العادات والتقاليد المجتمعية، عند بلوغها سن الشباب ودخولها الفضاء الاجتماعي، وبسبب احتكاكها بأنماط مختلفة من الجمال، تبدأ بإظهار جمالٍ من نوع آخر خاص بها وناتج عما تلقته من خبرات وقيم في مجتمعها.

يصبح البحث عن الجمال “غاية” لدى الفتاة في مجتمع لا يحترم فكرها ووجودها، ويختصرها بأدوار اجتماعية بسيطة، ويحارب طموحها ورغبتها بالتحرر، ولهذه الغاية أبعاد ذاتية واجتماعية، فهي وسيلة لإرضاء وتحقيق الذات في مجتمع يمنع المرأة من تحقيق ذاتها، وهو بطاقة دخول ناجحة تقتحم بها المرأة الفضاء الاجتماعي وتلفت انتباه الطرف الآخر وتجذبه، لتحقق مصيرها المُكرّس للزوج والأطفال.

إن اختصار وجود المرأة بإطلاق أحكام قيمية لامتلاكها الجمال أو عدمه، هو انتهاك لحقوقها بالعيش كإنسان متحرر من القيود، وقد ينتج عن هذه المقاييس رضٌّ نفسي قاسٍ لدى الفتيات اللواتي لا يمتلكن شيئاً منها، لذلك تجب التوعية لخطورة هذا الموضوع، ولفت الانتباه إلى أن الجمال و تذوقه مختلف عند شخص وآخر، فهو يتشكل نتيجة صور متكررة يتلقاها الذهن البشري ويحللها لأفكار تعطيه أحكاماً منطقية وحسية عما يمكن أن ينال إعجابه أو لا، وبهذا يختلف الحكم الجمالي بين شخص وآخر بحسب ثقافته وبيئته والخبرات الشخصية والتجارب والقيم والأفكار المتوارثة، ويصبح الحكم بأن شكلاً محدداً للنساء “جميل”، حكم مجحف يُنمّط المرأة ويزيد من القمع والاستعباد الممارس عليها.


 


التعليقات